الرئيسية » مقالات » مالجديد في قرار مجلس الشيوخ الامريكي حول العراق ؟

مالجديد في قرار مجلس الشيوخ الامريكي حول العراق ؟








بتاريخ 26 إيلول الموافق ليوم الابعاء 2007 صدر قرار غير ملزم من مجلس الشيوخ الامريكي بموافقة 75 عضوا ورفض 23 منهم , تقدم به السيناتور الديمقراطي، والمرشح للرئاسة جوزيف بايدن بتقسيم العراق الى ثلاثة كيانات حسب الانتماء الطائفي والعرقي ( إقليم كوردستان واقليم شيعي واقليم سني )، تربط بينها حكومة اتحادية محدودة الصلاحيات تتولى حماية الحدود وتوزيع عائدات النفط بين الاقاليم المتحدة الى جانب الصلاحيات المحددة حصرا للحكومة الاتحادية . وقد صدرت ردود أفعال سياسية وشعبية سريعة بين رافض للقرار ومؤيد له . ولغرض تسليط الضوء على أهمية القرار وشرعيته ونتائجه على العملية السياسية ومستقبل العراق ومدى مطابقة هذا القرار للدستور العراقي لابد من توضيح الجوانب التالية :
اولا- شكل الدولة العراقية ونظام الحكم السياسي
نشأت الدولة العراقية بشكل بسيط حسب مصطلح القانون الدولي وهو شكل الدولة البسيطة اي من اقليم واحد يعيش عليه العراقيون منذ عام 1921 وطبقا للانظمة السياسية المتعاقبة المختلفة من نظام حكم ملكي برلماني الى نظام حكم جمهوري ومن ثم نظام حكم دكتاتوري عام 1968 وبلغ ذروته في المركزية والحكم الشمولي عام 1979 حتى تاريخ سقوطه في 9 نيسان من عام 2003 وصار شكل الدولة مركبا من اقليم كوردستان في الشمال والقسم الأخر ويتكون من الوسط والجنوب بضمنه بغداد العاصمة وفقا لقانون ادارة الدولة الذي صدر في 8 اذار من عام 2004 ومن ثم طبقا للدستور العراقي لعام 2005 ( المادة 1 ).
والغاية من إنشاء الشكل الاتحادي هو ضمان بناء الديمقراطية وتعني حكم الجميع ومشاركة كل العراقيين في السلطة السياسية وفي نيل استحقاقهم من توزيع الثروات بصورة عادلة لان الديمقراطية لا تعني حكم الاغلبية وانما حكم الجميع وحماية كل القوميات واتباع الديانات واحترام حقوق الانسان وبخاصة حقوق المرأة والطفل وذوي الحاجات الخاصة ولا يمكن خروج العراق من مأزقه او حل مشكلاته بلا تغيير في هيكلية شكل تكوين الدولة وفي بناء تعددية سياسية تعترف بالاخر من خلال الديمقراطية لان الحكم المركزي والديمقراطية نقيضان لا يجتمعان بينما تنجح عملية بناء الديمقراطية في ظل شكل اتحادي للدولة العراقية مع نظام حكم سياسي تتعدد فيه الاحزاب والاراء والافكار عدا الفكر المتطرف والفكر التكفيري ومنهم حزب البعث الذي صار ممنوعا صراحة من التعددية السياسية وفقا للمادة 7 من الدستور . فالديمقراطية تعني تفتيت مركزة السلطة واشراك الجميع في الحكم . وعلى هذا الاساس فان عملية اعادة انتاج الماضي باعادة حزب البعث للسلطة هي خطيئة كبرى سيجعل العراق بؤرة من التوتر وعدم الاستقرار فضلا عن ان ذلك يشكل مخالفة دستورية صريحة .
ثانيا – موقف الدستور العراقي لعام 2005
يعتبر الدستور هو المرجعية التي يرجع اليها لحل المشكلات ورسم خارطة الطريق لعراق اتحادي فيدرالي نيابي اي برلماني , وبدون احترام الدستور وتنفيذ بنوده لن تبنى الديمقراطية في العراق ولا يتحقق الاستقرار ولا الأمان , ومن هنا نص الدستور على اصدار قوانين متعددة يبلغ عددها 55 قانونا لغرض بناء الديمقراطية وتعزيز بناء مؤسسات الدولة الدستورية ومنها قانون انشاء الاقاليم طبقا لنص المادة 118 . فقد جاء الباب الخامس من الدستور منضما للأحكام الدستورية لسلطات الاقاليم . وهذا يعني بان الاساس الذي تقوم عليه الدولة الاتحادية العراقية في شكلها الجديد هو شكل الاقاليم والمحافظات والادارات المحلية ( المادة 116 ) , ووفقا للمواد الدستورية 117 و118 و119 و120 و121 لا يمكن العودة الى شكل الدولة البسيطة المتكونه من اقليم واحد ولا العودة الى نظام حكم فردي ومركزي هو نقيض الديمقراطية , وانما صار شكل الدولة وفقا للدستور المذكور شكلا اتحاديا قائما على تكوين جديد وهي وجود اقاليم متعددة , ومحافظات قد لا ترغب في الانضمام للاقاليم فضلا عن نظام سياسي تعددي يشترك به الجميع وتوزع ثروات العراق توزيعا عادلا من خلال العاصمة الفيدرالية بغداد , الى جانب ذلك ان الحكومة الاتحادية في بغداد ستتولى مسؤولية الشؤون الخارجية والتجارة الخارجية والرقابة على الحدود والجمارك والضرائب والسياسة النقدية واصدار العملة وتنمية البنية الاساسية والقوات المسلحة..
وعلى الصعيد ذاته فان هناك صلاحيات محددة للحكومة الاتحادية وصلاحيات مبينة للاقاليم او المحافظات التي لم تنضم الى الى محافظات اخرى لتشكيل الاقاليم , ومن هذه القضايا المهمة هي حق كل اقليم في النفط والغاز المستكشف حديثا بعد نفاذ الدستور من حيث ابرام العقود للاستكشاف والاستثمار والتصدير فضلا عن حق الاقليم في الثروات الاخرى من مياه وثروة نباتية وغابات وثروة حيوانية وغيرها ( المادة 112 ) .
ولذلك فان العقود النفطية التي ابرمتها حكومة اقليم كوردستان بعد نفاذ الدستور الجديد صحيحة قانونا ومطابقة للدستور واي اعتراضات عليها من الحكومة الاتحادية او وزير النفط في العاصمة بغداد هي باطلة وغير صحيحة .

نعتقد ان قرار مجلس الشيوخ الامريكي 1585 يمثل حلا واقعيا للمشكلات العراقية وتاكيدا على شكل الدولة الفيدرالي رغم انه لم يأت بجديد عما ذكره الدستور العراقي النافذ المفعول , فالعراق لم يعد دولة بسيطة وفق مفهوم القانون الدولي وانما دولة ذات شكل قانوني مركب أي إتحادي اي فيدرالي طوعي , ولا يمكن ان يقوم على اساس القسر والحكم المركزي – بعد سلسلة الحروب الداخلية والخارجية المعروفة اسبابها ومرتكبيها – ولا ان يعود العراق الى شكل دولة بسيطة من اقليم واحد ونظام سياسي يحكمه حزب واحد او قومية واحده او زعيم أوحد كما تريد ذلك بعض الاطراف العراقية ذات الفكر الشوفيني ..
كما نعتقد بان الصراع في العراق ليس صراعا سياسيا فقط كما أشار الى ذلك بعض السياسيين العراقيين , وانما جوهر الصراع في العراق هو صراع سياسي وقومي وديني ومذهبي , فالعراق المقسم الى كيانات اتحادية حسب الدستور بدولة فيدرالية ينعم بالسلام والامن والاستقرار افضل من عراق موحد شكلا على الورق تعصف به رياح الفوضى ويعمه الارهاب والفساد , وأهله مشردون في المنافي او مهددون خائفون في الداخل .
ومع ذلك فان هناك ملاحظات متعددة على قرار مجلس الشيوخ يمكن تلخيصها بما يلي :
1-     ذكر القرار عبارة ( تقسيم العراق ) الى ثلات أقاليم , وكلمة تقسيم ذات حساسية عند كثير من العراقيين , بينما استخدم الدستور كلمة ( تكوين اقاليم ) ويعني تأسيس أو انشاء االأقاليم الفيدرالية حسب المادة 118 والمواد ذات الصلة ولهذا كانت الصياغة اللغوية للدستور أفضل من صياغة القرار سالف الذكر.
2-     وردت عبارة التقسيم للعراق على اساس طائفي وعرقي , والصحيح ان يكون انشاء الفيدراليات على اساس جغرافي , اي ان الحدود الادارية للاقاليم تنشأ وترسم حدودها وفقا للاساس الجغرافي لاسيما وان الحدود الادارية يمكن تحديدها بسهولة وبصورة تحقق الانسجام والاستقرار اذ من الصعب ان تتكون الاقاليم الاتحادية على اساس عرقي او طائفي او مذهبي لان النسيج الاجتماعي العراقي متداخل ومعقد التشابك .
3-     تظهر حساسية قرار مجلس الشيوخ من انه جاء من الخارج ويمس قضية سيادية عراقية تخص الشأن الداخلي للعراق .
4-     لم يشر القرار الى موضوع كركوك وضرورة تفعيل واحترام نص المادة 140 من الدستور العراقي حيث نعتقد ان خارطة الطريق التي رسمتها المادة سالفة الذكر ستعيد حتما كركوك الى الحدود الادارية لكوردستان العراق وتصحح الاوضاع بالنسبة للمناطق المتنازع عليها السابقة ويتحقق الاستقرار والامن للعراق الجديد .
———————————————————
مقالات للكاتب ذات علاقة :
http://www.krg.org/articles/detail.asp?smap=01010400&lngnr=14&asnr=&anr=478&rnr=84
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=21495

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *