الرئيسية » مقالات » الامام علي(ع) رقابة غير متهاونة

الامام علي(ع) رقابة غير متهاونة

 اما بعد فقد بلغني عنك امر، ان كنت فعلته فقد اسخطت ربك وعصيت امامك واخزيت امانتك والصقت امانتك خزية افسدتها واهنتها، بلغني انك جردت الارض قشرتها، فاخذت ما تحت قدميك واكلت ما تحت يديك فارفع الي حسابك واعلم ان حساب الله اعظم من حساب الناس والسلام…
بهذه الرقابة الحاسمة تظهر كلمات الامام علي عليه السلام حادة وقاطعة لا تقبل التاويل او المراجعة.
هذه الروح المسؤلة الملتزمة الحافظة على اي شئ يعود ملكه لعامة الناس.
هذه الروحية التي غادرتنا ورحنا نعوضها بلجان التفتيش والمراقبة الشكلية دون ان يكون في حسبانها ان مراقبة
في ظل المجاملات السياسية والمهادنات اللاعقلانية وتقاسم ضمني للمال والسلطة تضرب الرياح ريش الاستحقاقات الجماهيرية وتذروها في طريق المهب المتصاعد مع الايام، هذا هو الواقع الذي يعيشه الشعب العراقي، فيما لا تفتأ بعض المنظمات التي كان من المفترض بها ان تدافع عن تلك الحقوق المهضومة عن ايجاد مكان لاقدامها في متوسط السلطة أي سلطة كانت من اجل ان لا يفوتها موسم النهب للمال العام.
فاين رقابة الحاكم واين التآزر مع هذا الحاكم لتبييض صفحة الفساد في ظل الدعوى المشتركة لروح الاسلام لدى الجميع؟.
ان الفساد غالبا ما يسود الاطراف والفروع السلطوية اكثر منه في مركزها اي في القوى الحاكمة او المتسلطة او ذات التاثير السياسي اوتلك التي تمتلك السلاح وتلوح به في كل مناسبة، فيما تكون السلطة المركزيةمدارية لتلك التجاوزات سواء على مستوى الوزارات او مجالس المحافظات.
والحاكم يتحمل المسؤولية المضاعفة في حالة انه يرغب السلطة قبل الدين والفساد قبل الاخلاق وسلطة الدولة قبل تنفيذ ارادة الرب.
*** اما بعد فانك ممن استظهر به إقامة الدين واقمع به نخوة الاثيم وأسد به لهاة الثغر المخوف فاستعن بالله على ما اهمك واخلط الشدة بضغث من اللين وارفق ما كان الرفق ارفق، واستعمل الشدة حين لا تغني الا الشدة واخفض جناحك للرعية وابسط لهم وجهك والن لهم جناحك وآس بينهم في اللحظة والنظرة والاشارة والتحية حتى لا يطمع العظماء في حيفك ولا يياس الضعفاء من عدلك والسلام.
ذلك هو نموذج آخر من الرقابة على العاملين في الشان العام التي مارسها الامام علي بن ابي طالب عليه السلام، فلم يدع الامر وراء الامير او الوالي وانما هناك عينا واعية ترصد افعاله وتطالبه السلطة العليا بالتقارير عن المال العام اين صرف وباي الامور تفاعل .. في صالح الناس ام في غير ذلك.
اذا هناك افراغ دائمي للذمة ووضوح مستمر في العمل وصيانة متربصة ومدركة للخطورة التي تكمن وراء الاهدارات في فيض الله سبحانه وتعالى في غير ذي جدوى.
ثم هناك الارشاد في السلوك وتوجيه وتنبيه وتذكير مستمر من الحاكم الرقيب الحريص.
فان الرقابة تتعدى الحقوق التي توكل بها الحاكم تتعدى الى السلوك فان السلوك شكلا ومضمونا يعد في دائرة مصالح الآخرين وهو جزء لا يتجزأ من المال العام ذلك لان الكيفية السيئة تدعو الى الضغينة والمكاره والاحقاد وردود الفعل السلبي وهي ايضا موئل للفساد ونطاق لاحتواء النفوس الدونية والوصولية والنفاق.
*** ثم اعلم يامالك: إني وجهتك الى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور وإن الناس ينظرون في امورك في مثل ما كنت تنظر فيه من امور الولاة قبلك ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم، وانما يستدل على الصالحين بما يجري الله على السن عباده فليكن احب الذخائر اليك ذخيرة العمل الصالح فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك فان الشح بالنفس الإنصاف منها فيما احبت او كرهت.
وهذه نصائح اخرى الى رجل كان قد وضع نفسه مشروعا قاطعا على طريق الاستشهاد في سبيل الدين وهو الرفيق المجرب للامام وهو الذراع القوية اثناء النضال والثورة.
لكن الامام يدرك ببصيرته القوة غير المتناهية التي تواجه الحاكم اثناء تسنمه السلطة في ضمن المغريات والتفاعلات والاحتكاك بمتنوع صنوف الناس فالسلطة اشبه بعسل مكشوف تتخاطف عليه شتى انواع الهوام.
فيحذر مالك الاشتر بل ويرعبه لو انه تطاول او تساهل في الامور المطلوبة منه سلوكا وصيانة لمصالح المسلمين.
*** اياك ومساماة الله في عظمته والتشبه به في جبروته فأن الله يذل كل جبار ويهين كل مختال، انصف الله وانصف الناس من نفسك .. فان من ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عبادة ومن خاصمه الله ادحض حجته كان الله حربا حتى ينزع او يتوب، وليس شئ ادعى الى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من اقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد.
وهكذا ومن خلال هذه اللمحة القصيرة والمجتزأة ترينا صورة باهرة لما ينبغي ان تكون المراقبة ولزوم التدقيق والمحاسبة ومراقبة من يتولون الشان العام كموظفين او عمال او ارباب اسر او سياسيين او مقاولين او اصحاب مضاربات او اصحاب دكاكين كل من موقعه مسؤولا وخاضع للمسائلة وتحت نظام واحد يسري فيهم تعاملا او في السلوك طالما كان هذا السلوك يحدث النفع او الضرر بمصالح الناس.
القانون المطاع هو المنجى الاكيد لتخبط الناس وفسادهم في اي دولة كانت والامام علي بن ابي طالب كان يرى وعلى طول الخط ان القانون والترتيب والمسار الذي لايحيد عن الطريق الذي اختطه الله لبنو البشر حتى ينالوا السعادة في الدنيا والآخرة انما هو الدين الاسلامي وفق ما به من اسس تدعو للمحبة والاخلاص وصيانة الحقوق والمحافظة عليها رغم كل ظرف مهما كان ذلك الظرف عصيبا..

شبكة النبأ
www.annabaa.org

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *