الرئيسية » مقالات » مناظرة في أروقة اتحاد الكتاب العراقيين في السويد عن الفيدرالية ومستلزماتها

مناظرة في أروقة اتحاد الكتاب العراقيين في السويد عن الفيدرالية ومستلزماتها

التأمت في استوكهولم مساء السبت الموافق 29/9 جمهرة من المثقفين العراقيين النوعيين وممن لهم الحضور المتميز في الساحة الثقافية العراقية عامةً وفي السويد خاصة ، وذلك تلبية لدعوة اتحاد الكتاب العراقيين للمساهمة في محاضرة الدكتور خالد يونس خالد، والتي كانت بعنوان: الفيدرالية ومستلزمات النجاح. وقد ساهم بالمناظرة كل من الكاتبين فرات المحسن والدكتور علي ثويني.. وقد أدار المناظرة الدكتور عقيل الناصري .
بدأ الزميل مدير الندوة بطرح مكثف لوجهة نظره كمقاربة تاريخية، لواقع العراق في بداية القرن العشرين.. إذ أشار إلى أن العراق بدأ آنذاك يتطلع إلى بناء الدولة المركزية على أنقاض العشائر المتشظية .. إذ بدأت هذه الصيروة مع بداية الاحتلال البريطاني وتكوين الدولة الوطنية عام 1921. في حين بدأت منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، وعلى أنقاض الدولة المفرطة في مركزيتها، ملامح مرحلة جديدة لعقد اجتماعي جديد بين المكونات الاجتماعية العراقية.. كان من أهم سماتها الفيدرالية.. والتي هي إحدى المواضيع الساخنة ليس على نطاق الفكر وحده بل في الممارسة السياسية، وهذا ما يفسر في بعض جزيئاته الصراع القائم في الوطن.
بعد ذلك بدأ الدكتور خالد يونس خالد بطرح تصوره لهذا الموضوع من الناحية النظرية لمفهوم الفيدرالية ومستلزماتها. بدأ المحاضر بإقرار مسألة فشل كل حكومات القرن العشرين في العراق في حل مسألة التكوينات القومية الصغيرة.. مما يتطلب عملياً شكلا جديدا لوحدة الدولة عن طريق الفيدرالية. مشيراً إلى أن هنالك ثلاثة منطلقات لتحديد مضمون هذا المفهوم:
– الأول ينطلق من تحديد صلاحيات كل إقليم؛
– الثاني ينطلق من حصر صلاحيات المركز في الأساس؛
– الثالث ينطلق من أن الدستور الفيدرالي يحدد صلاحية الأقاليم.
لقد شرع الدكتور المحاضر في تعداد أنواع الفيدراليات عبر التاريخ.. وقد حددها بأربعة أنواع هي: الفيدرالية القومية، التي يعتقد أنها فشلت فشلا ذريعا عبر التجربة التاريخية؛ الفيدرالية الطائفية، التي ليست لها المقومات الحيوية للاستمرار وإعادة إنتاج ذاتها فالفشل سيكون حليفها هي الأخرى؛ الفيدرالية المختلطة والتي تتكون ماهياتها من عناصر مختلطة من النوعين السابقين، وبالتالي ليس لها شكل محدد؛ أما النوع الأخير فهو الفيدرالية الإدارية أو الجغرافية، والتي يرى أنها أكثر ملائمة لواقع العراق وتركيبة تطور مؤسساته الدستورية وتعددية أطيافه الاجتماعية والإثنية والدينية والمذهبية. ثم فرق الدكتور المحاضر بين الفيدرالية و الكونفيدرالية التي تنظمها بالأساس اتفاقية دولية، وهنا يكمن جوهر اختلافها عن الفيدرالية التي ينظمها القانون الدستوري لمجموعة دول أو مجموعة أقاليم.
لقد توقف المحاضر بصورة مسهبة عند مستلزمات النجاح للتجربة الفيدرالية التي طبقت في اكثر من 114 دولة لكنها لم تنجح إلا في 9 دول فقط. وذلك لعدم مراعاة الأسس الواجب توفرها لإقامة النظام الفيدرالي والتي تتفاعل فيما بينها بصورة جدلية.. ومن هذه المستلزمات:
– يجب الاتفاق على قاعدة تفاهم مشترك بين جميع الأطياف كحد أدنى لنقطة الارتكاز الأساسية وهي الوطنية الحقيقية. وهذا شرط لا مساومة عليه.
– المنافسة السياسية على أسس الديمقراطية السليمة، وذلك بفسح المجال للأقلية السياسية للمساهمة في رسم القرار السياسي للدولة وعدم تركيزه بيد الأكثرية فقط.
– ضرورة سيادة دولة القانون، وليست العبرة فيما هو مدون بالدساتير بل بضرورة توفر ثلاثة شروط أساسية في الدولة الديمقراطية لكي تكون دولة قانون وهذه الشروط هي: 1- يجب تمتع مواطني الدولة بالحقوق الأساسية والحريات العامة وأن يكونوا متساوين أمام القانون ؛ 2- يجب ممارسة السلطة الرسمية بشكل يتوفر فيه شرط ضمان تطبيق القانون وحكمه؛ 3- يجب تنظيم السلطة على وفق مبدأ تقسيم السلطات والفصل بينها ومشاركة قوى الشعب فيها- من الأغلبية والأقلية على السواء، طالما أن جوهر الديمقراطية هو سيادة الشعب وليس سيادة حزب أو فرد أو طائفة.
– السلم الأهلي وذلك يعني وجود أجندة مشتركة، إحدى بنودها تنص على نزع سلاح الأطراف المتحاربة جميعها. فالأجندة المشتركة لكل القوى بدون استثناء شرط أساسي لبناء دولة المؤسسات الديمقراطية المترابطة.. طالما أن ما يحدث اليوم هو تفاهمات شكلية مؤقتة لا تمت بصلة للائتلافات المبنية على المصلحة العامة التي تعبر عن الفهم الديمقراطي الحقيقي وذلك يعني النفي الطبيعي للائتلافات المبنية على المصالح النفعية سواءً المذهبية منها أو/و العرقية.
ويخلص الباحث إلى أن الممارسة الديمقراطية في المجتمع المدني توحد الشعب ولكن هذه الممارسة فشلت في العراق، طالما أن العراق الحالي ليس دولة قانون، ولأنه بعيد عن السلم الأهلي ولأن الفيدرالية المتبناة ليست فدرالية ديمقراطية ودولة القانون. والديمقراطية والسلم المدني توأمان لا ينفصلان في دولة القانون وهما يسيران بصورة متلازمة لمحاربة الفساد والعنف والإرهاب. كما خلص إلى نتيجة متفق عليها تكمن في ضرورة تجريد سلاح المليشيات بغض النظر عن الهوية الدينية والعرقية والاجتماعية وإعادة تنظيم الجيش على أسس وطنية ومبدأ الولاء للدولة، وأكد على المواطنة وحقوقها وتأسيس منظمات المجتمع المدني التي هي بمثابة رقيب على السلطة، كذلك مسألة تأمين الحدود الدنيا من المستلزمات المادية للمواطن وإيجاد فرص العمل له. وأختم الدكتور خالد محاضرته القيمة بالقول أن الديمقراطية ليست شكلية وصورية ووضع ورقة التصويت في صندوق الانتخابات ليرجع الناخب بعدها عبدا، كما قال منظر الديمقراطية المفكر الفرنسي جنا جاك روسو . لأن غياب الممارسة الديمقراطية في دولة ليست دولة قانون بعيداً عن السلم الأهلي لن يكون المواطن فيها حراً.
وبعد انتهاء المحاضر عقب عليه الزميلان الباحث د. علي ثويني والكاتب فرات المحسن .. إذ أستهل الأول مداخلته المطولة في التأكيد على المضامين الجوهرية لماهية المحاضرة والمنطلق السياسي لمضمونها القانوني والدستوري.. مشيدا بالجوانب المضيئة في الوحدة الوطنية العراقية التي وجدت منطلقاتها المادية منذ مرحلة الزعيم الراحل عيد الكريم قاسم.. كما حلل الدكتور ثويني طبيعة المصاعب التي تواجه المجتمع العراق مشدداً على عراقية المنطلقات التي هي عوامل موحدة إذا انطلقنا من عراقيتنا في معالجة الواقع المريض وليس من الولاءات الدنيا.
صبت مناظرة الكاتب المبدع فرات المحسن في جوهرها على فهم الأبعاد النظرية لتطور هذا المفهوم وتطبيقاته في تجارب بعض الدول ومدى الاختلافات في مضامينه على ضوء الظروف الحسية لكل تجربة.. ومن هنا كان هنالك تلاق في الكثير من الطروحات بينه وبين الدكتور المحاضر، حيث ركز المحسن على البعد السياسي للمفهوم بينما كانت المحاضرة أسيرة البعد القانوني . هذا التلاقي بين الكاتبين أوضح بجلاء تكاملهما.
ثم بدأت المداخلات المتعددة والتي أثارت الكثير من الاستفهامات والتقاطعات مع المحاضر خالد خالد ومع المناقشين د. ثويني والمحسن وساهم فيها الكاتبان دانا جلال وصفوت جلال الجباري .. حيث عبرا عن ماهية رؤيتهما لموضوع الفيدرالية وتقاطع رؤية الكاتب صفوت مما طرح في الندوة. كذلك كانت هنالك رؤية ضمن مفهوم الأحزاب الإسلامية كانت تتمحور حول ضرورة التفريق بين الشيعة كمفهوم عام وبين الأحزاب الشيعية، طرحها السيد باسم الموسوي .
كانت هذه المناظرة واحدة من أهم المواضيع التي أثيرت في الساحة الثقافية العراقية في ستوكهولم في الآونة الأخيرة، مما حفز الحاضرين على قلتهم العددية ولنوعيتهم المتميزة على العمل من اجل المزيد من هذه الفعاليات العلمية ذات الرؤى المتباينة.
وقد دامت المناظرة أكثر من ساعتين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *