الرئيسية » مقالات » الدكتور محمد محمد صالح ودوره في تطوير دراسة التأريخ الأوربي في العراق

الدكتور محمد محمد صالح ودوره في تطوير دراسة التأريخ الأوربي في العراق


مركز الدراسات الإقليمية –جامعة الموصل

الأستاذ الدكتور محمد محمد صالح ، مؤرخ ، واستاذ جامعي متخصص بالتاريخ الحديث ، عرفته منذ ان كنت طالبا في كلية التربية ، جامعة بغداد اوائل الستينات من القرن الماضي ، ودرسني مادة ( المؤرخون الاوربيون في القرن التاسع عشر ) في مرحلة الماجستير اوائل السبعينات .. ولد في مدينة السليمانية بكردستان العراق سنة 1925 وكان ابوه نائبا في مجلس النواب العراقي ( البرلمان) ايام الحكم الملكي (1921 ـ1958) ، واكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والاعدادية في السليمانية ، ثم دخل كلية الاداب بجامعة بغداد ليحصل على شهادة البكالوريوس في التاريخ بدرجة شرف ، ولم يقف عند هذا الحد بل سافر الى الولايات المتحدة الامريكية ، ضمن بعثة علمية ، وقد حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة شيكاغو سنة 1957 .
عاد الى الوطن ، وعين مدرسا لمادة التاريخ الاوربي الحديث في قسم التاريخ بكلية التربية ، وللسنوات الواقعة بين 1958 و1968 ..
صدر مرسوم جمهوري بتعيينه رئيسا لجامعة السليمانية سنة 1970 وبقي كذلك حتى سنة 1971 ، اذ اعفي من منصبه ، فعاد استاذا للتاريخ الحديث في كلية الاداب بجامعة بغداد . واتذكر انني زرته عندما كان رئيسا لجامعة السليمانية وقد قامت بيني وبينه صداقة علمية حتى انه كلفني في مرات عديدة ان احصل له على بعض الكتب النادرة التي كان يبحث عنها ومنها على سبيل المثال كتاب المؤرخ الموصلي المرحوم الاستاذ عبد المنعم الغلامي الموسوم ((الضحايا الثلاث)) المطبوع بالموصل سنة 1955 ، وسر اهتمامه بهذا الكتاب انه اراد ان يعرف الاسباب الحقيقية لحادثة وقعت في مدينة الموصل سنة 190 وسميت في حينه ( دقة الشيخ سعيد ) أي حادثة مقتل الشيخ سعيد وقد تطرق اليها الكتاب المذكور بالتفصيل والشيخ سعيد هو الشيخ سعيد البرزنجي في الموصل والذي كان من قادة الحركة الكردية القومية المناوئة لحزب الاتحاد والترقي الذي سيطر على السلطة في الدولة العثمانية اثر انقلاب 23 تموز / يوليو 1908 وخلع السلطان عبد الحميد الثاني 1876 ـ1909 سنة 1909 ، وقد انتهج الاتحاديون سياسة طورانية عملت على تتريك العناصر التي تتألف منها الدولة العثمانية وناؤت العرب والاكراد وحاولت ابعادهم عن العمل من اجل بناء دولتهم القومية ..
كان الدكتور محمد محمد صالح عضوا في جمعية المؤرخين والاثاريين العراقيين ، ومقرها بغداد ، وقد انتدبته الجمعية مرة لتمثيلها في المؤتمر الدولي للمؤرخين الذي انعقد في سان فرانسيسكو الامريكية سنة 1975 .
لم يكن الاستاذ الدكتور محمد محمد صالح ، من الاساتذة المكثرين في التأليف والنشر ، لاسيما في السنوات الاولى من حياته العلمية ، لكني وجدته على قدر كبير من النشاط العلمي في اواخر السبعينات واوائل الثمانينات من القرن الماضي حتى انه ارسل الي ، وانا رئيس لقسم التاريخ بكلية التربية بجامعة الموصل (1980 ـ1995) ، عدة رسائل يدور معظمها حول رغبته في مساعدتي لنشر بعض مؤلفاته في دار ابن الاثير للطباعة والنشر التابعة لجامعة الموصل ، وقد فعلت في حينه ما استطعت وطبعت له في هذه الدار بعض الكتب او اعيد طبع البعض منها واغلب الظن انه كان يكتب ولا ينشر ، ومعظم كتاباته كانت في اللغة الانكليزية التي كان يتحدث فيها بطلاقة .
من مؤلفاته المنشورة :
1 . تاريخ اوربا الحديث وطبع في مطبعة شفيق ببغداد سنة 1968 واعيد طبعه في دار ابن الاثير للطباعة والنشر في الموصل عدة مرات وبدون ذكر تاريخ الطبع
2 . تاريخ اوربا من عصر النهضة الى الثورة الفرنسية (بغداد ،1982)
3 . تاريخ اوربا في القرن التاسع عشر (بالاشتراك) ، (1986)
4 . الدول الكبرى بين الحربين العالميتين ، بالاشتراك مع الدكتور ياسين عبد الكريم والدكتور نوري عبد غيث السامرائي (مطبعة جامعة بغداد ، بغداد 985 ) .
نشر بحوثا ودراسات عديدة في بعض المجلات الاكاديمية ، كمجلة الجمعية التاريخية العراقية ومجلة المؤرخ العربي ومجلة الاستاذ منها على سبيل المثال :
1 . ((استعمار افريقيا وتقسيم القارة الافريقية في مؤتمر برلين 1884 ـ1885 بين الدول الكبرى الاوربية )) ، ( مجلة المؤرخ العربي ،1978)
2 . ((التطور الاقتصادي في العراق 1958 ـ968 )) ،(مجلة المؤرخ العربي ، العدد 20 ،1981 )
3 . (( تطور الفكر الديمقراطي في اوربا )) ، مجلة الاستاذ ، تصدرها كلية التربية بجامعة بغداد ، المجلد (14) ، العدد 1 ـ 2 ، بغداد ،1967 ))
4 . تأثير التقدم العلمي على الحركة الفكرية في اوربا )) ، مجلة الاستاذ ، المجلد (15) ـ بغداد ،1968
كان الاستاذ الدكتور محمد محمد صالح وفيا لزملائه وخاصة من الذين احتفظ لهم في قلبه والفة شديدين ، لذلك عندما توفي الاستاذ الدكتور جعفر حسين خصباك في التاسع عشر من كانون الثاني سنة 1994 ، ابى الا ان يؤبنه ويكتب عنه مقالة وافية نشرتها مجلة المؤرخ العربي بعنوان ( الدكتور جعفر خصباك 1920 ـ1994 ) وذلك في عددها 56 الصادر سنة 1998 .. ومما قاله انه التقى الدكتور جعفر عندما جاء الى جامعة شيكاغو للحصول على شهادة الدكتوراه وقد حصل عليها في سنة 1952 وكان عنوان اطروحته ((انكلترا والحركة القومية في مصر 1918 ـ1924 )) ، واضاف ((كان المرحوم جعفر مختصا بالتاريخ الاوربي الحديث ، وقد اخذنا بعض المساقات (مواد دراسية) ( في جامعة شيكاغو) سوية كاوربا في القرنين السابع عشر والثامن عشر ، وتاريخ انكلترا الدستوري ، واستغربت لما سمعت انه بعد رجوعه الى بغداد اهتم بدراسة العهد المغولي واعتقد ان ذلك كان بتأثير ( المستشرق كوستاف فون كرونباوم) الاستاذ في المعهد الشرقي بجامعة شيكاغو ، الذي اخذ معه جعفر عدة مساقات ، وكان فون كرونباوم يؤكد على كتابة ارطوحته عن العهد المغولي ، لان احدا لم يكتب عنه ، ومهما كان السبب فان جعفر لم يكتب عن المغول ، ( وهو المتخصص بالتاريخ الاوربي الحديث) الا بعد رجـوعه الى بغداد وقد تأثر فـون كرونباوم بذلك )) .
ويصل الدكتور محمد محمد صالح الى تقييم اعمـال الدكتور خصباك بقولـه (( كان مؤرخا اصيلا ومحللا دقيقا)) .
عندما تتلمذت على يد الاستاذ محمد محمد صالح ، شعرت بانه كان متمكنا من التاريخ الاوربي الحديث على الجانب السياسي وحسب ، بل انه كان على اطلاع واسع بالنزعات الفكرية ، واتجاهات حركة الاختراعات وتأثيراتها . وقد يستغرب البعض من ان الدكتور محمد محمد صالح ركز عند تدريسنا مادة التاريخ الاوربي الحديث في الدراسات التاريخية العليا بكلية الاداب ـ جامعة بغداد اواسط السبعينات من القرن الماضي على المدارس التاريخية الاوربية وكتبت باشرافه وضمن ( كورسات) المادة السماة ( المؤرخون الاوربيون في القرن التاسع عشر) ، دراسة عن ترايتشكه ومنهجه التاريخي ونشرت فيما بعد في مجلة المؤرخ العربي ( العدد 21 ) ، 1982 بعنوان”ترايتشكه : فكره التاريخي ومواقفه السياسية” وقد حظيت الدراسة باهتمامه وتقييمه لها تقييما ممتازا .
ينتمي الاستاذ الدكتور محمد محمد صالح الى المدرسة الغربية ( الانكليزية والامريكية) في كتابة التاريخ ، وهي نفسها المدرسة التي يلتزم بها عدد كبير من المؤرخين العراقيين وخاصة من الجيل الاول ( جيل الدكتور زكي صالح) ، والدكتور فاضل عبد الكريم ، والدكتور جعفر حسين خصباك ) . وقد تتلمذت انا وزملائي على هؤلاء الاساتيذ رحمهم الله جميعا ، فانتهجنا المنهج نفسه ، وهـو ( المنهج العلمي التأريخي) الذي يعتمد الوثائق ، والتنصيص ، والتهميش ، والتحليل والتعددية في التفسير التاريخي ، والموضوعية ، في كتاباتهم التاريخية .. لذلك فالمدرسة التأريخية المعاصرة مدرسة موضوعية علمية رصينة .
في كل كتابات المؤرخ الاستاذ الدكتور محمد محمد صالح كان هناك تركيز على جوانب مهمة من التاريخ الاوربي الحديث وخاصة في القرن التاسع عشر ، فهو يهتم بالنشاط الصناعي والتجاري في دول اوربا الغربية وخاصة انكلترا ويتناول توسعها الاستعماري لكنه لايغفل الوقوف عند الاصلاحات الدستورية وكذلك الامر بالنسبة لالمانيا وايطاليا وامبراطورية آل هاسبر حيث يحرص على تناول سياسة بشمارك الداخلية والخارجية 1871 ـ 1890 ومشاكل ايطاليا وانظمة الحكم فيها ، لكن الموضوع الذي يحظى باهتمام الدكتور محمد محمد صالح اكثر من غيره هو التطور الفكري في اوربا والذي تنضوي تحت عنوانه مفردات عديدة ابرزها امران هما التقدم في العلوم الطبيعية وانعكاسات ذلك كله في التقدم الذي احرزته العلوم الاجتماعية والانسانية والفنون والاداب .
ويرى الدكتور محمد محمد صالح ان الحقبة الاخيرة من القرن التاسع عشر والعقد الاول من القرن العشرين تتميز بالواقعية والمادية ، و (( تتلخص الصفات العامة لهذه الحقبة بالتأكيد على القومية والعسكرية والتسلح وازدياد انتشار الحضارة الغربية في العالم وتأثيرها على الحيـاة العقلية واليــومية في كل مكان )) . وكان يرى ان اهتمام العلماء والمفكرين الاوربيين بالعلوم الطبيعية والانغماس فيها ، وتحول الناس من الفلسفة الى العلم جاء لاعتقادهم بان التقدم الصناعي والعلمي وازدياد المكائن يؤدي الى كثرة الانتاج وانتشار الرخاء )) .
لقد اعتقد الدكتور محمد محمد صالح ان النصف الاول من القرن التاسع عشر كان يتميز كذلك بكونه عصر الفلسفة ، وقد وقف هيكل على راس هذا العصر وعدت الافكار الفلسفية انذاك علاجا للامراض الاجتماعية وقوة محركة لهدم النظام السائد .. كما كانت الاشتراكية الطوبائية وغيرها من الافكار الفلسفية السائدة انذاك هي السائدة في المجتمع الاوربي ، ولكن ثورات سنة 1948 التي عمت اوربا ، اثبتت عقم بعض النظريات الفلسفية وخطأ البعض الاخر ، ولم يقف الامر عند هذا بل اصبح هناك قناعة لدى عدد من الناس بعدم اهمية الفلسفة بصورة عامة ، الامر الذي ادى الى ازدياد الاقبال على العلوم والتكنلوجيا ، ومنذ ذلك الوقت عد النصف الثاني من القرن التاسع عشر عصـر العلوم والتقدم العلمي . وقد يكون من المناسب الاشارة الى ان الدكتور محمد محمد صالح اكد من خلال كتبه ودراساته على اهمية تاثر العلوم الاجتماعية والعلوم الانسانية ومنها التاريخ بالتقدم العلمي وكذلك في الادب حتى ان الحقبة الواقعة بين سنتي 1870 ـ1910 تعد حقبة ( الواقعية) في الادب ، هذه النزعة التي حـلت محـل ( الرومانسية) . وقد ظهرت الواقعية اولا في فرنسا في الفن التشكيلي ثم انتقلت الى الادب ، وتاثر الانكليز بهذه النزعة وظهر كتاب انكليز وحتى امريكان يؤمنون بالواقعية منهم توماس هاردي 1840 ـ 1828 وفي انكلترا وهنري جيمس 1843 ـ1916 في الولايات المتحدة . لكن التحول الفكري المهم كان يتمثل بظهور النزعات الاشتراكية ، سواء الماركسية منها او الفوضـوية او السندكالية ( النقابية العمالية ) . وقد بدأت الماركسية ( نسبة الى كارل ماركس) تنتشر في اوريبا منذ ان نشر ماركس مع فردريك انجلر البيان الشيوعي سنة 1948 والذي انتقد فيه الحرية البرجوازية والاشتراكية والطوباوية وسمى اشتراكيته بـ (الاشتراكية العلمية ) . وقد امد البيان الشيوعي على الصراع الطبقي وقسم العالم بين الراسماليين والعمال ( البروليتاريا) ودعا العمال في العالم الى ان يتحدوا ..
وفي كتابه (رأس العالم ) الذي نشره سنة 1867 بين ماركس فلسفته الاقتصادية وقال ((ان حضارة كل عصر تقررها الاحوال الاقتصادية ، وان مجرى التاريخ تقرره سلسلة من الصراع الطبقي لاجل السيطرة على وسائل الانتاج . كما ان المرحلة التي كان يعيش فيها تعد مرحلة برجوازية تعقبها مرحلة عمالية وقد قاد ماركس الحركة الاشتراكية في العالم ونظم الاشتراكيين في اوربا وعلى اساس نظريته قام الاتحاد السوفييتي وانقسم العالم الى ( رأسمالي ) تقوده الولايات المتحدة الامريكية ، و ( اشتراكي ) يقوده الاتحاد السوفييتي ، وشهد العالم بين 1945 وحتى 1990 حربا باردة بين المعسكرين انتهت بتفكك الاتحاد السوفيتي في اوائل التسعينات من القرن الماضي وبروز الولايات المتحدة الامريكية كقوة عظمى اولى في العالم ..
بالرغم من ان الدكتور محمد محمد صالح كتب عن الفكر الاشتراكي ونظرية التقدم ، الا انني كنت احس من خلال كتاباته ايمانه بالليبرالية وبالفكر الديموقراطي حيث انه كان يعتقد بأن الديموقراطية اصبحت ((محط امال الشعوب وأمانيها نظرا لما في ذلك من تقدم وازدهار للمجتمع وخير ورفاه للفرد)) .
لقد كان للدكتور محمد محمد صالح فضل كبير في اشاعة الاهتمام بالتاريخ الاوربي الحديث والمعاصر اذ تتلمذ على يديه ومن دراساته وكتبه اجيال كثيرة من الطلبة والباحثين الذين ترك في تكوينهم الثقافي والعلمي ، بدون شك ، اثرهم الواضح خاصة وانهم اليوم يتبؤأون مراكز مهمة ليس في المجتمع العراقي وحده بل وفي المجتمع العربي كله ..
عن مجلة علوم انسانية –موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين للأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف

تعليق واحد

  1. د صالح الجبوري

    اتقدم بشكري لاستاذي الفاضل دابراهيم العلاف لايفاء الجميل للمؤرخ الكبير د محمد محمد صالح لقد كان مثالا للعالم الذي لاينضب متهل علمة ولايبخل بفكرة على طلبتة لقد كان لة الاثر هلى صيرورة افكاري في المرحلة الثانية بكلوريوس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *