الرئيسية » مقالات » نازك الملائكة وحرية المرأة

نازك الملائكة وحرية المرأة

انها ريحانة اديم العراق الزاكي وكوكب بغداد الحلم ، تلك الروح الملائكية الحنين الى الغد ، الى القادم ، الى الذي يأتي من روعة الاصرار والكفاح الدؤوب في دروب الحرية الرحبة . انها فخر المرأة العراقية مثلما هي فخر الرجل العراقي المتنور ، تلك هي الشاعرة نازك الملائكة .
مرة اخرى تحوم ظلالها الوارفة على ارواحنا لترفل بالمعاني السامية والقصائد المؤتلقة فوانيس في دروب جيل قادم يتشبث بصارية المجد وسط حرائق الأعداء والنبل رغم الغدر وعشق الجمال والشعر رغم الحقد والكراهية .
مرة اخرى تطل صورتها جورية على نافذة صباح حالم بالأمن للجميع ، لحنا في زاوية هادئة لكل القلوب الطيبة ، رفرفة حمائم على زرقة فاتنة ، هلالا على ليلة عيد للعراقيين ولبني الانسان في كل مكان.
نازك الملائكة الوجه الأنيق للشفافية والخفر والحياء البغدادي والطيبة الامومية العراقية ، وهي
بذات الوقت القوة المتفجرة في روح المرأة رمز الحياة وصرح بنائه ومهده العاطر .
لقد شقت طريقها بفضل أب اديب واُم شاعرة وعائلة عريقة بحب العلم والأدب ، وقامت بتكوين ذاتها على اساس من ثمار الحرية في بيت أصيل يؤمن بحق النساء بالدراسة والاختيار العلمي وابداء الرأي والمشاركة في القرار العائلي والاجتماعي ، ويقينا ان ذلك يعود الى المستوى الثقافي ابان تلك الفترة ودور رب العائلة في دعم ودفع مبادئ التحرر الى التطور . ولم تستثمر نازك الملائكة حريتها في غير مكانها بل كانت فخرا للمرأة العراقية ، ولقد قطعت شوطا ً بالتقدم الدراسي في المراحل التعليمية وانتهت الى الماجستير وقد حال الابداع الشعري دون نيل الدكتوراه.. لكنها حصلت عليها كشهادة ً فخرية من جامعة البصرة عام 1992.
بدأت الشاعرة والأديبة نازك مشوارها لا على أساس السائد والمكرور من المصنفات الابداعية بل استشرفت الجديد ، فبالوقت التي كانت امها ، على سبيل المثال ، تميل الى قراءة الزهاوي والرصافي وسواهما من الشعراء كانت نازك ميالة الى ماهو جديد في الأساليب فكانت معجبة بابراهيم ناجي وصالح جودت وعلي محمود طه وبالشعر الحديث عموما اضافة الى القديم الذي تجاوزته .
وهذا هو الذي جعلها تتقدم الى تخوم الحداثة لسان حالها يقول ان الذي يبقى بحدود القديم ينحسر في اساره وقلما يغير ما دام قد استسلم لحقائق او ثوابت غير قابلة للتغيير . قوة نازك الملائكة تكمن بثقتها بالذات وحبها لماهو متفتح من براعم في ازاهير الحياة والشعر والفلسفة . ففي الشعر مثلا ، وعندما كتبت المقطوعة الشعرية الحرة الاولى اصطدمت بالجدار العائلي من حيث الذائقة الأدبية لكنها صمدت بوجه من انتقد ومن ضحك ومن نظر الى عملها بفتور ، وصاحت ذات يوم بحماس وقوة شكيمة : ” قل ماتشاء . اني واثقة ان قصيدتي ستغير خريطة الشعر العربي ” .
ولم تكن نازك تلك المثقفة التي تراوح في حدود المنجز من الفكر والمسلم به من الرؤى ولم تكن لتدور في حيز منحسر من القراءات بل ذهبت على سبيل المثال من الشعر والقصة والرواية الى الفلسفة وذلك لذكاء متوقد فيها يريد ان يفهم المعاني الكامنة وراء هذه الحياة . تقول نازك في ” لمحات من سيرة حياتي وثقافتي ” : ” التفكير الفلسفي – عادة تملكتني منذ الصبا فقد كنت دائما احب ان افلسف كل شئ واغوص في حيثياته واسبابه . وفي سنوات النضج اقبلت على قراءة الفلسفة وفي ايام الشباب أثرت فلسفة شوبنهاور المتشائمة تأثيرا شديدا على نفسي ” .
وفي الوقت الذي كان يتحاشى الفكر الديني المحافظ قصيدة الطلاسم الفلسفية لايليا ابي ماضي ويحاول حجبها عن الجيل او ينحو باللآئمة عليها بل بالهجوم على شاعرها ، كانت نازك شديدة الاعجاب بها لأنها تشرئب الى معاينة معنى الحقائق وتسأل الأسئلة الذكية بما يتصل بالخلق والحياة والموت والمصير . فالفكر الرجعي يريدك ان تجحجح على ما لديك من وعي راسخ والتسليم بما جرت تنشأتك عليه ، والفكر المتنور يريد لك ان تسأل وتحدق ديكارتيا بكل شذرة وحجر وصدَفة ولؤلؤة على شاطئ العلم لتقول لماذا وكيف والى أين . أي ان الفلسفة رياضة العقل !!!! وبعبارة اخرى اسأل دقق ، شكك ، ثن ّ ِ الأمر ، استعمل المسبر والمجهر والمختبر وقارن وقايس ْ وجن !!! علما وفهما ودراية وعد الى يقين او تقدم الى يقين آخر . وهذا ماحدث لنازك الملائكة التي قالت : ” مررت بفترة الحاد وتشكك فظيع مابين 1948و 1955 “. وهذا لم يمنعها من العودة الى الايمان ، مثلما لايمنع سواها من اختيار طرائق التفكير والسلوك الاخرى ، الاّ الديكتاتوريون والأنظمة الشمولية التي تريد لكل البشرية ان تسير وفق تصور واحد وان تستنسخها في مسار واحد ومن يتكلم يقتل فمقتل الرجل كما قالت العرب بين فكيه .
ان شعبا لا يُخضع القاعدة الديكارتية في عمله الفكري والفلسفي ” الشك اساس اليقين ” فانه شعب خائب مراوح في مكانه . ان امرأة لا تتحفز على هدي ٍمن خطى نازك الملائكة لايمكن ان ترود الجديد والابداعي والتحرري .
حزن نازك الملائكة كنز . وكما يقول الأديب الراحل هادي العلوي في كثير من رسائله الى تلامذته ومحبيه ” ان الشحة والقلة دافع على الحركة ” كذلك الحزن عند الشاعرة قد كان رافعة الى المثل العالية . كتبت الأديبة المرموقة الراحلة حياة شرارة : ” ومثاليتها هذه هي السبب في احزانها التي يعرضها شعرها العاطفي ، فقد كانت تصطدم عند الناس بالإثرة وسوء الخلق والابتذال والغدر وقد نظمت غير قليل من الشعر في هذا المعنى . وكانت تحس ان طموحها نحو المثل العليا اعظم من ان تحتمله الحياة فكانت تكثر من مخاطبة قلبها في الشعر تلومه على اغراقه في التطلع الى الآفاق العالية .. “. نعم انه الحزن الباعث على الحركة وعلى اتخاذ موقف . انه حزن فاعل . ان المتتبع لحياة نازك يرى انها لم تكن تلك الطرية العود ازاء مايوجع ويثبط ، بل لقد تقدمت بشفافيتها بأحزانها بأسئلتها الحارقة ازاء الحياة ، تقدمت في قطف ثمار عملها وتحقيق طموحاتها اذ لم تكن فقط الثقافة والانتهال من الكتب القديمة ومايرد الى البيت من آخر مايطبع في مصر ولبنان وهي كتب جديدة بل ايضا قد اضطلعت الشاعرة بدراسة النحو وتعلم اللغات والتمثيل والموسيقى وقد تعلمت العزف على العود وهذا مارافقها لسني عمرها كلها ، كما احبت ونظرت باكبار الى سائر الآداب والفنون . وقامت باتمام دراستها في بغداد وفي اميركا ، بتفوق وحنو وابداع . لقد كانت شعلة من العمل متوقدة متقدمة الى الأمام .
كان الاخوة والأخوات في دار نازك من الذكاء وقوة الشخصية والمتابعة للحياة الاجتماعية والأدبية والسياسية ما يثير اعجاب الناس ، وبالوقت الذي طفقت شهرة نازك الملائكة الآفاق فقد راحت الجرائد والمجلات تكتب عن هذه الدار الرائعة التي انجبت الأرواح الملائكية . قالت مجلة آخر ساعة المصرية ، وفق ما أشارت حياة شرارة في كتابها صفحات من حياة نازك الملائكة ” بيت بسيط كأنه عش العصافير … بعيد عن ضوضاء بغداد …تنبعث منه آهات من قلوب عذراء تذكرنا بآهات الأخوات اميلي برونتي وآن وشارلوت شاعرات انجلترا .. ” .
من لا يتمنى لفتيات وطنه رفعة وسموا مثل هذا ؟. انه بيت اركانه القوة والاعتداد بالنفس والتزود بالعلم والتطلع الى الجديد في الكتاب والرأي والشعر والمسرح والسينما وكل الفنون التي هي التلاوين الزاهرة والزاهية في حياة المجتمع والتي بدونها لا يرين الاّ اللون الأسود الطائفي والديكتاتوري الذي يمنع على المرأة ان تستعمل حدقة عينها في النظر خارج القدر المحتوم والجدار المرسوم .
كان الثلاثي نازك – نزار – احسان حالة ليست غريبة على العراقيين في كونهم – كوننا عشاق صعادات الضوء ، نحن المحبون لما هو باهر ومتألق حتى لو اشتمل على قليل او كثير من العنف !!!! فمن يصدق ان نزار يلم بسبع وعشرين لغة وهو كاتب وباحث مرموق ، وان احسان كاتبة وباحثة يشار لها بالبنان . وان والدهما صاحب الموسوعة الباهرة ( دائرة معارف الناس ) ، وان امهما الشاعرة الجميلة المؤثرة والعاشقة للأوطان. ان عراقنا الجديد ينطلق من اريج هذا البيت ، من الحزن الذي صار وردا على سياج العراق ، من المحبة التي ازهرت دواوين نبل واهابة بالانسان كي يعشق السلام ويدافع عن المرأة وحريتها وتقدمها في العلم والثقافة مثلما تقدمت نازك وتنقلت بين الجامعات ” بغداد- البصرة – الكويت ” والتي نالت الشهادة الفخرية من جامعة البصرة فخرا وامتنانا لشخصها ودورها في حب الثقافة والحياة والكفاح من اجل الجمال والشعر .
نازك التي أجادت استخدام الحرية فأبدعت ، هي ذاتها صاحبة الرأي الوارد على سبيل المثال في المحاضرة الرصينة ( المرأة بين الطرفين السلبية والإخلاق ) والتي جاء فيها : ” والحق ان اغلب الأحكام قد دأبت على تناول النتائج بمعزل عن الأسباب فدرست سلوك المرأة بمعزل عن الالزامات الفادحة التي تقيدها . وبحثت عن الأخلاق في حياة مخلوقة لاحرية لها من أي نوع ، وتطلبت الشخصية حيث لاتوجد ارادة ، والتمست حاضرا حيث لايوجد ماض ٍ ولاتاريخ . وهذا كان موقف طائفة كبيرة من الفلاسفة والادباء والمفكرين وهو موقف غير علمي تنقصه الرصانة والاتزان . فلا أخلاق من دون حرية كاملة في السلوك ، ولا حرية من دون اخلاق رصينة تدرك ذاتها ، ولا انتاج في أي حقل من شخصية كاملة العمق واسعة الجوانب، نفاذة ، تشخص ماتريد . وهذا لأن الحرية هي التي تنتج الأخلاق ، والأخلاق هي التي تنتج الشخصية، والشخصية هي التي تنتج الفن والفكر والإنسانية”.
نازك مثال يحتذى به ، وحتى تأتي ثانية ً في الأجيال لابد من أب متنور مثل صادق الملائكة وام مثل ام نازك ” سليمة عبد الرزاق الملائكة”واخوة واخوات يعيدون جميعا انتاج حالة من الوئآم والمحبة في الاسرة قائم على احترام المرأة وحقها في العلم والحرية وهو المبدأ الأساسي في الحياة . وكما قيل وراء كل رجل عظيم امرأة ، فان وراء كل امرأة محترمة رجل محترم .
نازك قوس قزح طالع بعد كل مزنة غيث وهو عالق في زرقة السماء لن يكلفك ان تراه الا بأن ترفع رأسك قليلا من ثقل عاداتنا القاسية في ضربها واستضعافها واهانتها !!!!! كيف وهي الأحوج الى التعليم والمحبة وتعزيز الثقة وتأصيل قيم الوفاء وحب العائلة والوطن ، علينا أن نرتقي برؤوسنا في سماء العراق والعالم العربي بل العالم اجمع لنرى ان هناك نموذجا ممكن التنشأة واعادة الانتاج ، انها الشاعرة العالمية ابنة بغداد الأزل ، وعاصمة العلم ودار السلام ، انها المرأة نازك صادق جعفر الجلبي ( الملائكة ) .


* توق أخير : اعجب لمثقف وعاشق ، تخلو مكتبته من ديوان شعر لنازك الملائكة ! .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *