الرئيسية » مقالات » الصيدلية النبوية لمالكها الحاج عبد الكبير 1

الصيدلية النبوية لمالكها الحاج عبد الكبير 1

الحاج عبد الكبير، اربعون سنة وشهرين ، متزوج من ثلاث نساء ، وله من الاطفال ثمانية عشر ، صاحب محل لبيع الأعشاب والنباتات الطبية ، ومالك الصيدلية النبوية التي ورثها أبا عن جد ، وطورها وخصبها بالقرآن كما هو مثبت على بطاقة الزيارة المذيلة بسربين هواتف محمولة واخرى ثابتة ، هو ايضا بلسم الفقراء كما يحلو لبعض مريديه وأتباعه أن يسموه ، حضر الليلة ، من غير دعوة ، وقد فاجأ الجميع بسلوك غير مسبوق . فبعيدا عن كل ما يمكن أن يدور من حديث في مناسبة كهذه ، حول الغلاء وضعف القدرة الشرائية للمواطنين ، وتأخر الأمطار بسبب ممارسات مشينة للبشر ، لم تاخد انتفاضة صفرو وأحداثها الدامية قبل أسبوع ولا الارتفاع غير المسبوق للأسعار ، وتشكيل الحكومة المرتقبة ،من وقتهم الكثير ..إلا دقائق . قال الحاج عبد الكبير وهو يحيى الحاضرين كما يفعل المكي الترابي في الصخيرات ” السلام عليكم ، الله يعلم أن محمدا على الحق وقومه على الباطل، ويقول له يامحمد ، انك لست بكاهن ولا مجنون ولا شاعر كما يدعي قومك، وان القران هو كلام الله ، وانك لم تتقوله .
يمرر الحاج لكبير حبيبات سبحته البيضاء المصنوعة من خشب الأبنوس مثل انشوطة أسيوية ويتابع في مرح : جئتكم الليلة أيها الأحبة في الله بإعجاز خارق ، بلسم الفقراء ، لقد أنتجت ابحات أخوتكم في الدين في مختبر الرحمة عقارا يستخدم في علاج السكتات الدماغية ، أي والله ، هذا العقار هو مزيج من نباتات صينية وزيوت مستقطرة من ماليزيا ، إضافة الى نكهة السينكا المجلوبة من اندونيسيا ، هذا العقار خضع بإذن من الله السميع العليم لتجربة سريريه الشهر الماضي في كل من سنغافورة والفيليبين ، أيها الإخوة الكرام في هذه اللحظة المباركة التي نجتمع فيها يجري أطباء إخوة لنا في الله، وهي للحقيقة والتاريخ ، مجموعة من الأطباء المؤمنين القانتين لا تسعى لجني الأرباح ، ولا تكديس الأموال ، وإنما لنيل الثواب والأجر ليوم القيامة ، تجربتهم أيها المؤمنون الفضلاء ، تستهدف مرضى من كافة بلاد المسلمين ، ومن تايلاند وهونغ كونغ ، لقد تم تمويل الدراسة التي استمرت عامين من خلال منحة من المركز العالمي الأبحاث العشبية ، إنني لا ازعم أن العقار …يساعد في علاج مرضى السكتات الدماغية ، في استرداد حركتهم وقدراتهم على التفكير…وإنما اجزم ان مبتكري هذا العقار العشبي الجديد أكدوا والحمد لله نجاحه 100 بالمائة في إبادة واجتثاث كل الأمراض الخطرة كالسكري والفشل الكلوي والسرطان بشتى تلاوينه الظاهر منها والغابر ..ويطهر الجسد من كل الشرور والاثام التي تعصف بالإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها .
الله وحده يجازي المؤمنين ، ويصلح مقامكم. اللهم أبشرهم بالجنة…آآآآآآآآآآآآآآآآآميييييييين اللهم ….. صلوا على النبي الحبيب…
دلف الحاج لكبير المكان بيمينه ، ولسانه لا يكف عن الدعاء والصلاة كان المجلس مكتظا بالمدعوين وغيرهم القادمين من كل فج عميق ، وبدا لأول وهلة، أن العثور على مكان وسط هذا الحشد البشري ، يقتضي تطوع احد أبناء الدوار البسطاء بالتنازل عن مكانه ، دلف وهو يعتمر عمامة أفغانية تحيط بجوانبها عبارة لا الاه إلا الله ، محمد رسول الله ، وقبل أن يشرع في توزيع منشور يدعو فيه أحبته في الله الى زيارته في صيدليته الكائنة بحي الرحمة ، استحضر فهرستا من الأحاديث النبوية الشريفة ، شرعت تخرج من فمه مفعمة بالروح ، مصحوبة بأمثلة حية تقربها الى الأذهان :
الهاتف المحمول اخوتى نكتب عليه الرسائل ، ثم نرسلها ، فتطير الى السماء الى أن يلتقطها محمول آخر ، وكذلك الإنسان يعمل العمل ، ويطير الى السماء تتجمع الأعمال ، وتتشكل في كتاب ، وهذا الكتاب يعلق في رقبة الإنسان فلا يستطيع منه فكاكا ، ذلك أن الرقبة او العنق عضو لا نظير له في الجسد.. اسلكوا طريقا الخير. يرحمكم الله ..زورونا في صيدلية الرحمة ..” صيدلية نبوية، إعجاز علمي خارق، صلوا على النبي….. ،
بين الحين والآخر، يعطس الحاج لكبير ، يحمد الله فيشمته الحاضرون ، ثم يستعيد عافيته بالصلاة وتلاوة طوفان من الأدعية يحفظها عن ظهر قلب ، حين أتم توزيع مخزونه من بطاقة زيارة ، مع خدش بعضها بتميمة مباركة ،بقلم مستورد ألقى بجسده المترهل ، في حيز ضيق ، وهمس في أذن الشاب الحليق ، كان مثل ثمرة الجمار البرية ملفوفا في عباءة صفراء انتفخت جيوبها.
– يا شاب ياكريم ، إن تفسح مكانا لأخيك ليجلس فيه، فانه سوف يحمل لك هذا الجميل وسوف يرده أضعافا.
وفيما كان الحاج عبد الكبير يسرد على مسامع شاب كلاماً مطولاً شق سفيهه كبد مفيده، راح البعض الآخر يتأمل وجوه الحاضرين بين ذاهب وآت وهم يهرولون في خجل مفتعل ، بخطوات متعبة بالكاد تقلهم، فهذا يمشي متثاقلاً يحمل في ذراعيه كؤوس اغتسلت لتوها بماء البئر ، والآخر يؤنب خادما ، وآخر يترنح يميناً وشمالاً من ثقل حمله، وثالث يتأبط في يمينه طرحتين خبزاً طازجاً وبشماله كيس اسود تفوح منه راحة النعناع الأخضر الفاتن ، ورابع يعدو بكيس فارغ يسابق الوقت والوقت يسابقه الى مسجد الحي من اجل أداء ركعتين والعودة تلافيا للازدحام.
– الشاب الحليق لم يشد عن قاعدة الحركة التي يمور بها المكان ، لكنه بدا غير مكترث بما يجري ويدور حوله ، كانت أصوات الدفوف تتعالى ،وزغاريد النساء ترتفع شيئا فشيئا مع الهزيع الأول من ليلة ديسمبرية باردة ، فيما ضجيج الشباب الذين يتراقصون على نغمات الطبل والغيطة صاخبا يصل حادا ومؤذيا ، توجس الفقيه ، ثم وضع يديه على أذنيه كي لا يسمع.وردد في تبرم ” حرام..حرام..
الله هم هذا منكر…رددها ثلاث ..
. ساد صمت رهيب ، حدث الشاب نفسه بصوت مسموع ، إذا ما استمر الحال على ماهو عليه ، سيكون نقطة لصالح الفقيه الملتحي ، لذلك توقف الشاب عن التفرس في الوجوه الجديدة التي تأتي من الظلام وتعود إليه ، بعد أن تكون أدت فروض الولاء والطاعة للحاج عبد الكبير، وكف عن تمرير أصابعه فوق أهداب لحاف أطلسي مزركش يفتن . وقدر أن يضفي مسحة على مجلس القرية الموقر، قال في حكمة واتزان:
عندما يبسط الفرد التاريخ البشري أمامه مثل سجادة صلاة ، سادتي الكرام ،فان ما يراه ليس فقط صورا متعاقبة للوقائع والأحداث والصور ، وإنما يتجسد أمامه كذلك على شكل شخصيات فاعلة ، ومجموعات بشرية متباينة الأديان والمعتقدات ، وتنظيمات اجتماعية متغيرة الحقب والفترات ، وكذلك أنماط عيش متنوعة بنتها شعوب وحضارات من آفاق متفرقة من المعمور بما في ذلك العرب والمسلمين ..
يدخل ضيف جديد ، يرحب به ، ويواصل الحديث :
تروي كتب السيرة ياسادة ياكرام ، إن الشيخ حسن العطار شيخ الأزهر في القرن الثالث عشر الهجري كان ذا ولع شديد بالسماع، وعلى معرفة تامة بأصوله وقواعده. قال في بعض مؤلفاته ” من لم يتأثر برقيق الأشعار تتلى بلسان الأوتار، على شطوط الأنهار، تحت ظلال الأشجار، فذلك جلف الطبع حمار”.
ردد الحاج عبد الكبير في ما يشبه الفرفشة ، الله عليك يا شاب، من هذا الرجل؟؟؟
مد الفقيه يده الى رقبته بعصبية ، وكأنما يريد أن يطرد ذبابة ،او يسحق شيئا ما يخنقه، ثم قال للشاب وعيناه لا تفارقا صورة رجل ذو لحية كثة ، معلقة بالجدار الأيمن للقاعة :
–الم تنته بعد– يااخ؟؟- ”
ثم استطرد في اشمئزاز واضح وقال ساخرا:
العياذ بالله…”لا أرى كيف يمكنني أن أجالس ملحدا… تنحى جانبا ثم استطرد في غضب :
– هل أنت مؤمن..اقصد هل تؤمن بالله وملائكته… حاشا لله….؟؟؟؟؟؟
عزيز باكوش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *