الرئيسية » مقالات » ثقافة التقديس وثقافة التجهيل وجهان لعملة واحدة

ثقافة التقديس وثقافة التجهيل وجهان لعملة واحدة

لقد عرفت البشرية ثقافة تقديس الأفراد منذ فجر تأريخها وكان فيه للحكام ورجال الدين الحظ الأوفر من غيرهم بسبب صبغة الشرعية المستندة الى الدين التي كان يضفيها بعضهم على البعض الآخر فقد كانت العلاقة بين الطرفين حتى وقت قريب أشبه بالشراكة المتفق عليها توفر للأول الإحتفاظ بملكه وسلطانه وتسيّده على الناس وللثاني إستمرار تدفق أموال الهبات والقرابين التي يقدمها بسطاء الناس إليه تقرباً الى الله.. وبمرور الوقت وتقدم الزمن وتطور المجتمعات وظهور مفهوم الدولة الحديثة تراجعت ثقافة تقديس الحكام بل وباتت شبه معدومة بإستثناء حالة أو حالتين في كل العالم في حين بقيت هالة القدسية تحيط برجال الدين حتى يومنا هذا ولكن طبعاً بدرجات متفاوتة تعتمد على درجة تقدم الدول وتطور مجتمعاتها.. ولكون مجتمعاتنا التي سارت لفترة محدودة في ركب الحضارة والتمدن عادت اليوم لتحتل المراكز الأولى من بين المجتمعات الأكثر جهلاً والأقل ثقافة في العالم نجد بأن ثقافة تقديس الأفراد بسبب منزلتهم الدينية بدأت تعود وتتفشى وبشكل أخطر من السابق كونها لم تعد مقتصرة على عوام الناس وبسطائهم بل تجاوزتهم الى النخب السياسية والثقافية والأجيال الجديدة والفئات المتعلمة بغض النظر عن توجهاتها الفكرية سواء كانت إسلامية أو قومية أو حتى يسارية فالويل لمن ينتقد رجل الدين الفلاني والويل لمن ينتقد مؤسس أو زعيم الحزب الديني العلاني فهؤلاء اليوم مُقدّسون من قبل أتباعهم ومريديهم أكثر من الله متناسين أنهم بشر كغيرهم يُخطئون ويُصيبون وأن مكانتهم في الدنيا والمجتمع تقاس بقدر مايُقدموه لأوطانهم ومجتمعاتهم من أعمال نافعة ومفيدة.

فكم من أقوام وشعوب وأمم على هذه الأرض رُزقت بقادة وزعماء سياسيين ودينيين قدّموا لها ولأوطانها أضعاف ماقدّمه لنا قادتنا وزعمائنا السياسيين والدينيين ولم تُقدسهم لافي حياتهم ولابعد مماتهم.. فأين قادتنا وزعمائنا وماقدّموه لنا من الزعيم التحرري الهندي الخالد غاندي وماقدّمه وحققه لأبناء شعبه الهندي على إختلاف مشاربهم وإنتمائاتهم وطوائفهم؟.. وأين هم من الزعيم التحرري الأمريكي الخالد إبراهام لنكولن وماقدّمه وحققه لأمريكا والعالم أجمع؟.. وأين هم من التجربة النضالية والإنسانية الرائعة للزعيم التحرري الأفريقي الخالد مانديلا وماقدّمه وحققه لجنوب أفريقيا من إنجازات؟.. فهؤلاء القادة والزعماء التأريخيين الأفذاذ لم يعودوا اليوم في ذاكرة شعوبهم المنشغلة بلقمة العيش وإستخدام الإنترنت وإختيار أماكن قضاء الإجازة سوى رموز وطنية كبيرة تُحترم وتُستذكر بإعتزاز ولايُنسى فضلها لكن لاتُقدس ولاتُرى صوَرها في القمر وتُعلّق في كل شارع وفي كل حي وزقاق وبيت كما يحدث مع سياسيينا ورجال الدين عندنا في حياتهم بل وحتى بعد مماتهم !.. إن المفارقة التي تكشف مدى هشاشة وتخلُّف الوعي الجمعي لدى شعوبنا مقارنة بثبات ونضج وعي بقية الشعوب الغربية منها والشرقية والأفريقية هو إن شخصياتهم السياسية والدينية تتحول فقط وفقط بعد تركها للسلطة أو موتها الى رموز وطنية لا أكثر على الرغم من أن بعضها قام بأعمال وإنجازات تأريخية خالدة عجزت عنها حتى أحزاب في دول أخرى أما شخصياتنا السياسية والدينية فهي محاطة بهالة القدسية منذ ولادتها وحتى مماتها إما لنسبها العشائري أو لمكانة أسرها الدينية أو نتيجة لطرحها أفكار وشعارات لم تحقق منها ولا 1 % ورغم عدم قيامها بِعُشر الأعمال والإنجازات التي قامت بها الشخصيات السياسية والدينية للشعوب آنفة الذكر.. ففي الوقت الذي كان فيه غاندي يفترش الأرض مُمسِكاً بمغزله ليخيط له ولأبناء بلده ملابس تكسيهم ليعلمهم التواضع وحب العمل نرى أحد سياسيينا الذي يدّعي بأنه قد ورث العِلم أباً عن جد قد سارع فور دخوله العراق الى الإستيلاء على منزل أحد رموز النظام السابق ليُحوّله وكل المنطقة المحيطة به الى محمية مُحصّنة تتوفر فيها كل الخدمات ولاتنطفيء عنها الكهرباء من دون كل العراق فقط له ولرجاله ولأفراد حزبه وميليشياته؟.. وفي مقابل مانديلا الذي زهد بالحكم والسلطة والكراسي ولم (يُعرِّت) بها بعد أن إختاره شعبه رئيساً للجمهورية لأربع سنوات ورفض ترشيح نفسه لأربع سنوات أخرى وفضل أن يصبح مواطناً بسيطاً يخدم بلده وأبناء شعبه في ميادين أخرى غير السياسة نرى أحد ساستنا الجدد الذي يَدّعي أيضاً العلم والمعرفة والورع وبعد توليه للمسؤولية في العراق (يُعرِّت) بها ولايطيق عنها فكاكاً ويرفض التنازل عن منصبه حتى وصل به الأمر الى أن يقول إنني مختار من السماء لأكون في هذا المنصب وبالمناسبة فإن هذين المثالين الذين ضربناهما مقارنة بغاندي ومانديلا هم من رجال الدين الذين من المفترض أنهم زاهدون في الدنيا في حين أنهم في الحقيقة متمسكين بأذيالها الى آخر نفس .


إن القدسية هي لله وحده خالق هذا الكون الفسيح اللامتناهي ومبدعه وما الإنسان الذي هو على الدوام عرضة لمؤثرات خارجية وداخلية عديدة تجعله يصيب ويخطيء بحق نفسه وبحق الآخرين سوى كائن من ضمن الكائنات الفانية العديدة التي تعيش على كوكب الأرض الذي هو كحبة رمل في مجرتنا المليئة بمليارات الأجرام السماوية والتي هي بدورها حبة رمل في الكون المليء بمليارات المجرات لذا كيف نمنح لبعضنا البعض القدسية؟.. وماهي أفضلية البعض منا لينال القدسية على حساب البعض الاخر؟.. أهو التبحر في الدين !.. وإن يكن.. أليس هنالك من هو متبحر في العلم (الفلسفة والفلك والطب والفيزياء والإجتماع والكيمياء والتأريخ والهندسة والكمبيوتر) وآخر متبحر في الثقافة (الفن والأدب) وآخر متبحر في الفن (الموسيقى والغناء والرسم والنحت والتمثيل والموسيقى) وكلها أمور لايفقه منها رجل الدين مثقال ذرة قياساً بالمتخصصين فيها !.. بل إن هنالك اليوم من المفكرين والباحثين المتدينين المعتدلين مَن هُم أكثر علماً من كثير من رجال الدين وقد كتبوا عشرات الكتب والبحوث في مجال بعض الطوائف والأديان إلا أنهم لم ينالون عشر الإهتمام والتقدير ولانقول التقديس الذي يناله مُعمّم من هذه الطائفة أو من هذا الدين من قبل معتنقيه البسطاء.. ثم مالذي قدّمه رجال الدين للبشرية منذ قرون مقارنة بشخصيات مثل (غاليلو وأديسون ودافنشي والخوارزمي وبتهوفن والفريد هويل وإبن سينا وبيكاسو ولنكولن والمتنبي وستيفن هاوكنغ وموزارت وعلي الوردي ومدام كوري وجايكوفسكي) وغيرهم المئات.. فكل هؤلاء لم يطلبوا منا أن نمنحهم صفة القُدسية بل إن أغلبهم لم تَعرف البشرية أهميتهم وقيمتهم ولم يُكرَّموا ولاحتى تكريماً رمزياً إلا بعد وفاتهم بسنوات وربما عقود.. أن تقديس بعض البشر من قبل البعض الآخر هو دليل قاطع على قصور العقل البشري والإنسان ككل وبالتالي عدم إستحقاقه للتقديس فكيف يُقدس الإنسان إنساناً مثله يخطيء ويصيب ويكره ويحب ويحقد ويسامح وينسى ويتذكر ولماذا لانرى أحد يتحدث عن قدسية حياة الإنسان هذه الحياة التي خلق الله البشرية من أجلها فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليحيا لا ليموت من أجل إنسان آخر مثله ؟


يقول أحد الشعراء :

فـلا حــق لي فـي التســاؤل ولا أقرأ إلا مايعطنيه الفقهــاء

الله وهبنـي عقلا لأستخدمه فـبدونه أكـون والبـغال سـواء



إن ثقافة إضفاء صفة القدسية على الأفراد هي جزء من برنامج كبير إبتكرته وتقوم بتغذيته والترويج له منذ قرون مؤسسات كبرى تعتاش على تفشي مثل هذه الثقافة بين الناس كونها تساعد على إستمراريتها وإستمرارية إنقياد الناس لها فهي تقوم بصناعة الفرد المقدس عبر إعداده وتهيأته منذ نعومة أضفاره لهذه المنزلة بأن تُزرع في عقله فكرة أنه مُقدّس وراثياً بإعتبار أن نسبه يعود الى نبي مرسل أو ولي صالح حتى وإن كان لايمتلك 1 % من صفات ذلك النبي أو الولي إضافة الى تدريبه منذ الصغر على أداء طقوس التقديس لمن هم على شاكلته لكنهم أكبر منه سناً ومنزلةً إجتماعية لذا نراه يشُب على هذه الفكرة يُعززها في داخله ويشجعه على ترسيخ قناعته بها محيطه الجاهل والمؤمن أباً عن جد بهذه القدسية لذا نراه يحرص على إبقاء والبقاء في مثل هذه الأجواء وعلى إستمراريتها لأنها توفر له مجاناً هذه القدسية من دون أن يكون عنصراً نافعاً وفعالاً في المجتمع بل حتى وإن كان عنصراً فاسداً ومضراً لمجتمعه.. إن المُقدّسين في مجتمعاتنا من رجال الدين نسوا اليوم كونهم بشراً كغيرهم بعد أن إعتادوا على طقوس التقديس ولكي يحافظوا على إستمرارية تقديس الناس لهم نراهم يُميزون أنفسهم بلباس خاص ولكنة كلام خاصة في حين لم يُعرف عن الرسول الكريم وآل بيته وصحابته الأوائل أنهم كانوا يلبسون ملابس خاصة أو يتحدثون بلكنة مميزة ( يطيلون فيها بعض الأحرف ويقصرون أخرى ) تميزهم عن ملابس ولغة باقي الناس.. لقد كان الهدف الأساس من إبتكار ونشر هذه الثقافة هو إبقاء الناس جَهَلة ومُتكتلين طائفياً ودينياً لكي يسهل إنقيادهم وإستغلالهم وتأليبهم ضد بعضهم البعض للوصول الى غايات دنيوية بحتة كالمال والسلطة وهانحن اليوم نعيش عصر تسَيّد الرموز والمنظومة الدينية على المشهد السياسي في بعض الدول العربية والإسلامية ومايفرزه ذلك من فتن طائفية تكاد تتطور الى حروب أهلية بين الطوائف والمذاهب والأديان التي تعايَش أبنائها منذ قرون على هذه الأرض .

إن ثقافة التقديس هي ثقافة خطيرة تأصلت منذ مئات السنين في تراث بعض الشعوب ولم تعد تقتصر اليوم على الأحزاب الدينية بل تعدتها حتى الى بعض الأحزاب اليسارية والليبرالية الموجودة في مجتمعاتنا لذا من الصعب تغييرها في يوم وليلة أو ولاحتى في عقود.. فلقد أصبح رجل الدين في مجتمعاتنا اليوم هو الآمر الناهي وصاحب الكلمة الطولى والعليا في تسيير الأمور والدليل هو إن بعض تيارات الإسلام السياسي تمكنت اليوم من السيطرة على مقاليد السلطة في بعض الدول العربية والإسلامية بالديموقراطية وعبر صناديق الإقتراع بفضل سذاجة بعض الأنظمة الغربية وبفضل الكثير من شرائح مجتمعات تلك الدول التي ألغت عقولها ووضعت بدلاً منها كارت إستقبال يوجهه ريموت كونترول بيد رجال الدين ومراهقي تيارات الإسلام السياسي.. وحتى الدول التي لاتزال تحكمها حتى الآن نخب سياسية علمانية واعية تضطر اليوم ونتيجة للأمواج العاتية لهذه التيارات الى مهادنة ومغازلة ومجاملة رجال الدين فيها خوفاً من أن يثيروا عليها الشارع الذي بدأ الجهل يكتسح شرائح واسعة من أبنائه . 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *