الرئيسية » مقالات » صفحات سود في تاريخ العراق – الحلقة الثانية

صفحات سود في تاريخ العراق – الحلقة الثانية

كنت اتابع برقيات التهاني التي ترسل الى صدام في مناسباته الخاصة، والمناسبات الاخرى.. وكانت بعض تلك البرقيات مرسلة من شخصيات ذات تاريخ ملوث، أو من ارتبطت بعلاقات وثيقة مع اسرائيل، وكان صدام يبرزها في الاعلام مثل برقيات القادة والشخصيات العربية المشهورة.. واحيانا يعلن بعض الاسماء ويخفي غيرها او بعضها في تسلسل اسماء المهنئين فقط لاسباب يقدرها هو اولا يعلنها ولا اريد الاطالة في هذه المسألة، فاسرار وصوله الى السلطة هي ليست قدرية كما اشيع او شاع وقد تكون في رواية هاني الفكيكي عضو قيادة البعث السابق شيء من ذلك، وهي اختيار هاني الفكيكي لصدام ليكون احد المشاركين في تنفيذ مؤامرة اغتيال عبد الكريم قاسم التي خطط لها بعث الخمسينيات، حيث عرفه في سجن السراي، وعلم بجريمته واسباب سجنه مع خاله خير الله طلفاح، وهي قتل احد اقاربهم، اذ وجد فيه مؤهلات الاجرام ساطعة، فأوصى بالاستفادة منه..(
فالجهات التي اهلته ورعته ثم مهدت وصوله الى السلطة والقيام بالادوار المنوطة اليه لاحقا، ومن ابرزها واهمها اقتلاع الحزب الشيوعي من خارطة العراق السياسية، وافشال المساعي الشيوعية والدعوات لاقامة انظمة موالية للاتحاد السوفيتي، وهذا جزء من مخطط القضاء على الاتحاد السوفيتي والحركة الشيوعية العالمية.. تلك الجهات معروفة ولعلتا نتذكر قول الراحل الكبير جمال عبد الناصر (بانه واد بلطجي)..
وهو اسلوب متبع منذ ان وجدت الحركة الصهيونية والماسونية، اذ تخرج من هاتين المدرستين عشرات ان لم يكن مئات الرجال الذين وصلوا الى السلطة في بلدانهم بمساعدة رعاة هاتين المدرستين، وغيرها من المسميات التي اصبحت لها دور خطير في حياة الشعوب وبلدان العالم.. وماذا نقول عن الليالي الحمراء والاجواء المخملية والتي قيل عنها بانه احتفظ لنفسه باجواء خاصة يمارس فيها ما يريد وهي ليست بخافية على احد من العراقيين وهي لا تحتاج الى ادلة وبراهين، فما كان يتداول سرا وعلنا يشب له الرأس.. واعتقد ان شخصا مثل صدام رأى ان هذا البلد العظيم بكل خيراته وثرواته ورجاله وتاريخه ومستقبله ومصيره وكل شيء فيه تحت قبضته سوف لا يتردد من اقامة مستعمرة خاصة له من النساء، لان هذا غدا من المسلمات عند كل طاغوت، فهل يصدق احد في هذا الكون بانه كان بريئا من جانب النساء، اننا حتى لو صدقنا افتراضا هذا الامر. فهل ترانا نكذب ما كان يفعله الطاغية الصغير من انتهاكات اخلاقية وتجاوزات على اعراض الناس، واولهم عوائل المسؤولين… واماكن مثل (نادي الفارس في الجادرية، واللجنة الاولمبية والنوادي السرية ستشهد بذلك) وتلك العناصر من نساء ورجال والتي بثت في الاعراس واحتفالات الناس، كان لها دور مرعب في اختيار الجميلات من العراقيات وارغامهن على مراجعة اللجنة الاولمبية.. وما وجه به الطاغية الصغير بان تراجع طالبات التعيين اللجنة الاولمبية وتكون موافقة اللجنة الاولمبية جواز المرور للوظيفة الموعودة.. وجراء ذلك وعلى ضوء ما كنا نسمع من فظائع وفضائح عن ممارساته سربت صورة لسرير الطاغية الصغير، وهي اقرب للواقع من الخيال( وهو سرير ملكي تتناثر الصبايا حول الطاغية الصغير فيه، وكل واحدة تداعب جزءا من جسمه، وكانه بذلك يحيى الليالي الملاح لرجال كتب عنهم التاريخ بافاضة، وعن ليالي الانس والمجون لتلك الازمنة الغابرة، ولعلك ايضا سمعت بابنة احد الوزراء ذلك العهد وما تعرضت له من نكبة او ما كان يقوم به بعض رجال ذلك العهد الجائر الاقوياء على هذه الشاكلة، حدثني احد الاصدقاء المطلعين وقتها، بان النساء اللواتي كن يرغبن في مقابلة احدهم (اي رجال العائلة الاقوياء وما اكثرهم) كان هناك فريق من النساء يتولن تهيئة تلك النساء من الناحية الجمالية، فلربما ذلك الشخص يرغب بها لحظة مقابلته لها.. فهل ترى انه كان يبيح لاولاده وبقية الحاشية ما يحرم نفسه. ام ان اولئك ما كانوا يقومون بما قاموا به وما يقدمون على تلك الافعال لو لم يكونوا على علم ودراية بالمواخير السرية للطاغية، وما كانوا يتجرأون على فعل شيء مما حصل وشاع..
ولعلي ارى ان العراقيين كافة وبمختلف شرائحهم وطوائفهم ومكوناتهم متفقون على ان ميزانية (حزب البعث) ميزانية خرافية وتعادل ميزانيات دول قائمة لها جيوش وقوات امن وموظفون وعلاقات دولية وحدود وفعاليات مختلفة تتعلق بالبناء والمصير..
وكان يعتمد خلال الستينيات على الاشتراكات وبعض الدعم من قبل جهات متعاطفة او تلتقي بالهدف والاستراتيجيا معه، او ربما تمويل من اعضاء الحزب الاثرياء كما كان يفعل (عزة مصطفى) وغيره وبعض شيوخ العشائر والتجار المنتمين للحزب، باستثناء من كان عميلا او مرتبطا بجهة اجنبية ويحصل على تمويل خاص ليخفف ما تخطط له تلك الجهات التي تموله عبر حزب البعث، وهم عناصر كثيرة اكتشفوا لاحقا او بذات الفترة التي شهدت نشاطهم الواضح وكان يجزي العطاء لمن هب ودب، ويمول صحفا ومجلات وواجهات عديدة، فضلا عن تجنيده الالاف لاجل الكسب الحزبي العربي، اذ ان تصرفاته تحرج حتى الرئيس الراحل ياسر عرفات فهو لا يعرف ماذا يصنع امام سيل الاموال المتدفقة لخزانة (راكار سالم، وناصيف عواد) وغيرهم وتوزيعها على الفلسطينيين بذريعة عوائل الشهداء وغيرها من الذرائع والمسوغات.. فضلا عن خزانة قيادات حزب البعث في السودان وموريتانيا واليمن ولبنان والاردن، حيث اصبح الدارس اليمني في العراق يحصل على الدكتوراه بالاموال العراقية ان صدام كان بين الحين والاخر يبتكر امورا يذكر فيها العراقيين بفضله عليهم وهي امور من قبيل المظهريات والشكليات لااكثر، فقد كانت ميزانية عيد ميلاده وحدها تثيرا اللغط والاقاويل.. وغيرها وما كان يفعله في الحملات الانتخابية لعدد من احزاب اوربا بغية استمالتها الى جانبه، ومنها تمويله لحمله الفرنسي الشاذ (جان ماري لوبين) بمواجهة (صديقه) جاك شيراك.. ولك ان تتخيل مقدار كلفة تلك الحملة او حملة احد قادة الاحزاب في الدنمارك في الانتخابات.. واحزاب عربية كان يريد بها احداث فتن داخلية في بلدانها لاجل اختراق تلك البلدان وسحبها الى ساحة العراق.. وكانت تمول من نسبة كانت تقطع من عائدات النفط وهي الـ(5%) والتي كشفها واكدها الوزير السابق في عهدي البكر وصدام (هاشم جواد) وزير التخطيط الاسبق في مذكراته التي نشرها بعد سقوط النظام البائد، وبامكان القراء العودة اليه لمعرفة تفاصيل هذه النسبة.. وهي ليست اكذوبة، لانها في الحقيقة كانت رصيدا لتمويل تنظيمات (حزب البعث ونشاطاته التأمرية والاجرامية في خارج العراق ودول العالم، تحت اغطية واستر العمل الواجهي المعروفة).. فضلا عن انها رصيد غير منظور ومعلوم تحت امرة امين عام الحزب الفعلي صاحب الخزينة والاموال (صدام) وليس المفكر ورجل العقيدة والايديولوجيا.. فهذا منتهى الغرابة وغير خاف اهمية المال في استدراج الناس للغايات والمرامي المشبوهة، وبالتالي التجنيد والاستخدام لخدمة تطلعات وتوجهات اصحاب المال فماذا يكون حصاد كل سنوات الخراب هذه غير الخراب والديون واساليب الفتك والوحشية التي يعاني منها العراقيون حتى الان.
وبعد ماذا نقول امام هذا الحال الغريب وذلك الكم الهائل من الغرائبيات والعجائب هل يبقى شيء، اكيد هناك مما لم يكشف عنه الكثير، وقد تجاوزنا نحن ايضا بعض الاشياء، ربما لاننا لا نريد برغبتنا ان نصدق، ولكنها ليست غير قابلة للتصديق ومنها السجن الذي اكتشف تحت اللجنة الاولمبية، وكان سجن خاص للنساء، او لخليلات الطاغية الصغير، او لمن ابت اخلاقهن ودينهن من ان ينصعن عن لرغبة ذلك المهووس فكان مصيرهن وربما عدد من عوائلهن مصير واحد، سواء الموت السريع او الموت البطيء التعذيب والسجن.. وكذلك القسم الخاص بالنساء في الشعبة الخامسة حيث كان خاصا لنساء يلدن (اولادا وبناتا غير شرعيين) بعد معاشرتهن من قبل المارقين والمجرمين، وليكون اولئك الاولاد والبنات في ما بعد اولاد خاصين للدولة ولرئيس الدولة يستخدمون في اغراض شتى، ولا بأس ان اعطيت لهم مناصب في كبرهم فهم احق من غيرهم واكثر وفاء واخلاصا للطاغية، وهم افضل من ينفذ سياسات ورغبات رئيس النظام البشعة لانه ابوهم جميعا، انسجاما مع اهداف الحملة الايمانية التي اطلقها وجعلها غطاء تجميليا، وستارا حاجبا للاعمال المرعبة التي غدت من سمات نظامه وتخيل نفسك يكون مدير دائرتك او مسؤول منطقتك ابنا غير شرعي.. كيف سيكون الامر بالله عليك..وماذا ستصنع؟ كما وقد اجيبك بجواب متواضع ولا ادري هل توافقني عليه ام لا.. وهو اما الهروب خارج البلاد واختيار حياة المنافي! او الاستسلام والقبول بالامر الواقع ان صدام وكما يعرف الجميع قد غدر باقرب اصدقائه واقربائه، ولسنا بحجة الى ايراد الاسماء وكانت اساليبه متنوعة في القتل فاما قتل بالشاحنات او بالابر السامة، او بالمواد المشعة، كما فعل مع سعدون غيدان والسفير عبد الرحمن الكتل، او بتلفيق تهمة معينة كما في حال فاضل البراك فلماذا يستكثرون على القضاء العراقي محاكمة صدام ورموزه؟ اليس في ذلك تطهيرا لتاريخ العراق من اثام السلطة؟.

التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *