الرئيسية » مقالات » مع هيلتيرمان ورحلة في دهاليز قضية سامة

مع هيلتيرمان ورحلة في دهاليز قضية سامة

 
Joost Hilterman



لعبت أمريكا والغرب دوراً كبيراً في إدامة الصراع الدموي في الحرب العراقية-الايرانية التي قرع طبولها النظام الدكتاتوري البائد وسخر آلته الاعلامية لاظهارها كحرب مفروضة على العراق لابد من التصدي لها لوقف الاطماع الفارسية في السيطرة على العراق ودول الخليج النفطية. وتمكن النظام من تضليل الرأي العام العالمي والعربي في إظهار نفسه كمدافع للبوابة الشرقية للوطن العربي وحقق في البدء بعض من أغراضه في كسب بعض المؤيدين بينما أظهرت وقائع الاحداث، بأن النظام كان يؤدي دوره نيابة عن القوى العالمية الكبرى والقوى الاقليمية المرتبطة بالدوائر الغربية التي كانت ترى من إيران خطراً حقيقياً على مصالحها فيما لو تمكنت من تحقيق الشعارات التي أطلقها الخميني في تصدير
ثورته الى دول الجوار، لاسيما بعد محاصرة السفارة الامريكية من قبل المتشددين في أعقاب سقوط نظام الشاه ورفع نظام آيات الله لشعار “الموت لأمريكا” ومنذ بداية
سيطرتهم على الحكم. وعرفاناً لدوره كان النظام يتلقى أكبر دعم لوجيستي وأعلامي وسياسي من قبل أمريكا والدول الغربية وحتى من الاتحاد السوفيتي السابق رغم الحرب الباردة لكونه كانت له مصالح اقتصادية كبيرة مع العراق ويربطه به اتفاقية الصداقة والتعاون.





غلاف الكتاب


في تعريف للكتاب الذي صدر مؤخراً تحت عنوان “قضية سامة: امريكا، العراق وقصف حلبجة بالغازات الكيمياوية A Poisonous Affair, America, Iraq, and the Gassing of Halabja” * ومن منشورات جامعة كامبرج والذي يتناول مجريات تلك الحرب وتداعياتها وتفاصيل الدور الامريكي في تأجيج الصراع و دور الاطراف الاخرى فيها والهجمات الشرسة بكافة صنوف الاسلحة وخاصة الاسلحة الكيمياوية، يقول مؤلف الكتاب “يوست هيلتيرمان Joost Hilterman” في مقدمة لة:
” في آذار/ مارس 1988 و أثنار الحرب الأيرانية- العراقية، قتل آلاف الناس في الضربة الكيمياوية على حلبجة، المدينة النائية في كوردستان العراق. وفي أعقاب الحادثة المروعة،
ساد إرباك حول من الذي قام بتنفيذ الضربة، كل طرف يتهم الطرف الاخر في إستمرار حمام الدم. و بعد زوال الغمامة، تم الكشف عن مسؤولية نظام صدام حسين ومعه كذلك
الدعم الصامت لحلفائه الغربيين.
هذا الكتاب يروى قصة قصف حلبجة بالغازات الكيمياوية على لسان مراقب حربي. يروى كيف أن العراق استطاع تطوير الاسلحة الكيمياوية بالغة التعقيد ومن ثم أستعمالها مستهدفاً الجنود الايرانيين والقرويين الكورد، فيما نظرت أمريكا الى الناحية الأخرى. واليوم يتفكك العراق ويغرق الشرق الاوسط في اضطراب أكثر، تعود تلك السياسات ثانية لتلازم أمريكا والغرب”.

يلقي هيلتيرمان الاضواء على التعاون الامريكي الغربي لنظام صدام واعطاءه اللون الاخضر في استخدام كل الوسائل بما فيها الاسلحة المحرمة دوليا مثل الاسلحة الكيمياوية التي حظر استخدامها بموجب اتفاقية جنيف عام 1925 وذلك للمضي في تنفيذ الدور المرسوم له. ويتناول بصورة خاصة صمت أمريكا والغرب على أزاء قصف مدينة حلبجة ومناطق كوردستان الاخرى بالغازات السامة ومحاولاتهم لاتهام إيران في استخدام الاسلحة الكيمياوية لتحفيف الضغوط الدولية على العراق في هذا الشأن.
يعرض هيلتيرمان للقارئ صورة مأساوية لنتائج القصف الكيمياوي لمدينة حلبجة. تلك التي تشبه المآسي التي نسيت في أماكن أخرى من العالم، ويقول: لقد شهدت العالم ما جرى في باببي يار” و “سيربرينسكا” و ” تيميسوارا” و “هيروشيما” و”ناكَازاكي” وأماكن أخرى وشهدت ماجرى في حلبجة، ولكن من الآن يتذكر؟

يستند هيلتيرمان على الوثائق التي سيطرت عليها الاحزاب الكوردستانية وارسلت الى واشنطن ووضعت تحت مراقبة مجلس الشيوخ الامريكي. وكانت منظمة مراقبة حقوق الانسان(HRW) Human Rights Watch هي الجهة الوحيدة التي اعطيت صلاحية الاطلاع عليها والاستفادة منها في نشاطاتها وأبحاثها. وبهذا سنحت لهيلتيرمان فرصة الاستفادة من تلك الوثائق لكونه كان عضواً في HRW. وكذلك عن طريق المقابلات مع المصابين و أفراد قوات البيشمركَة والمسؤولين السياسيين والعسكريين وشهود عيان، وذلك اثناء زياراته لكوردستان والعراق وإيران والكويت والاردن، ولقاءاته مع العديد من محللي المخابرات الامريكية والاسرائيلية. ويعرض الكتاب، الاحداث بشكل مفصل لذا فأنه من الممكن اعتباره مصدر تأريخياً مهماً.

وفي معرض سرده للاحداث وإشتشهاده بالوثائق والادلة اللازمة بشأنها، لا يكتفي هيلتيرمان بالتطرق الى الوضع الديموغرافي والواقع السياسي للمنطقة عموماً وكوردستان بشكل خاص، وإنما يتناول تفاصيل دقيقة لكفاح شعب كوردستان والعلاقات التي كانت تسود بين الاطراف السياسية والصراعات والمخططات والتحالفات التي كانت تجري بين تلك القوى والحكومات الاقليمية من أعداء حركة التحرر الكوردية، وبهدف حفظ المصالح الحزبية وتقوية النفوذ السياسي والتي كانت تنجم عنها النتائج الماساوية لشعب كوردستان. في حين يستعرض العلاقات الاجتماعية والقبلية بين تلك الاطراف وجماهيركوردستان، ويلقي الضوء على القضايا المهمة التي تهم الكورد منها قضية كركوك وسياسة التعريب التي انتهجها النظام الشوفيني البائد بهدف التغيير الديموغرافي في تلك المدينة وبعض المناطق الاخرى في كوردستان.
يعتبر هيلتيرمان أمريكا شريكة لنظام صدام في الجرائم التي اقدم عليها خلال فترة الحرب. ويؤكد تلك الحقائق التي تقول بإدارة الرئيس الامريكي الاسبق “رونالد ريغان” كانت على علم مسبق حول تصنيع وإستخدام الاسلحة الكيمياوية من قبل نظام صدام منذ بداية عام 1983 مستنداً على تصريحات “جورج شولتز” وزير خارجيته آنذاك، و زيارة رونالد رامسفيلد ولقاءه بصدام والتصريحات التي ادلى بها في تلك الاثناء و كذلك ما نسب الى مسؤولين أخرين مثل ريجارد مورفي وريجاردوني وغيرهم. كما واعتمد هيلتيرمان على العديد من التقارير والمقابلات الصحفية والشخصية مع المسؤولين السياسيين والعسكريين الامريكيين والايرانيين والعراقيين والدول ذات العلاقة وسكرتير الامم المتحدة آنذاك وكذلك على مصادر معلومات في وكالة المخابرات الامريكية CIA والعديد من الاطراف السياسية في أمريكا.

أما بخصوص بدايات إستعمال الاسلحة الكيمياوية، يشير هيلتيرمان الى أن النظام العراقي إستخدم الغازات الكيمياوية لاول مرة في تموز عام 1983 في منطقة حاج عمران ضد القوات الايرانية وقوات الحزب الديموقراطي الكوردستاني بزعامة السيد مسعود البارزاني التي كانت تشتبك مع قوات الحزب الديموقراطي الكوردستاني الايراني بزعامة قاسملو. ثم كرّر استخدامها في عام 1994 لوقف هجوم القوات الايرانية على جزيرة المجنون في الاهوار الواقعة على الحدود بين البلدين في جنوب العراق. ويشير المؤلف ايضاً الى مهاجمة القوات العراقية لمدينة “سردشت” مستخدمة ألاسلحة الكيمياوية ضد السكان المدنيين التي اوقعت مئات القتلى والجرحى في صفوفهم ويصف كيف أن النظام الاسلامي في ايران لم يعير أهتماماً بالجريمة ولم يثيرها دولياً بل آثر التزام جانب الصمت بخلاف مناطق إيران الاخرى التي تعرضت للهجمات الكيمياوية، حيث يعزو هيلتيرمان هذا الموقف الى سبب رئيسي هو كون سردشت مدينة كوردية .

بالاضافة الى مقدمة تعريفية تحت عنوان (جدل حلبجة)، والخاتمة وبعض الخرائط الخاصة بكوردستان والعراق والمناطق التي شملتها جرائم الانفال والقصف الكيمياوي و قائمة بأسماء الافراد الذين اجرى المؤلف مقابلات شخصية معهم، يتضمن الكتاب بين دفتيه تسعة فصول وكما يلي:
1- العبور من البوابة الكيمياوية
2- استجابة أمريكا: وضع مفتاح الضبط
3- الفاصل الكيمياوي
4- الحرب في كوردستان
5- حلبجة
6- أثر استعراض حلبجة
7- إيران و أستعمال الغاز
8- تثبيت الادلة
9- الطريق الى الكويت
على الرغم من إن هيلتيرمان يركّز على أحداث حرب الثمانينات بين العراق وإيران بصورة عامة والسنتان الاخيرتان من تلك الحرب المدمّرة بشكل خاص، تلك الحرب التي اشعلها صدام بالنيابة عن أمريكا والغرب والانظمة المساندة لها في المنطقة، بغية اخضاع إيران وصدّ الرغبة التوسعية للنظام الاسلامي والتصدي لهيمنة الفكر الشيعي المتشدد على المنطقة، والذي كان يقلق امريكا والغرب حول تهديد مصالحها في العراق ودول الخليج النفطية. كان صدام ونظامه المتغطرس الذي كان يحسب للخطر الايراني ومساندتها لانتفاضة الشيعة المتوقعة في جنوب العراق ويعتبرها تهديداً جدياً لنظامه. وهذا مما دفع أمريكا الى استخدام صدام كأحسن وسيلة للوقوف بوجه الموجات البشرية المليونية من “عشاق كربلاء” الذين كان إيران يراهن عليهم بأرسالهم الى جبهات الحرب.

هنا لابد من الاشارة الى النقاط التي اوردها هيلتيرمان والتي يعتبرها من نتائج اطلاق يد النظام العراقي للقيام بتنفيذ جرائمه من قبل المجتمع الدولي وبالاخص أمريكا وعدم استنكار وإدانة اسنعمال صدّام للاسلحة الكيمياوية في سياق الميل الغربي نحو العراق والتي افرزت النتائج الدراماتيكية المتعاقبة التالية:
· كان ذلك الدعم تلميحاً للنظام العراقي ليس فقط للمضي قدماً في نهجه، بل تكثيفه في استخدام الاسلحة الكيمياوية، وهذا ما حصل بالفعل واسفرت عن مأساة حلبجة التي كانت ذروة جرائمه. تلك الجريمة التي اتخذها الرئيس الامريكي الحالي “جورج بوش” ذريعة لمهاجمة وأحتلال العراق حين اتهم صدام بأستخدام الاسلحة الكيمياوية ضد شعبه متناسياَ الدور الامريكي في دعم صدام في القيام بتنفيذ تلك الجرائم.
· المساندة الامريكية لصدام وعدم إدانته على جرائمه المتكررة ضد المدنيين أدى الى خلق الرعب لدى المدنيين في المدن الايرانية حيال عدم تردده في تنفيذ جرائم جديدة بحقهم.
· مساندة صدام والصمت حيال جرائمه أدى الى اطلاق يده في القيام بحملات التطهير العراقي في عمليات الانفال، حيث ان الخوف والرعب من أستعمال الاسلحة الكيمياوية، أضطر سكان القرى الى تسليم انفسهم للسلطات العسكرية ومن ثم ارسلوا على شكل مجموعات كبيرة الى الصحراء الغربية ليلقوا مصيرهم في المقابر الجماعية.
· الدعم الامريكي الغربي شجع النظام العراقي على تطوير برامج أسلحة بايولوجية.
· كان ذلك أيضاً سبباً لمحاولات إيران لانتاج أسلحة الدمار الشامل وتطوير برنامجه النووي.
· قدرة العراق، ادخلت الرعب في قلوب قوات التحالف المتواجدة في السعودية والمدنيين الاسرائليين عند اندلاع حرب الكويت. وبعد ثلاثة أشهر من ذلك، ونتيجة الخوف من استخدام السلاح الكيمياوي تدفقت مئات الالاف من جماهير كوردستان نحو الحدود الايرانية والتركية. وكانت قدرة العراق التسليحية هي نفسها احد الاسباب الرئيسية في غزو الكويت، عندما توهم صدام في هدف الغرب من دعمه وتصور أنه سينجح في خططه بافتعال أزمة دولية.
· أدى ذلك الى تجاهل وزعزعة الثقة بالاتفاقيات والقوانين الدولية حول حظر استخدام الاسلحة الكيمياوية و اضعف مكانة المؤسسات الدولية مثل منظمة الامم المتحدة.

مما يجدر ذكره هو أن هيلتيرمان أهدى كتابه الى ضحايا الانفال وخص بالذكر خمسة رجال و ولد من الناجين من القتل الحماعي في حملات الانفال حيث أشار اليهم بالحروف الاولى من أسماهم كالاتي: ” F., O., R., T., W., and Y.” وكذلك أهداه الى جميع ضحايا القصف الكيمياوي في حلبجة والاماكن الاخرى.

المؤلف في سطور:
:: ولد يوست هيلتيرمان Joost Hilterman البالغ من العمر خمسون عاماً في هولندا وانتقل الى أمريكا ليقيم هناك.
:: عمل مدرساً في الجامعة الامريكية في القاهرة في 1982-1983، و من هناك ذهب الى الضفة الغربية عن طريق بعض الطلبة الفلسطينين حيث استقر هناك لمدة خمس سنوات والتحق بمنظمة “الحق” الفلسطينية لحقوق الانسان وعمل فيها للاعوام 1985-1990 وكتب أطروحة عن ألانتفاضة و الحركة النسائية والعمالية الفلسطينية للحصول على شهادة الدكتوراه.
:: في عام 1992 يقوم بزيارة الى بغداد بناء على طلب لجنة حماية الصحفيين برفقة والدة الصحفي الالماني “كَاد كَروسGad Gross” الذي قتل في كركوك اثناء انتفاضة عام 1991 وذلك بهدف العثور على جثته.
:: التحق بمنظمة مراقبة حقوق الانسان (HRW) Human Rights Watch في عام 1992 وكلف بالبحث والتحقيق عن جرائم الانفال و القصف الكيمياوي في كوردستان. وللهدف ذاته زار كوردستان وعمل هناك لمدة ثلاثة أشهر في جمع المعلومات وإجراء المقابلات مع الافراد الذين كانوا في تماس مع مجريات تلك الاحداث. اسفرت تلك المعلومات عن مشروع كبير لـ HRW خصصت له مبالغ كبيرة، وتمخض اجراءات البحث عن إصدار كتاب بعنوان “التطهير العرقي في العراق حملة الانفال ضد الكوردGENOCIDE IN IRAQ, The Anfal Campaign against the Kurds ” نشرته المنظمة عام 1985.
:: ومنذ بداية التسعينات عمل هيلتيرمان على الحصول على موافقة عدة دول بهدف تقديم اركان النظام العراقي الى محكمة العدل الدولية في لاهاي بخصوص جرائم الابادة الجماعية، ويحصل علة موافقة دولتين ولكن ذلك كان يتطلب الحصول على موافقة دولة أوربية كذلك. الاّ أنه لم يتمكن هيلتيرمان من تحقيق هدفه حيث لم تبدي اية دولة أوربية رغبتها في ذلك.
:: يعمل حالياً و منذ عام 2002 كمدير مشروع الشرق الاوسط و نائباَ لمدير مكتب عمان مجموعة الازمات الدولية في الشرق الاوسط وشمال أفريقيا International Crisis Group The.

4/10/2007
* اهدت جامعة كامبرج نسخة من الكتاب الى مركز حلبجة CHAK حيث تم اعتمادها في كتابة هذه المراجعة بناء على تكليفي من قبل المركز المذكور بقيامي بالتعريف بالكتاب.

المصادر
Hiltermann, Joost R (2007). A Poisonous Affair, America, Iraq, and the Gassing of Halabja. New York, Cambridge University Press
http://www.cambridge.org/us/catalogue/catalogue.asp?isbn=9780521876865

http://www.soros.org/initiatives/mena/events/halabja_20070712/event_biography_folder_initiative_view#hiltermann_joost

http://www.iraqcenter.net/vb/showthread.php?t=26134

http://www.crisisgroup.org/home/index.cfm?id=1371&l=1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *