الرئيسية » مقالات » العراق والتنمية المستدامة (2)

العراق والتنمية المستدامة (2)

المهندس الاستشاري/

يحاول الاقتصاد الليبرالي تجريد مفاهيم التنمية البشرية والتنمية المستدامة من مضامينها التقدمية والديمقراطية الحقة،مثلما حاول الفكر البورجوازي في الحقبة السابقة طرح مفاهيم التخطيط والبرمجة والاعمار واعادة الاعمار والتنمية خارج السياق الاجتمااقتصادي والخارطة الطبقية . وكعادتهم يحاول دهاقنة الرأسمالية القديمة والجديدة اكساب هذه المفاهيم ،بما فيها التنميتين المستدامة والبشرية،الطابع المثالي والارادوي لخدمة قيم المشروع الحر والمنافسة في سبيل اقصى الارباح،القيم المتسترة بستار الحضارة الغربية كانعكاس للانهيار الاخلاقي التام بسبب الازمات البنيوية المستمرة وقبول الاخلاق الرأسمالية على علاتها ووحشيتها وقسوتها واستبدادها .في حقيقة الامر ، تكشف التنمية البشرية المستدامة واقع التباينات الاجتمااقتصادية والطبقية الحادة في المجتمعات وحجم الاهمال والحرمان والفقر ، وهي مكملة لمنهج التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى والقصير والتنمية كون جدليتها هي التفاعل البناء بين المصالح الخاصة والمصلحة الوطنية العامة لمواجهة جدلية التخلف بعناصرها التقليدية الداخلية والخارجية…
يتسع مفهوم التنمية البشرية لكل مجالات حياة البشر من تعليم وصحة وعيش وامن فضلا عن التمتع بالحريات الأساسية سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وتوسيع خيارات الناس، فالخيارات المتعلقة بالمشاركة السياسية والتنوع الثقافي وحقوق الإنسان هي ايضا من أساسيات حياة البشر.. مع الأخذ بنظر الاعتبار ان الخيارات الإنسانية الأساسية حاسمة جدا لان تلبيتها ستمهد الطريق امام الخيارات الأخرى.
اعتمدت التنميتان المستدامة والبشرية او التنمية البشرية المستدامة مبدأ جعل التنمية في خدمة الناس بدلا من وضع الناس في خدمة التنمية، وصار مفهوم التنمية مقترنا بتوسيع خيارات الناس سواء فيما يتعلق بموارد كسبهم او امنهم الشخصي او وضعهم السياسي او الاجتماعي.التنمية البشرية المستدامة هي تنمية لا تكتفي بتوليد النمو وحسب، بل توزيع عائداته بشكل عادل أيضا.. وهي تجدد البيئة بدل تدميرها، وتمكن الناس بدل تهميشهم، وتوسع خياراتهم وفرصهم وتؤهلهم للمشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتهم… ان التنمية البشرية المستدامة هي تنمية في مصلحة الفقراء والطبيعة وتوفير فرص العمل في مصلحة المرأة .. انها تشدد على النمو الذي يولد فرص عمل جديدة ويحافظ على البيئة.. فهي إذن تنمية تزيد من تمكين الناس وتحقق العدالة فيما بينهم..
قام قادة أكثر من مائتين وسبعين دولة بالتصديق على فكرة التنمية المستدامة تصديقا رسميا فى مؤتمر قمة الأرض في ريودوجانيرو عام 1992، بعد الاطلاع على التقرير الذى رفعته اللجنة العالمية المعنية بالبيئة والتنمية فى عام 1987… وسعت اللجنة المعنية بالبيئة والتنمية التابعة للأمم المتحدة والأجهزة التابعة لها لوضع تعريف للتنمية المستدامة يتلخص في الارتقاء برفاهية الإنسان والوفاء بالاحتياجات الأساسية للفقراء وحماية رفاهية الأجيال القادمة والحفاظ على الموارد البيئية ودعم أنظمة الحياة على المستوى العالمى وفى الحدود المسموح بها، والعمل على إدخال الأطر الاقتصادية والبيئية عند وضع القرار.ومع إصدار تقرير التنمية البشرية لعام 1994 فان مفهوم الأمن البشري لم يقتصر على امن الدولة بل شمل امن الانسان وامن المجتمع بشكل يضمن حقوق المواطنين إضافة إلى انه اخذ أبعادا متعددة .
يعيش الاقتصاد العراقي أزمة عميقة وشاملة تمتد جذورها إلى السياسات الاقتصادية للنظام المباد،وظهرت تجلياتها بوضوح إبان الحرب العراقية- الإيرانية،ثم استفحلت واتسعت مدياتها واتخذت بعدا كارثيا غداة حرب الكويت وتداعياتها،خاصة منها الحصار الاقتصادي المنهك.واكتسبت الأزمة ملامح جديدة بعد سقوط النظام في 9 نيسان 2003 ، واحتلال البلاد وتكريس ذلك دوليا في قرار مجلس الامن الدولي رقم 1483، وما اعقب ذلك من آثار سلبية جرّاء السياسات الاقتصادية لسلطات الاحتلال والحكومات الانتقالية التالية. وفشلت السلطات الجديدة في تلبية الاحتياجات الأساسية للشعب العراقي وتهاونت في معالجة ملفات الأمن والإرهاب ومحاولات غسل ذاكرة الشعب العراقي الوطنية وتكريس الفساد والافساد منهجا بحكم الطائفية السياسية والمحاصصات الطائفية وسيادة الولاءات الرجعية – دون الوطنية.
التنمية في بلادنا – هي استكمال بناء وتطوير القطاعات الاقتصادية الاساسية التي تستند في نموها الموضوعي على الثروات الطبيعية المتوفرة اصلا وتأهيلها للمساهمة في تعديل تركيب الصادرات العراقية والميزان التجاري ، وتشكل العلاقة العضوية السليمة بين الصناعة والزراعة محور ومحتوى التنمية ! . في التنمية يكون التركيز اساسا على تغطية متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي. في السبعينيات ركزت التنمية الاقتصادية على تقليل الفقر: قياس الفقر/ خط الفقر/ نسبة الفقر، توزيع الدخل: قياس التفاوت/ المعامل الجيني،زيادة التشغيل: قياس البطالة/ قياس الانتاجية،اشباع الحاجات الاساسية: الرقم القياس لنوعية الحياة (مؤشرات التغذية/ الصحة/ السكن/ التعليم)،وفي نفس الفترة صنفت التنمية الاجتماعية الدول الى صناعية متقدمة، نامية، أقل نموا، مخططة مركزيا.اما التخطيط فهو المفهوم الذي يتولى اعداد الخطط التنموية وفق جملة مبادئ سبق وعرضناها تفصيلا في دراستنا المعنونة التنمية المستدامة في العراق الحديث .ولا يمكن الحديث عن التخطيط دون المشاركة الحقيقية للجماهير في مناقشة ودراسة اوضاعه وتعقيداته واشكالياته وتوفير مستلزمات نجاحه على أسس طوعية وديمقراطية،وعبر الاحترام الكامل لحقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية واحترام التعددية السياسية والابتعاد عن القهرية الحزبية والميكافيلية والتدخل في الحياة الشخصية للناس! إن المصيبة التي تكاد أن تكون معضلة لا حل لها هي عدم الاستماع وغلق الآذان وكأن الأمور لا تعني الشعب بل تعني المسؤولين فقط وكأنهم الأكثر إخلاصا من غيرهم ..
التنمية والتنمية البشرية المستدامة والتخطيط في العراق تعني فيما تعني تحقيق الاستقلال السياسي وانتزاع السلطة من ايدي كبار الملاكين والبرجوازية المرتبطة اقتصاديا بالاحتلال (الكومبرادورية والطفيلية) والبورجوازية البيروقراطية في القطاع العام والحثالات الطبقية من القطاعات الطبقية المهمشة قسرا والمنبوذة او المتساقطة في معمعانة الصراع الطبقي حامي الوطيس والقوى الطبقية الرجعية المختلفة ،وتصفية العلاقات الانتاجية شبه الاقطاعية والسيطرة على تطور العلاقات الانتاجية الراسمالية وتحديدها في الريف ، والوقوف بحزم أمام دعوات حذف وتهميش قطاع الدولة وهي دعوات تلقي الدعم الواسع من المؤسسات الاقتصادية العالمية في الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية فإمكانيات القطاع العام على تخصيص الاستثمارات السنوية الممكنة تزيد بأضعاف مضاعفة قدرات القطاع الخاص والأهلي والتعاوني والمختلط معا ومما يعزز من ريادة هذا القطاع حاليا وفي المستقبل .قطاع الدولة هو الضمانة الأساسية للمصالح الاقتصادية الوطنية والخصخصة إلغاء حماية هذه المصالح وما يواجهه القطاع العام العراقي معضلات مفتعلة ليست من طبيعته .
تتعارض التنمية البشرية المستدامة مع بريمرية الاحتلال الاميركي وشروطها لتحقيق النمو الأقتصادي :إعادة توزيع إجمالية للموارد والأفراد بابعادهم عن سيطرة الدولة الى المؤسسات الخاصة، تعزيز التجارة الخارجية، تحشيد الرأسمال الوطني والأجنبي…وتشجع البريمرية القطاع الخاص على اعادة توزيع الموارد وتقليص وحتى الغاء الدعم للقطاع العام والسلع الأستهلاكية والضرورية للمواطنين بهدف زيادة الضرائب ورفع الأسعار وخفض القدرة الشرائية للمواطنين، واطلاق حرية السوق، واقحام اختراق الرأسمال الأجنبي لزيادة أرباحه وبالتالي خلق الخلل في الميزان التجاري لصالح الاستيراد على حساب التصدير والغاء دور السلطة في توجيه الاقتصاد ، وافقار الشعب ، والغاء دور الطبقة الوسطى ، وارساء أسس سيطرة حفنة من الأثرياء وحرامية القطط السمان على مقاليد الأمور. تهدف البريمرية تحويل العراق الى سوق حرة مفتوحة للبيزنس و بيعه بالخصخصة أي ليس اعمارا ( إعادة البناء ) او تخطيطا بل نقض بناء وتخطيط مسخ وفوضى دائمة بناءة! .
التنمية المستدامة (Sustainable Development) هي توسيع خيارات الناس وقدراتهم من خلال تكوين رأسمال اجتماعي لتلبية حاجات الاجيال الحالية (بأعدل) طريقة ممكنة دون الاضرار بحاجات الاجيال القادمة ،وإعادة توجيه النشاط الاقتصادى بغية تلبية الحاجات التنموية الماسة للدول والافراد والاجيال القادمة ، تلبية إحتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجاتها ، واختيار الأنماط الاقتصادية والاجتماعية التنموية التي تتناسب مع الاهتمام البيئى الملائم،ومنع حدوث أضرار سلبية من دورها أن تنعكس على البيئة العالمية. ويواجه العالم خطورة التدهور البيئي الذي يجب التغلب عليه مع عدم التخلي عن حاجات التنمية الإقتصادية وكذلك المساواة والعدل الإجتماعي.
اعتمدت التنمية البشرية المستدامة على قياس دليل التنمية البشرية Human Development Index ويتضمن الدليل التركيبي للتنمية البشرية ثلاثة مكونات:
الصحة: العمر المتوقع عند الولادة..
التعليم: معرفة القراءة والكتابة للكبار، معدلات الالتحاق بمراحل التعليم.
الدخل: متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي المعدل بالقدرة الشرائية الفعلية.
تضمنت تقارير التنمية البشرية التي اصدرها برنامج الامم المتحدة الانمائي UNDP قائمة طويلة من المؤشرات التفصيلية- الى جانب ادلة التنمية البشرية الثلاثة الرئيسة:
1. مقياس التنمية البشرية.
2. دليل التنمية البشرية المرتبط بالنوع الاجتماعي.
3. مقياس التمكين المرتبط بالنوع الاجتماعي.
المصادر الجديدة في توفير مؤشرات التنمية البشرية:
1. دراسة خارطة الحرمان ومستويات المعيشة في العراق.
2. نتائج المسح متعدد المؤشرات
3. نتائج مسح حالة التغذية .
4. نتائج مسح ميزانية الاسرة السريع .
5. نتائج مسح التشغيل والبطالة .
6. نتائج المسح البيئي .
التنمية المستدامة تعني :
 الشفافية والإعلام والمشاركة وتحقيق العدل وضمان المواطنة ،الديموقراطية البيئية،حرية التعبير عن الرأي، حكم القانون ،المجتمع المدني ،السلم الأهلي ، واطلاق البدائل الديمقراطية في مجالات الادارة والتعليم وصياغة القرارات المصيرية.
 الأولويات الجوهرية لحقوق الإنسان، حقوق الأطفال والحقوق المتساوية للمرأة ، ومكافحة التعذيب ونبذ عقوبة الإعدام، ومكافحة الإرهاب والفساد.
 إدارة الموارد الطبيعية، الإدارة المستدامة للغابات، وخفض عمليات التجارة غير القانونية بالاخشاب،احتواء الاخطار البيئية ونتائج هوس الحروب والعسكرة ، والتنوع البيئي، والسياحة المستدامة.
تلعب تقنية المعلومات دورا مهما في التنمية المستدامة عبر :
1. تعزيز البحث العلمي وتطوير تكنولوجيات المواد الجديدة والتكنولوجية المعلوماتية والاتصالات والتكنولوجيات الحيوية، واعتماد الآليات القابلة للاستدامة. المعارف والمعلومات تعد عنصرا أساسيا لنجاح التنمية المستدامة ولابد من نقلها الى العامة بامانة وكفاءة عبر الاتصالات والوسائط الملتيميدية والانترنيتية .
2. تحسين الأداء المؤسساتي بالتكنولوجية الحديثة .
3. تنمية القدرات العلمية والتكنولوجية وفرص الابتكار لترسيخ التنافسية وزيادة النمو الاقتصادي وايجاد فرص عمل جديدة وتقليص الفقر.
4. المضي قدما للتحول الى المجتمع المعلوماتي وإدماج التكنولوجيات الجديدة في خطط واستراتيجيات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
5. توسيع القاعدة المنظمة لاساسيات التحكم وتطبيقاته في المؤسساتية الاجتماعية.
6. إعداد سياسات وطنية للابتكار واستراتيجيات جديدة للتكنولوجيا مع التركيز على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
7. الدراسة الأكاديمية والشعبية للاقتصادين الكلي والجزئي (Macro & Micro).
8. خفض الشدة الطاقية عبر رفع كفاءة إنتاج المواد الحاملة والناقلة للطاقة (Energy Carriers) وتقاس عادة بوحدة ( كيلوواط ساعة/طن من الوقود المحترق )،رفع كفاءة تقنيات استهلاك الطاقة ، التغيير الهيكلي في استخدام المواد كثيفة الطاقة (Intensive) وتقليص الطلب عليها في المستويات العليا للنشاط الاقتصادي..كل ذلك يعزز من ميل هبوط الطلب على الطاقة والتوجه الى انتاج السلع بدل إنتاج الخدمات! .
9. تطوير البرامج الوطنية لحفظ الطاقة.
تلوثت البيئة العراقية بالحروب الكارثية وسياسات العسكرة والارهاب والقمع وصناعة أسلحة الدمار الشامل والاحتلال. وشمل التلوث البيئي تلوث المياه وتلوث الهواء ، تلوث التربة والتلوث الضوضائي والتلوث البصري والتلوث الشمي والتلوث الاشعاعي والتلوث الكهرومغناطيسي. ادى الحصار الاقتصادي الى موت اكثر من 5000 طفل عراقي دون الخامسة من العمر شهريا وموت اكثر من مليون عراقي نتيجة سوء التغذية ونقص الادوية الى جانب التسول والبغاء والانتحار العائلي وانهيار التعليم واضطرار العلماء والمثقفين لبيع مكتباتهم وانهيار النظام الصحي ونزوح 4 ملايين من ارض العراق.
المحاصصة الطائفية والصراع على تقاسم السلطة دون اكتراث بمعاناة الشعب العراقي وفظاعات الارهاب واعمال العنف الطائفي واستمرار تردي الخدمات العامة تعتبر جميعا وراء تفاقم الازمة السياسية الراهنة الحادة في العراق وامتداد لكوارث صدام حسين الخرافية. وبعد سقوط الدكتاتورية ودخول القوات الاميركية للعراق في نيسان 2003 ، عملت الولايات المتحدة على اجهاض اية فكرة تعطي المنظمة الدولية دورا فاعلا ونشيطا في بلادنا سوى دور هامشي لبعثة الامم المتحدة (يونامي)برئاسة سيرجيو ديميللو الذي قضى في تفجير مقر البعثة في بغداد آب 2003 مما ادى الى سحب معظم موظفيها من العراق.وقد اثار قرار 1770 لمجلس الامن في توسيع دور ونشاط الامم المتحدة في العراق جدلا و آراء مختلفة في الاوساط السياسية العراقية ومجلس النواب .
اكدت خطة التنمية الإستراتيجية ،التي أعدتها وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي للسنوات الثلاث المقبلة ،أن هناك إتجاها للتدهور في جميع مؤشرات التنمية البشرية ، مقارنة بأساس عام 1980 وأشارت الخطة، إلى أن ” نتائج المسح التي نشرت مؤخرا أظهرت مدى التراجع الكبير في نوعية الحياة للعائلة العراقية.”
يتبع .


5/10/2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *