الرئيسية » مقالات » مشروع مجلس الشيوخ الأمريكي حول تطبيق النظام الفيدرالي في العراق

مشروع مجلس الشيوخ الأمريكي حول تطبيق النظام الفيدرالي في العراق

إنّ الإستعمار البريطاني و الفرنسي قاما بتأسيس الكيان العراقي حسب معاهدة سايكس-بيكو و التي بموجبها تم تقسيم كلٍ من بلاد الشيعة و السُنة و كوردستان و تم تشتيت شعوبها بين دول عديدة. على ضوء المعاهدة المذكورة، تم إرغام شعوباً مختلفة و متنافرة في ثقافاتها و تأريخها على العيش المشترك في كيانات سياسية جديدة. بالنسبة الى إنشاء الكيان العراقي، تم فرض العيش المشترك على الشعوب الشيعية و الكوردية و المنتمين للقوميات السريانية و الكلدانية و التركمانية ضمن دولة واحدة ضد إرادتها و دون إحترام تطلعاتها و رغباتها و بالرغم من العداء التأريخي الموجود بين الشيعة و السُنّة و بين العرب و الكورد. مما عمّق المشكلة و عقّدها و أدى الى فشل الجمع القسري بين هذه المكونات المختلفة و إستمرارية التناحر و التحارب بينها هو (إستيراد) الإنكليز لرجل سُنيّ عربي من الجزيرة العربية و تنصيبه ملكاً على العراق و تسليم الحكم في الكيان الجديد للأقلية السُنية العربية و إستعباد الشيعة و الكورد من قِبلهم و العمل على مسخ هويتهم و ثقافتهم. هكذا إستمر السُنّة العرب في الإستحواذ على السلطة و الثروة في العراق و فرضوا وحدة قسرية هشة على الكورد و الشيعة بالنار و الحديد الى أن تمّ تحرير العراق من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية في التاسع من نيسان عام 2003 و تحرر الشيعة و الكورد و الكلدان و الآشوريون و التركمان و تنفست الصعداء أصحاب الديانات غير الإسلامية، مثل المسيحيين و الإيزيديين و الكاكائيين و الشبك، حيث أنّ الثقافة العروبية الإسلامية كانت مفروضة على كل الشعوب و القوميات و الطوائف و الأديان من قِبل العروبيين الإسلامويين السًنّة.

بالنسبة للشعب الشيعي، أحفاد السومريين و الإيلاميين و الميديين و الساسانيين، السكان الأصليون لبلاد الرافدين، منذ أن تم إحتلال وطنهم من قَبل الغزاة القادمين من الجزيرة العربية في عهد عمر بن الخطاب، أخذ المحتلون بإتباع سياسة تعريبهم، و نجحوا في تعريب غالبيتهم مع مرور الزمن و فقدوا هويتهم الأصيلة و لغتهم. منذ مقتل الإمام علي، بدأت عمليات قتل و إبادة هذا الشعب المجيد على أيدي الطائفيين الأمويين و العباسيين و العثمانيين، المنتمين جميعاً للطائفة السُنية المتأصلة فيها ثقافة البداوة، حيث العنف و القسوة و الكراهية، و بدأت رحلة أهل البيت مع الإضطهاد و الإستعباد و الأهوال. نعم مأساة هذا الشعب الأصيل إستمرت و نزيف دمه إستمر في التفق بلا توقف من قِبل هؤلاء الوحوش، بدءً بتسميس الإمام حسن و قتله و مذبحة عشوراء و مروراً بتشريد الإمام علي الرضى الى خراسان و القيام بملاحقته هناك و تسميمه الذي أدى الى وفاته، و إنتهاءً بقتل كل من آية الله العظمى محمد باقر الصدر و محمد صادق الصدر و عمليات إبادة الشيعة و قتل مئات الألوف منهم في إنتفاضتهم ضد الطغمة البعثية. تشهد المقابر الجماعية المنتشرة في كل مكان في العراق على ضخامة و بشاعة الجرائم الوحشية التي تعرضوا لها و التي تؤكد في الوقت نفسه على مدى قسوة و وحشية و بدائية القتلة و المجرمين. أحقاد المجرمين وصلت الى درجة يقومون بهدم و تخريب أضرحة أئمة أهل البيت و منعهم من ممارسة طقوسهم الدينية و تجفيف الأهوار و تخريب البيئة و حرق الأشجار و المزروعات. هذا ما يخبرنا به التأريخ عن مظلومية الشيعة عبر التأريخ على أيادي مجموعة إجرامية متعطشة للدماء و التخريب و الإبادة دون أي وازعٍ أخلاقي أو دينيٍ أو إنساني.

بعد تحرر الشيعة من عبودية هؤلاء القتلة المتخلفين و بعد تهدم عرش صنمهم النازي و تمزق بيت عنكبوت نحلتهم، بدأ يرتفع زعيق و صراخ القتلة الطائفيين و أعوانهم، متهمين أهل البيت بالطائفية. الشيعة، عبر تأريخهم كانوا من ضحايا آفة الطائفية، يئنون من وطأتها خلال أربعة عشر قرناً، دون أن يشفع لهم أحد أو يناصرهم أحد. بعد أن إستطاعوا كسر قيود الذل و الهوان التي كانت تُكبّل أياديهم، إرتفع عويل الوهابيين و الطائفيين و عملائهم و مأجوريهم و مرتزقتهم و بدأ النظام الوهابي في الجزيرة العربية بصرف المليارات من دولارات البترول (بترول الشيعة المستخرج من مناطق القطيف و الإحساء التي هي أراضٍ شيعية محتلة و مغتصبة من قِبل آل سعود) على بث سموم الحقد و الأكاذيب و الأضاليل في صحفهم الصفراء و أخذوا يشترون الذمم الضعيفة و الهزيلة من أشباه الرجال و أنصاف المتعلمين و المثقفين و من عديمي الضمير و الذين يدّعي قسم منهم بالديمقراطية و الليبرالية و العلمانية و يحمل البعض منهم شهادات أكاديمية عليا.

هنا يجب إفهام الطائفيين القذرين بأن الشيعة ليسوا بطائفة، و إنما هم شعب عريق في المنطقة، له مميزاته و خصائصه و هويته الخاصة. إنّ لهم ثقافتهم الخاصة و تأريخهم و يعيشون ضمن رقعة جغرافية موحدة تجمعهم، يسكنون عليها منذ آلاف السنين و عندها لم يكن للطائفيين المتخلفين وجود في المنطقة و بعدها كانوا قبائل بدوية بدائية يصارعون مع الطبيعة الصحراوية القاسية في سبيل الحفاظ على حياتهم و يتقاتلون فيما بينهم و ينهبون بعضهم البعض من أجل البقاء. لو نتحدث عن الأصول التأريخية للشيعة، نرى بأنهم ليسوا من أصول سامية أو عربية و إنما ينحدرون من الأقوام الآرية و أنه تم تعريبهم نتيجة إحتلال العروبيين الإسلامويين لبلادهم، بلاد الرافدين، و إجبارهم على إعتناقهم للدين الإسلامي بحد السيف و بذلك فرض المحتلون لغتهم و جانباً من ثقافتهم البدائية عليهم. قسم من الشيعة، و أقصد الشريحة الكوردية، الفيليين، إستطاعوا الإحتفاظ بلغتهم الكوردية لأسباب عديدة، منها بُعدهم عن الجزيرة العربية، موطن المحتلين و الغازين، و الطبيعة الجبلية لبعض مناطقهم و غيرها التي لا أريد أن أدخل في تفاصيلها، حيث أنها ليست من ضمن أهداف هذا المقال، بينما القسم الآخر من الفيليين عُرّبوا و إستعربوا بمرور الزمن و لا يزال أعداداً كثيرة منهم يحتفظون بإنتمائهم القومي و العشائري الكوردي.

العروبيون و الإسلامويون السُنة يطلقون إسم (الصفويين الإيرانيين) على شيعة بلاد الرافدين. طيب، إذا كان شيعة الرافدين هم صفويين إيرانيين، معنى ذلك أنّ أكثر من 60% من سكان بلاد الرافدين هم إيرانيون و أنّ بلادهم (وسط و جنوب العراق) هي أرض صفوية و إيرانية. و إذا أضفنا نفوس كورد إقليم جنوب كوردستان البالغة حوالى 25% من سكان العراق و نفوس الكلدانيين و الآشوريين و التركمان البالغة حوالي 5% من نفوس العراق، ندرك أنّ نفوس السُنّة العرب لا تتجاوز 15% من نفوس العراق، أي أنهم يُشكّلون أقلية سكّانية في العراق. إن العروبيين و الوهابيين العائشين في أوهامهم، يعتبرون أرض الرافدين كلها هي أرض عربية (لذلك يعتبرون العراق جزء مما يسّمونه ب”الوطن العربي”)، أي أنّ إقليم جنوب كوردستان و بلاد الشيعة في العراق هي جزء من أرض العرب. يمضي العروبيون العنصريون و الطائفيون في هذيانهم، قائلين بأن (شعب العراق) هو جزء من الأمة العربية، أي أنّ الشيعة و الكورد و التركمان و الكلدانيون و الآشوريون ينتمون الى القومية العربية. هنا يتبادر المرء الى أن يتساءل بأنّ الكورد ينتمون الى قومية واحدة و لهم لغة واحدة فكيف أصبح، بقدرة قادر، قسم منهم (الكورد في كل من العراق و سوريا) عرباً و آخرون أتراكاً (كورد تركيا) و قسم ثالث إيرانيون (كورد إيران)؟!! العروبيون المتخلفون يعتبرون أرض العراق أرضاً عربية، لذلك يعملون على إفراغ العراق من الشيعة (الصفويين) بإبادتهم و تهجيرهم الى إيران. يعتبر هؤلاء العنصريون بأنّ أرض إقليم جنوب و غرب كوردستان هي أرض عربية و أنّ الكورد هم شعب طارئ على أرض يعرب و قحطان و ما عليهم إلا أن يستعربوا أو يتركوا أرض العرب! إنّ العروبيين و الوهابيين قاموا بتطبيق خططهم الطائفية و العنصرية ضد الشيعة و الكورد و الكلدان و الآشوريين و التركمان بإبادتهم و تشريدهم و تعريبهم.

بالنسبة للشعب الكوردي، فأنه شعب عريق في المنطقة، تمتد جذوره الى ما قبل التأريخ. الكورد هم أحفاد السومريين و الإيلاميين و البابليين و الميديين و الساسانيين. إنّ أسلافهم إكتشفوا الكتابة و الأرقام و الزراعة و النار و الإدارة المصرفية و بذلك شكّلوا النواة الأولى للحضارة البشرية و قدموا خدمة عظيمة للإنسانية. هذا الشعب العريق الذي كان رائداً في بناء الحضارات البشرية العريقة، بعد زوال إمبراطورياته، تم إذلاله و إهانته بإحتلال وطنه و من ثم تقسيمه و توزيعه على أربع كيانات سياسية تابعة لثلاث قوميات (عربية و فارسية و تركية) و حرمانه من حكم نفسه و من أبسط حقوقه القومية و الإنسانية بتحكّم الآخرين بمصيره و إستحواذهم على خيرات وطنه.

منذ إحتلال كوردستان من قِبل عرب الجزيرة العربية، فأن الشعب الكوردي يتعرض لسياسة عنصرية قذرة. منذ ذلك التأريخ يتعرض للإبادة و الإذلال و التعريب و التفرقة العنصرية و يتعرض وطنه للتعريب و الحرق و التخريب و الدمار. عمليت الإبادة الجماعية و عمليات الأنفال و قصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيمياوية و حرق كوردستان و تعريبها و تعريب شعبها و قتل مئات الآلاف منهم و تجويعهم و إفقارهم و تجهيلهم و نهب ثروات بلادهم و إستنزافها و تبذيرها على ملذات الحكام و صرفها على شراء الأسلحة و وسائل الخراب و الدمار و القمع و الإرهاب، لقهر إرادة هذا الشعب العريق و إبادته و زج الشعب الكوردي في حروب عبثية مدمرة لا ناقة و لا جمل له فيها. الآثار الكارثية لكل هذه السياسة الفاشية و العنصرية لقهر إرادة الكورد و إرغامهم على الإستسلام و العيش في عبودية و ذل عن طريق العنف و القوة، تدفع الشعب الكوردي الى الدفاع عن وجوده و عن هويته و النضال من أن يكون سيداً في وطنه، لا تابعاً ذليلاً للأجانب.

يريدون من الكورد أن يفتخر بعراقيته، لا أدري كيف لا يخجلون و يتجرأون أن يطالبوه بذلك؟. كيف أشعر أنا الكوردي بعراقيتي و أعتبر العراق وطني، في الوقت الذي منذ أن فتحتُ عيني على الحياة، لمستُ أنّ وطني محتل، حيث بدأتُ الذهاب الى المدرسة ففوجئتُ بأن لغة الدراسة هي بالعربية التي هي ليست لغتي و أنّ لغتي الجميلة غير مسموح بها في سلك التعليم و التدريس و حتى منعوني من التكلم مع زملائي في مدرستي باللغة الكوردية؟! جميع المعلمين و التلاميذ كانوا من الكورد و مع ذلك كان المعلمون مُجبرين، حسب أوامر السلطة، على التكلم معنا باللغة العربية رغم أنّ المعلمين أنفسهم كانوا لا يتقنون العربية، أما نحن التلاميذ كُنّا لا نعرف كلمة عربية واحدة. عندما بدأ معلم التأريخ يتحدث عن التأريخ، فوجئتُ و حزنتُ عندما لم أسمع المعلم يخبرني عن تأريخ شعبي و وطني، بل كل حديثه كان عن أمجاد العرب و عدالة الإسلام! هكذا بالنسبة لدرس الجغرافيا، لم يُعلمني معلمي عن خريطة وطني و جغرافيته، بل في كل مرة كان يُثبت على اللوحة السوداء خارطة كبيرة لما كان يُسمّيه ب(الوطن العربي) و كنتُ أنا و زملائي التلاميذ نقول في كل مرة أن المعلم سيحدثنا عن (الوطن الكوردي) في الدرس القادم، إلا أن دروس الجغرافيا إنتهت و لم يأتِ معلمنا على ذكر (الوطن الكوردي، كوردستان). أنهيتُ دراستي الإبتدائية و الثانوية و الجامعية و أنا أنتظر أن يعلمني المعلم تأريخ الكورد و كوردستان، إلا أنه خاب أملي فيه و يئستُ من الإنتظار. إنني غير مسلم، إلا أنّني أُجبرتُ أن أحضر دروس الدين الإسلامي و حُرمتُ من معرفة مبادئ ديني و تعاليمه و تأريخه رغم أنه أقدم من الدين الإسلامي و أنه أحد الأديان القديمة للكورد. فتحتُ عيني بوجه الحياة فرأيت أن في دوائر الدولة في مدينتي، التي تُؤلف الكورد حوالي 99% من نفوس أهالي المدينة و توابعها، أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية و أن برامج الإذاعة و التلفزيون كان معظمها باللغة العربية. حتى بعد تحرر العراق من حكم الطغمة البعثية المجرمة، يحاول العروبيون و الإسلاميون تغيير قسم من مواد الدستور العراقي و جعلها تنص على عروبة العراق و عروبة شعب العراق!! لاغيين بذلك شعبى من الوجود و وطني على كوكبنا و مع ذلك تريدني أيها العروبي أن أشعر بأنني مواطن عراقي و أحب العراق و أضحي من أجله! كما أسألك أيها العروبي و الإسلاموي كيف أستطيع أنا الكوردي أن أصبح عربياً و تركياً و إيرانياً في الوقت نفسه؟ عليك أن تعلم بأن مشكلتي غير محصورة بالكيان العراقي و إنما أنا مُقطع الأوصال بين الكيانات العراقية و الإيرانية و السورية و التركية و أملي الوحيد في الحياة هو لملة أوصالي و جمعها لأكون إنساناً سوياً مثلك، أتنفس بحرية و أبني وطني كما أشتهي.

القوميات و أصحاب الديانات غير الإسلامية، من تركمان و كلدان و آشوريين و مسيحيين و إيزيديين و كاكائيين و الشبك و غيرهم، تعرضت للإضطهاد و الظلم و التعريب و التهميش في ظل الحكومات السُنية العروبية و الإسلاموية المتعاقبة على حكم العراق. حرمت هذه الحكومات مواطني تلك القوميات من المحافظة على هوياتهم القومية و الثقافية و تعلم لغاتهم و تطويرها و تم تعريبهم و تعريب مدنهم و قراهم و فرض ثقافة عروبية عليهم. كما أن معتنقي الديانات غير الإسلامية تم حرمانهم من الإلمام بدياناتهم و تعليم مبادئها و معتقداتها في المدارس و المعاهد و الجامعات و تم فرض الثقافة الإسلامية البدوية عليهم. الإضطهاد الإسلامي و بطش المسلمين، أجبر قسماً من تلك الأديان أن يقوم معتنقيه بإداء طقوسهم و فرائضهم الدينية بشكل سرّي كما هو الحال مع الإيزيديين و الكاكائيين، حيث أنه بمرور الزمن أصبح أصحاب هذه الأديان يعتقدون بأنّ أديانهم تُحرم إفشاء أسرار تلك الأديان و عليه يجب إداء طقوسهم و شعائرهم بشكل سريّ و لا يسمحون لغير المنتمين لأديانهم بالكشف عن أسرار تك الأديان أو البوح بمعلومات عنها.

الآن لنتساءل ماذا جنى الشيعة و الكورد و حتى العرب السُنة من هذه الوحدة القسرية لشعوب بلاد الرافدين؟ إنهم لم يجنوا سوى الدموع و نزيف الدم و الحروب و القتل و الدمار و الفقر و الجهل و المرض و الذل و إستنزاف موارد و ثروات البلاد. خلال أكثر من ثمانين سنة، و هي عمر الكيان العراقي، كانت الأقلية السُنية العربية تُنظّم حفلات الإعدامات و الإبادة الجماعية و القتل و التدمير و التخريب و البطش و التنكيل بالكورد و الشيعة للإبقاء على إستمرارية تسلطها عليهم و الإحتفاظ بكراسي الحكم و نهب خيرات البلد و تبديدها. لهذه الأسباب فأن الشعوب الشيعية و الكوردية و السُنية العربية لم تستطع أن تجد لنفسها مصالح مشتركة تلتف حولها و تدافع عنها. خلال فترة عمر الكيان العراقي حاولت الطائفة المتسلطة على رقاب الشيعة و الكورد أن تبيدهم عن بكرة أبيهم. تجربة أكثر من ثمانين سنة على العيش القسري الذي فرضته الطائفة الحاكمة على الكورد و الشيعة بالنار و الحديد أثبتت فشلها و خلفت نتائج كارثية. بسبب الإضطهاد و الظلم اللذين تعرض لهما الشيعة و الكورد و بسبب تخلف مجتمعاتنا، فأنه من المستحيل أن ينجح مثل هذه الوحدة المفروضة على شعوب بلاد الرافدين.

إنّ مواقف و أفكار العروبيين و الإسلامويين معروفة و لا حاجة للتطرق إليها، لذلك أوجّه هنا كلامي الى المثقفين و الكُتّاب و السياسيين الذين يدّعون الديمقراطية و الليبرالية و العلمانية. إنّ الكثير منهم و كأنهم يعيشون في كوكب آخر غير كوكبنا الأرضي و كأنهم يجهلون الواقع العراقي و تأريخ شعوب بلاد الرافدين! إنهم يسترسلون في مواعظهم و خطاباتهم المملة التي تنم عن جهل أو عاطفة أو تمنيات و أحلام. يركبون رؤوسهم في عناد و إصرار على حماية الوحدة الوهمية لشعوب العراق دون التعمق في تحليل تأثير التراكمات التأريخية على هذه الشعوب و إختلاف ثقافاتها و إهتماماتها و مصالحها و مطالبتهم لمثل هذه الشعوب القبلية المتخلفة أن تتجاوز تلك الإختلافات و تتفاعل مع بعضها كما تفعل الشعوب الغربية المتحضرة. إنهم بدعوتهم هذه يساهمون في إستمرار إهدار مزيد من الدماء و خلق مزيد من الويلات و الخراب. لا أفهم هؤلاء الناس، حيث أنهم من جهة يدّعون الإيمان بالمبادئ الديمقراطية و حق تقرير مصير الشعوب، بينما من جهة أخرى يناقضون أنفسهم، حيث يجعلون أنفسهم أوصياء على الشعوب العراقية و يحاولون إجبارها على العيش معاً دون أن يسمحوا لها بإبداء رأيها و تقرير مصيرها بنفسها دون وصاية أحد. إنّ هؤلاء السادة و السيدات لا يزالون يعيشون تحت تأثيرات الأفكارالشمولية و الدكتاتورية و الأبوية أو الطائفية و العنصرية المتأصلة فيهم و لم يستطيعوا إنقاذ أنفسهم من تلك التراكمات الفكرية و الثقافية المتخلفة التي عفى عنها الزمن. إذا كان هؤلاء السادة و السيدات صادقين في ديمقراطيتهم و إعترافهم بحقوق الشعوب، عليهم الدعوة الى إجراء إستفتاء لكل من الشيعة و الكورد و تحت إشراف الأمم المتحدة لمعرفة رأيهم فيما لو يريدون البقاء ضمن الكيان العراقي أو يطالبون بالإستقلال و بذلك يستطيعون التعبير عن إرادتهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم. أما الحديث بالنيابة عن هذه الشعوب و تقرير مصيرها بالوصاية فهي جريمة كبرى بحق هذه الشعوب و خيانة للمبادئ التي يتشدقون بأنهم يؤمنون بها .

نقطة مهمة أخرى أحب الإشارة إليها و هي موضوع تقرير مصير شعب كوردستان و الشعب الشيعي عن طريق برلمان كوردستان و برلمان العراق. كما هو معروف فأن مهام البرلمان الرئيسة هي تشريع القوانين و مراقبة السلطة التنفيذية، لذلك فأنه في الدول ذات الأنظمة الديمقراطية تقوم الحكومات بأخذ رأي شعوبها عن طريق الإستفتاء فيما يتعلق بإتخاذ قرارات مهمة، تتأثر بها شعوب تلك الدول. على سبيل المثال، قامت دول مثل السويد و بولندا و فرنسا و هولندا و غيرها بالإستفتاء على إستبدال عملاتهم الوطنية باليورو و على الدستور الأوروبي الموحد. تقرير مصير شعب كوردستان والشعب الشيعي هو تقرير مصيري و أهم من تبنّي عملة معينة أو دستور الدولة. لذلك فأنّ إحالة تقرير مصير هذين الشعبين و إستقلالهما الى البرلمان الكوردستاني و العراقي هو إجراء غير شرعي و غير ديمقراطي و إستهتار بإرادة هذين الشعبين و إغتصاب لإرادتهما و حريتهما. بناء على ذلك فأن تبنّي برلمان كوردستان بإبقاء كوردستان جزء من عراق ذي نظام فيدرالي، هو قرار غير شرعي و غير ديمقراطي تمّ بموجبه مصادرة إرادة شعب كوردستان و على برلمان كوردستان إتباع الآليات الديمقرطية لتقرير مصير مثل هذه القضايا المصيرية الكبرى و إحترام إرادة شعب كوردستان و ذلك بالعودة الى الشعب و الإستفسار عن رأيه و ذلك في إستفتاء حر، تُشرف عليه الأمم المتحدة. يجب على الشيعة و الكورد أن لا يسمحوا لبرلمان العراق و كوردستان بتقرير مصيرهم و فرض قراراتهما عليهم، بل اللجوء الى العصيان المدني، بالقيام بالإعتصامات و المظاهرات و الإضرابات لإجبار البرلمانَين المذكورَين على إحترام إرادة الشعبَين و ذلك بتقرير مصيرهما عن طريق الإستفتاء دون وصاية أحد.

نستنتج مما تقدم بأن موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي بالأغلبية على مشروع القرار الذي قدمه السيناتور الديمقراطي جوزيف بايدن، المرشح للرئاسة الأمريكية، و الذي يوصي بتقسيم العراق الى ثلاث أقاليم فيدرالية، إقليم للشيعة و إقليم كوردستان و إقليم السُنّة العرب، هو إقتراح خاطئ و فاشل، غير قادر على حل الصراع الطائفي و القومي في العراق، حيث أنّ القرار المذكور يتجاهل الشرخ العميق في بنية المجتمعات التي تعيش ضمن الكيان العراقي و يهمل الحقيقة التي مفادها هو إستحالة جمع هذه الشعوب المتنافرة في كيان سياسي ديمقرطي موحد. هناك حلّان إثنان لوضع نهاية و خاتمة لإراقة الدماء الشيعية و الكوردية و السُنية و التركمانية و الكلدانية و السريانية و لوقف إستنزاف المزيد من موارد هذه الشعوب و القوميات التي تعيش ضمن الكيان العراقي بشكل قسري. الحل الأول و الأفضل هو تصحيح معاهدة سايكس-بيكو الإستعمارية و التي تم بموجبها خلق الكيان العراقي من الجزء الجنوبي لكوردستان و ولايتَي بغداد و البصرة و تأسيس ثلاث دول، دولة شيعية (أقترح أن يكون إسمها “جمهورية أهل البيت” أو “جمهورية الغدير”) و دولة كوردستانية (جمهورية كوردستان) و دولة للسُنّة العرب (قد يكون من المناسب تسميتها ب”جمهورية عُمر”). إذا تعذر تأسيس دولة شيعية و كوردستانية و عربية سًنية، لأسباب إقليمية و غيرها، فأن الحل الآخر المناسب للوضع (العراقي) هو بناء دولة كونفيدرالية، مؤلفة من المجتمعات الثلاث الرئيسة في الكيان العراقي. بدون إختيار أحد الإقتراحَين المذكورَين، فأن الحروب ستطحن تلك الشعوب و تستمر مآسيها و تتبدد خيرات بلدانها و ستُشكّل خطراً كبيراً على إستقرار منطقة الشرق الأوسط و العالم و تُهدد إدامة تدفق مصادر الطاقة الى الدول الصناعية و تعمل على إزدهار الإرهاب و تقوية القوى الإرهابية و إنتشار بؤرها في مختلف بقاع العالم، مهدّداً بذلك الحضارة الإنسانية بأجمعها. كما ذكرتُ أعلاه، فأنّ قرار تقرير المصير يجب أن يتم عن طريق إستفتاء شعبي لكل من الشعب الشيعي و شعب كوردستان، حيث أنّ مشروع مجلس الشيوخ الأمريكي يتجاهل إرادة الشيعة و الكوردستانيين في تقرير مصيرهم بأنفسهم.

نستنج أيضاً بما تقدم بأنّ الظروف التي مرت بها شعوب العراق و المنطقة منذ ظهور الدعوة الإسلامية التى إتسمت بالعنف و الإكراه و القسوة، و خاصة بعد قيام الدولة الأموية، خلقت مجتمعات تؤمن بالعنف لفرض أفكارها و إبتزاز غيرها و وضعت حاجزاً كبيراً بين السُنة و الشيعة و الكورد، حيث أنّ كل من المذهبين الشيعي و السُنّي تطور بشكل مستقل و مختلف بحيث إكتسب كل منهما شخصية مستقلة ذات خصائص ثقافية و فكرية و أيديولوجية و إجتماعية خاصة بها. التراكمات التأريخية تركت آثارها العميقة في ترسيخ علاقة عدائية بين المذهبين، حيث أنّ هيمنة السُنة على الشيعة و التعامل معهم بقسوة و وحشية و التي وصلت الى مستوى الإبادة الجماعية، خلقت شرخاً عميقاً و عداءً مستفحلاً يستحيل تخطيهما و معالجتهما في المستقبل المنظور. تخلف المجتمعات العراقية و تربيتها على الأفكار الشمولية و الإلغائية و إستعمال العنف في حل المشاكل و عيشها في بيئة الحرب و العنف و الإستبداد و الكراهية التي عايشتها هذه المجتمعات لفترة طويلة، تجعل هذه المجتمعات أن تكون بحاجة الى فترة تمتد الى أجيال عديدة لتصبح مجتمعات متحضرة، يعترف بعضها بالآخر على قدم المساواة و حينذاك تستطيع هذه الشعوب أن تعيش مع بعضها في كيانات سياسية مركزية أو لامركزية أو فيدرالية أو كونفيدرالية أو مستقلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *