الرئيسية » مقالات » المتنبي والحاج ( الهِبش ) الحلي

المتنبي والحاج ( الهِبش ) الحلي

– 4 –

طرقَ المتنبي باب بيتي وكانت الساعة تمام الثانية عشرة ظهرا. فوجئتُ إذ وجدته جاء حاملا إكليلا من الورود وزجاجة نبيذ فرنسي أحمر. عاتبته على ما حمل فقال بدون إبطاء أَفَلَمْ تُعلّمني أنتَ، أنتَ أن أتخلق بأخلاق وأن أتعوّد عادات وتقاليد هذا البلد؟؟ قلتُ أجل ولكن… فقاطعني قائلا لا لكن ولا هُم يحزنون. لا تناقضْ نفسك يا رجل. فإما أن يلتزم كلانا بمادة محاضرتك القيّمة التي إخترقتني بالأمس في المقهى عرضا وطولا أو أن تسحبها وتعتذر وتعفيني من وجع الرأس هذا.
كان الرجل على صواب، فأنا الذي فتحت عينيه على ضرورة إحترام تقاليد البلد الذي نحن فيه وطلبتُ منه أن يتكيّفَ وأن يعتاد أو أن يعوّد نفسه على طبائع المكان الجديد وأحكام الزمن الجديد.
دخلنا غرفة الإستقبال وكانت القهوة فورية الذوبان جاهزة مع بضعة قطع من الفطائر والحلوى وشيء من الفاكهة. خلع كعادته سترته ووضع عن رأسه قبّعته التي أصبحتْ لا تفارق صلعة رأسه. جلس قبالتي وشرع يُجيل بصره في أنحاء الغرفة ثم سأل بنبرة من ينتظر أمرا ذا بال : ومتى سأستطيع أن أحصل على شقّة كشقتك هذه ؟؟؟ قلتُ ستحصل على أفضل منها لو إستطعتَ أن تجد لك عملا مناسبا في هذا البلد. قال وأي عمل يناسبني في هذا البلد وما يستطيع شاعر مثلي أن يعمل فيه وقد تجاوزتُ الخمسين من عمري ؟؟ لا أحد يفهم شعري ولا أنا قادر أن أكتب أشعاري بلغة هذا البلد الأمين
( قالها بلهجة ساخرة شديدة المرارة ). واصل حديثه قائلا : والزمن كما تعلم زمن قصيدة النثر التي عَلَتْ مسرح الشعر وإكتسحتْ ما عداها وأنا لا أجيد قول هذا الضرب من فنون الشعر. لا مكان لي تحت شمس هذه البلدان، لذا فإني، ولا غرابة، أجد الأبواب جميعا مقفلة أمامي. واحسرتاه على شبابي وعلى ما ضيّعتُ من فُرص ذهبية وعلى ما ضاع من السنين. خسرتُ كل شيء كل شيء في حياتي. كل شيء كل شيء، نعم.
تأثرتُ بأقوال صاحبي حتّى قد وجدتُ نفسي أُردد مع نفسي (( أتدري لماذا يُصبح الديكُ صائحا / يُردِّدُ لحنَ النوحِ في غُرّةِ الفجرِ // يقولُ لقد مرّتْ من العمرِ ليلةٌ / وها أنتَ لم تشعرْ بذاك ولم تدرِ )). ثم رفعتُ صوتي قليلا قائلا : أجلْ، شردّنا بنو أسدٍ فتفرقنا أيدي سبأ.

شرعنا نتناول قهوتنا مع كِسرٍ صغيرة من الفطائر المحشوّة بالجوز.لاحظتُ أنْ ليس لدى ضيفي رغبة قوية للأكل. سألته ما الخطب يا أبا الطيب ؟ لِمَ لا تأكل بشهوة ؟ هل تناولتَ صباح اليوم فطورا قويا ؟ قال كلاّ. لم يدخل ريقي بعدُ شيءٌ من طعام الدنيا. لا شيء. لا تقلقْ عليَّ. لا شيء البتة. كل ما في الأمر أني لم أنمْ الليلة الفائتة جيدا. ذلكم أمر عادي لا يُقلقني فقد طالما تعوّدتُ منذ زمن عليه. يأتيني النوم أحيانا فأنام نوم الأموات. ويهجرني أحيانا أخرى فأبيتُ أتقلّبُ على وسادي يَمنة ويسرة حتى خيوط الفجر الأولى. لا شيء يدعو للقلق يا عزيزي.(( قلتُ لنفسي في سرّي وأنا كذلك !! )).
علّقتُ قائلا ولكنْ كنا بالأمس قد أمضينا وقتا جدَّ ماتعٍ في مقهانا، ولم يزعجك أحد من عمّال أوعاملات المقهى. وكان الكلُّ في خدمتك وعلى أفضل ما تكون الخدمة، أليس كذلك ؟ قال بلى، ولكنَّ الحقَ أقولُ : كان ( الإمبراطور ) فوزي كريم سبب أَرَقي ومفارقة النوم. نعم، لقد أساء هذا الأديب إليَّ بغباء منقطع النظير وبالنيّة السيئة بل وبعيون مُفَتّحة ولا عيون الأفاعي. لو قرأ هذا الكاتب ديواني بروية الأديب الناقد وموضوعية الكاتب الباحث لكان غيّرَ الكثير من آرائه فيَّ. ولكان قد خفف من غُلوائه وتطرّفه وعجلته بل وتهوّره التي تتناقض أصلا مع موضوعية وشرف ورسالة الكاتب والكتابة. لقد نبح مح النابحين وعوى. ولقد بالغ في إهمال ظروفنا وطبيعة عصرنا وتقاليد زماننا وكتب عنّي كما لوكنتُ معاصر زمانه، واحدا من شعراء آواخر القرن العشرين. ما هذا الجهل والعمى وما تفسيرهما ؟؟؟
بلغ إنفعال الشاعر مداه القصوي حتى أنَّ كامل جسده كان يختضّ كسعفة نخلة داهمها إعصارٌ عاتٍ. قلت له وفناجين القهوة في أيدينا إذنْ قد قرأتَ ردودي عليه في مقالتي
( الملك العاري ) ؟ قال أجلْ، قرأتها بعناية وقرأتها لأكثر من مرّة حتّى كدتُ أن أحفظها عن ظهر قلب. أريد أن أقرأ كتابه أولا ثم سأحاول بمساعدتك الرد على تخرصاته وعمى عينيه وسهولة إنجراره وراء النابح والناعق ( القُصيمي ) … قصمَ الله ظهره ولعن سَلَف أسلافه. قلتُ فلنشرب المزيد من القهوة يا أبا الطيب. هوّنْ عليك. لقد قلتَ أنتَ يوما
(( على قَدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ / وتأتي على قَدْرِ الكرامِ المكارمُ ))… أليس كذلك ؟
لو لم تكنْ عالي الهمّة والمقام الأدبي والفني والشعري لما ناطح صخرتك هذا الكم الهائل من الشعراء والكتّاب والنقّاد طوال ما ينيف على أحد عشر قرنا من الزمن.
لم يُعلّقْ صاحبي على كلامي. بدل ذلك قام بتوجيه الحديث وجهة أخرى فقال أرى طعم قهوتك هذه مُختلفا عن طعم قهوة مقهانا فما السر ؟ قلتُ ما نشرب الآن في بيتي إنما هي قهوة سريعة الدوبان في الماء الحار. أما قهوة المقاهي فليست كذلك. قال وما خطبها ؟
قلتُ إنهم غالبا ما يُعدّونها من قهوة مسحوقة مطحونة جيدا يمزجونها مع الماء المغلي ثم يُصفّونها خلال مصفاة تماما كشأن المرحومات أُمهاتنا حين كُنَّ يطبخن الرز في بيوتنا. قال الآن فهمتُ سبب الفارق في المذاق. لا تؤاخذني على كثرة أسئلتي فأنا كما تعلم ما زلتُ في نظر البعض ( معيدي لندن ). أعترضتُ قائلا إنما أنتَ أكبر منزلة وأجلُّ مقاما من كل معدان لندن. هيهات أن تنجب لندن والعواصم الأوربية الأخرى شاعرا كأبي الطيب المتنبي مهما طال الزمن ومهما درس الدارسون وحاول المحاولون وأولَّ المؤوِّلون وتنطع المتنطعون. هيهات هيهات. دعهم يقولون ما يشاؤون ما دمنا في عالم يضمن حرية الرأي الآخر وحرية التعبير عن هذا الرأي الآخر بكل الوسائل المُتاحة. هم يتقولون وينتقدون ويفترون ونحن نناقش ونرد وننشر ردودنا في الصحف اليومية والمجلات الشهرية والفصلية المحترمة التي تصدر في لندن ودمشق ومدريد وباريس بل وحتى في أستراليا. فضلا عن صفحات البريد الألكتروني وما أكثرها. لا تهنْ عزيزي، إرفع رأسك عاليا وتأكدْ أننا سيظل هذا دأبنا وديدننا في أن نرد وننشر الردود والحقائق ونقارع الحجة بالحجة حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود وينتصر الحق وأهله أمام عيون الملأ وعندئذ سيخسأ الظالمون ويخرس الكتبة – الجهلة المفترون. لا يُضيرك عزيزي قول أديب دَعيٍّ أو آخر يجهل مكانتك وقدرك وعلوَّ شأنك ومقامك العالي بين الشعراء.
تَوَرَدتْ وجنتا الشاعر حماسا وتحديا فإنبرى قائلا بصوت يتهدج عاطفة وفتوّة :

أيَ محلٍ أرتقي
أيَ عظيمٍ أتقي

وكلُ ما قد خلق الل
هُ وما لم يخلُقِ

مُحتَقرٌ في همّتي
كشعرةٍ في مَضرطي

ضحكتُ كأني لم أضحك من قبلُ. ضحكتُ بشكل هيستيري حتى غصصتُ بقهوتي فنهض الرجل يُطبطب على ظهري طالبا مني أن أسعل بقوّة. رفضتُ الفكرة خوفا من وقوع أمرلا تُحمد عقباه…، وحين إستقامت أموري ثانية وتنفّستُ بشكل طبيعي تطلعتُ في وجه صاحبي فلم أتمالك نفسي. إستأنفتُ الضحك حتى أني فقدتُ إتزاني وسيطرتي على مزاجي. عندئذ شرع المتنبي هو الآخر يضحك ضحكا عاليا غير معروف عنه.
حين هدأتْ سَورةُ الضحك فينا وإستعدنا عافيتنا سأل بخبث مشوب ببعض الطيبة الفطرية عمّا جعلني أغرق في الضحك. قلتُ يا أبا الطيب، إني أعرفُ قراءة أخرى للبيت الثالث. قال أية قراءة تقصد ؟ قرأتُ (( مُحتَقَرٌ في همّتي كشعرةٍ في مَفرِقي )). قال قد كان ذلك حقّا أيام أنْ كان في الناس حياء ومرؤة ورجولة. أما اليوم يا أبا غائب فلعلك تتفق معي أنْ لم يبقَ شيء منها البتّة. لا فرق الآن عندي بين مفرقي وأجلّكم الله مضرطي. خوجة علي = مُلّة علي وعلى الإسلام السلام. ضاعت المقاييس وإختلطتْ القيم فلا فرق اليوم بين الأعالي والأسافل، وبين مداخل طعام الأنسان ومخارجه. فعلام الخجل في زمن ليس فيه من يخجل. وهل يُقيمُ وزنا للخجل والحياء رجل مثلي فقد كل شيء في الحياة ؟ فقد القدرة على إعالة النفس والعائلة. فقد الأهل والوطن. فقد التربة والدار. فقد ماء وجهه وفقد يده ولسانه فأضحى (( غريب الوجه واليد واللسان )). من يعرف فطّومة في سوق الغزل كما يقول أهل العراق ؟؟

منحته فُرصة لكي يرتاح قليلا وأنْ يُدخّن سيجارة أُخرى . بعد ذلك قلت له لعلمك أبا الطيب، إنَّ في معدان لندن العالم والصحافي والشاعر والكاتب والقصصي والروائي الناجح. وفيهم المهندس والطبيب والتاجر وكلهم يعملون بشرف وهمّة ويُكدّون ويكدحون بعلمهم وبأقلامهم وأفئدتهم ليلا ونهارا. يُعيلون أنفسهم وعوائلهم ويساعدون أهليهم في الوطن. وإنهم قبل وبعد ذلك يمثلّون بعض مفاخر بلدهم العراق الذي فارقوه مُكرَهين أو هاربين من عسف السلطة وبطش حكّامه الظَلَمة. وفي الحديث كما تعرف
(( إرحموا عزيز قوم ذل )). ثُمَّ إننا كلنا في الغربة يا عزيزي معدان لندن. لا فضل لبرليني أو باريسي على لندني أو أمستردامي إلاّ بدرجة الصمود الرجولي أمام المحنة وتبعات التغرب. ثم شق طريق العمل بشرف وإثبات الوجود بالقامات الشامخة والرؤوس العالية. ثم حصانة الحريم والذراري.
حين توقفتُ عن الكلام بادرني قائلا قد والله قلتَ كلاما مؤثرا لكني أجد حالي مُختلفا. يسخر منّي فوزي كريم وأضرابه وعليَّ أن أتحمل وعليَّ أن أصبر كما تفضلّتَ بالأمس في محاضرتك يا جناب أخينا. كانت لهجته ساخرة وواضح أنه ما كان مُقتنعا بما كنتُ أقول. لذا قلتُ مُشدِّدا وبلهجة حازمة تحمّلْ يا أبا الطيب. تحمّلْ. أفلمْ تقلْ أنت بلسانك وبشعرك :

وما عِشتُ مِن بعد الأحبّةِ سَلوة”
ولكنني للنائباتِ حَمولُ

قال بلى والله قد قلت.

إقتربت الساعة من الثانية بعد الظهر فسألتُ ضيفي أيفضّل أن نتناول طعام الغداء في بيتي أم أنه يُفضّل أن نتناوله معا في مطعم تركي قريب فيه دونر كباب ؟ فكرة صائبة، قال، بل فلنأكل الكباب. لم أذق كبابا جيدا مُذْ غادرتُ العراق.
في المطعم التركي علّقَ ضيفي حين رأى شيش الدونر كباب مُعلّقا يصطلي بنار الشواء قائلا : يُذكّرني هذا الترف الملوكي بشواء البوادي من الغزلان والمهاة الوحشية والضب وما ننحر من النوق. ثم يُذكّرني بهيئة كافور الأخشيدي. قلتُ وقد إخترنا مائدة في ركن خالٍ ما علاقة الخصيِّ الأسود كافور بهذا (( الغضب الملائكي )) الذي يتلظّى بسعير نار جهنم الحامية ؟؟ قال العلاقة وثقى. لقد وصفته كما وجدته تماما فقلتُ :

وقد ضلَّ قومٌ بأصنامهم
وأَمّا بزقِّ رياحٍ فلا

قلتُ وما وجه الشبه بين كافور وشيش الدونر كباب ؟ قال أُنظرْ إلى هذا الشيش، ألا يشبه زق اللبن والسمن والعسل ؟ منتفخ الوسط دقيق الأطراف. قلتُ كلا، لا أجدهما متشابهين. قال هذه هي مقاييسي ولكم على ما يبدو مقاييسكم الخاصة. لكم دينكم ولي ديني. تتكلمون عن التعددية وإختلاف الرأي، شيء جيد ومُذهل لكنَّ التعدد وإختلاف الرأي يقودان إلى إختلاف الذوق والتخيل والإستنتاج. إقبلني على علاّتي وكما أنا إن كنتَ تريدني أن أتقبلك على علاّتك.
الطريف أنَّ ضيفي لاحظ أن أصحاب المطعم التركي لا يتكلمون التركية مع زبائنهم، بل لغة البلد الذي نحن فيه. دُهِش وتحيّر وتردد قبل أن يسأل تفسيرا لذلك. سألته بدوري كيف عرف أنهم لا يتعاطون اللغة التركية. قال أعرف شيئا منها تعلمّته من بعض الخدم والجواري وسبايا أواسط آسيا. ثم علّمني الفيلسوف الفارابي بعض التركية التي كان يُجيدها يوم كنا معا في حلب. نصحته أن ينسى التركية وأن ينصرفَ إلى دراسة وإتقان لغة مقامه الجديد.

قفلنا بعد الغداء إلى بيتي راجعين. إقترح الشاعر أن يتمددَ للراحة قليلا وأن يتمتع بقيلولة أوربية قصيرة.
تركتُ الرجلَ ينام وحيدا لأعدَّ الشاي الذي إعتادَ أنْ يشربَ بعد الغداء.
بعد أقل من ساعةٍ نهض ضيفي ومضى يغسل وجهه فأردتُ مداعبته قائلا له هل تريد مشطا تعدِّلُ بع شعر رأسك ؟ تضاحك على مضض ومضى إلى الحمام يُدندن بعض أشعاره بلحن غريب شجيٍّ :

أُريدُ من زمني ذا أنْ يُبلِّغني
ما ليس يبلغه من نفسهِ الزمنُ

وبعفوية بالغة وجدتُ نفسي منخرطا في نوبة بكاء حادّة مرددا مع النشيج مقطعا لواحدة من أغاني عملاق المقام العراقي المرحوم محمد القبانجي :

علامَ الدهر شتتنا وَطرنا

غادر الشاعر الحمّامَ نشطا معافى يطفح بالبشر وجهه والتفاؤل فوجد الشاي وملاحقاته جاهزا. قال إنما قد بدّدَ الماء الساخن كل ما كان فيَّ من همٍّ وقلق. الآن أشعرُ بنوع من الراحة جديد عليّ. قلتُ ألمْ تألفْ في سالف الأزمان نعمة الماء الساخن والإستحمام اليومي ؟ قال بلى، قد كنتُ ولكن نمط حياتنا كان كما تعرف جدَّ مُختلف عن أنماط حياتكم هذه الأيام. ما كان لدينا ما تسمّونه بالتدفئة المركزية والماء الساخن الذي يأتيكم ليل نهار وعلى مدار الساعة دون أن تبذلوا فيه أي جهد. كنا نغتسل بالماء البارد حتى في أقسى أيام الشتاء برودة وما كنّا نرى في ذلك أية غضاضة. هكذا كانت حياتنا فلا تؤاخذني يا اْبنَ أُمّي. قلت لكن مع ذلك إتهمك البعض حديثا أنك كنتَ ضد النظافة والإستحمام لإنكَ قلتَ في بعض قصائدك المعروفة واصفا نساء مصر :

حُسنُ الحضارةِ مجلوبٌ بتطريةٍ
وفي البداوةِ حسنٌ غيرُ مجلوبِ

أفدي ظِباءَ فلاةٍ ما عَرَفنَ بها
مضغَ الكلامِ ولا صبغَ الحواجيبِ

ولا بَرَزنَ من الحمّامِ ماثلة”
أوراكهُنَّ صقيلاتِ العراقيبِ

قال والله قد قلتُ ذلك ولستُ أُراني نادما على ما قد قلتُ. على أنْ – إستأنف الكلام –
ليس في كلامي هذا ما يدلُّ على أني كنتُ ضد النظافة وضد الإستحمام. أيُّ غبي مُغَفلٍّ قال هذه الفرية عني ؟ بلى، أنا وبدون أي تحفّظ مع الجمال الفطري المطبوع. أنا يا سيدي ضد الحسن المصنوع بالمساحيق والدهونات والأصباغ ولا أُطيق تزجيج الحواجب وحف الشوارب والشعر المستعار. هذا من جهة الحسن الطبيعي والجمال المجبول. أما فيما يتعلق بالنظافة والإستحمام فما كنتُ يوما في حياتي الفانية أحضُّ على تركهما أو أن أكونَ مع القذارة، وخاصة قذارة النفوس …، غاية ما في الأمر أني كنتُ في هذا الشعر أنتقدُ ظاهرة أن ترتاد النساء العربيات المسلمات الحمّامات العمومية للإستحمام. أنت تعلمُ أنَّ في مصرَ واحدا من خيرة أنهار الدنيا : النيل، وماؤه عَذْب فرات جارِ. لِمَ إذنْ لا تستحم نساء مصر في بيوتهن ؟؟؟ ثم لِمَ التبرج في الأسواق بعد الخروج من الحمامات ؟؟؟ لِمَ لا تحتشم النساء فيُدنين من جلابيبهن حتى يسترن ما حرّمَ الله من عوراتهن ؟؟؟ كُنَّ إذا ما لبسن الجلابيب فإنها جلابيب قصيرة وضيّقة بحيث تبرز مفاتن المرأة بشكل يُحرّك في الرجال شياطين الغواية. لماذا تتعمّدُ المرأة أن تبرز عجيزتها وهي خارجة من حمام عمومي ؟؟ هذه هي المسألة التي أنتقدها بشدة وسخرية.
ثمَّ، لقد تفشى تناول الخمور ومظاهر التبرّج والخروج عن الأعراف والتقاليد المعروفة زمن حكم كافور الأخشيدي. لا غرابة، فإذا ما فسد الحاكم فسد المحكوم وكان هذا أشد ما يقلقني. أطلبُ من نُقّاد اليوم أن يفتحوا عيونهم واسعة وأن يحاولوا فهم الأموركما كانت وكما أَردناها لا كما يريدون وكما تسوّلُ لهم نفوسهم المريضة. ليتّقوا الله قليلا وليكونوا مُنصفين فيما يقولون. ما كنا نعرف البورنو والأيروتيكا وزواج الأمثال. لذا كنّا نستنكر ونستكثر على المرأة أن تكشف عن مفاتن جسدها من خلل ما ترتدي من أُزُر وملابس. لقد حرّمَ ذلك عليها ديننا.
قلتُ أَعتذر يا أبا الطيب، فقد جعلتك تنفعل وتفيض في الشروح التي أعرفها جيدا وأتفهّم الدوافع الدينية التي تقف وراءها. قال أحسنتَ، هذا هو المطلوب من كُتّاب اليوم ولاسيما شبابهم. مطلوب منهم أنْ لا يُخرجوننا من أطر زماننا ومن سياقاتنا التأريخية. لكل مقام مقال ولكل زمن أحكامه.
أكثرنا أثناء هذه المناقشات من شرب أقداح الشاي الثقيل والمُعطّر هيلا. لم يأكل المتنبي مع الشاي شيئا. كان على وجه العموم قليل الرغبة في الأكل.
كان الرجل بين جملة يقولها وأخرى يُطيل النظرَ في لوحة مُعلّقة على أحد جدران غرفة الإستقبال. أردتُ أن أعرف سبب إهتمامه بهذه اللوحة وما الذي يُثير فيه كل هذا الفضول. حدس – وكان هذا دأبه دواما – مرامي فبادر هو إلى السؤال عن صاحب هذه اللوحة الغريبة التكوين. أجبته إنها للفنان محمود صبري. قال لم أسمعْ بهذا الإسم قبلا في العراق. قلتُ ذلك لأنه غادر العراق منذ ما ينوف على الأربعين عاما. قبل ذلك كان الرجل معروفا في بلده وفي أوساط الرسّامين. سأل وأين قضّى كل هذا الزمن ؟ قلتُ قد أقام محمود صبري ردحا طويلا من الزمن – وما زال – في مدينة براغ الجيكية التي كانت يوما عاصمة لبلد مُحترم كان إسمه جيكوسلوفاكيا. قال وما حلَّ بهذا البلد الذي كان يوما بلدا محترما ؟ قلتُ قد إنشقَّ كما ينشقُّ القمر على نفسه فأصبح جيكو — سلوفاكيا. سرح الرجل ببصره بعيدا لكأنما كان يريد أن يقول شيئا غير تام الوضوح في رأسه. سمعته يُردد بصوت خفيض مع نفسه (( جينكو… جينكو… جينكو … )) إنتبهتُ فبادرت إلى إصلاح الأمر وتصحيح نطق الكلمة الغريبة على صاحبي. إنها يا أبا الطيب جيكو سلوفاكيا وليست (( جينكو )). جيكو شيء والجينكو شيء آخر. قال ساخرا لا فرق عندي بين الجيكو والجينكو، إنه فارق نقطة لا غير. جينكو… صفيح… تنك…، قلتُ صح، والجينكو مُشتق من معدن الزنك ( الخارصين ) وفي العراق نقول
( زنكوغراف ) إشتقاقا من الزنك. قال على أية حال، أمر الجيك والسلاف ليس ببالغ السوء، إثنان كانا واحدا. أفلم يقلْ صديقنا الحلاج (( إننا روحان حلاّ بَدَنا )) ؟؟ عكسوا ببساطة منطق شعر الحلاج فأضحى البدن موزّعا بين روحين. جسد حالٌّ في روحين. لماذا تُعقَّد أحيانا عليَّ بعض الأمور !! المسألة غاية في البساطة لكنَّ مصيبتك التي أصابتني بالعدوى أنك أُمرؤٌ مُعقّد. عقّدتك حياة التشرد والمنافي وما حلَّ في العراق من كوارث طبيعية وغير طبيعية. الأسوأ من هذا، قال، أن بعض البلدان الكبيرة والتي كانت بدورها جد محترمة قد تفككت وأصبحت شَذَرَ مذّر والعياذ بالله !!َ قلتُ لا تندهشْ أبا الطيب، قد أصبح هذا حال الجميع وإحدى سِمات العصر. لقد تفتتت البلدان وإنقسمتْ الشعوب وتشتتت وتشرذمت العوائل وإنفصم الرجال وإنقسموا على أنفسهم. لا تستغرب عزيزي إذا ما عرفتَ أنَّ رجلا يُقيم الآن في هذا البلد لكنَّ زوجه ما زالت في العراق. وأن أحد أبنائه في أُستراليا وإحدى بناته في كندا. أصبح هذا الأمر الشاذ قاعدة مألوفة جدا. خلافها هو الإستثناء. سمعتُ الرجلَ يُكلّمُ نفسه هامسا (( إذا زُلزلت الأرضُ زلزالها. وأخرجت الأرضُ أثقالها // القارعةُ. ما القارعةُ. وما أدراك ما القارعةُ. يوم يكون الناسُ كالفَرَاشِ المبثوثِ… )). عرفتُ على الفور أن صاحبي قد تأزّمَ وأنْ قد إنتابته حالة حزن وقلق وهم. قلتُ له هل نشرب قليلا من النبيذ الفرنساوي الأحمر الذي حملتَ لي ظُهر هذا اليوم ؟ أجاب كلاّ. دعني أتعايش مع هذا البلاء المقيم. لا أتهرب منه بتعاطي الكحول وباقي المُسكّرات. قد عوّدتُ النفس الأمّارةَ بالسوء أن أتقبلَ مذاق السموم الفتاكّة حتى قد أصبح رضابي سُمّا يقتل حتى الثعبان الأرقط. لهذا قلتُ يوما وما كنتُ مُبالغا في قولي :

يُحاذرني حتفي كأنيَ حتفُه
وتَنكُزُني الأفعى فيقتلُها سُمّي

قلتُ قد بالغتَ قليلا في قولك هذا يا أبا الطيب… ثخّنتها قليلا. قال قد عرفتموني كذلك مُبالغا في كل شيء… إقبلوا هذه الأخرى مني. لا ضيرَ في أن تتقبلوها كما تقبّلتم الكثير سواها من قبلُ. قلتُ قد ذكّرني بيتك الشعري هذا بالحاج الهِبِشْ. قال كالمُستَفَز ومن هو هذا الهِبِش ؟؟؟ قلتُ إنه رجل مشهور في مدينة الحلة مركز محافظة بابل. قال ما سبب شهرته، أكان رجل دولة أو قائدا عسكريا أو شاعرا مُفَلَقا أو ناقد أدب أو كاتبا صحافيا ؟؟؟ قلتُ لا هذا ولا ذاك، كان رجلا أُميّا بسيطا يقلع أسنان الفقراء مجّانا وليس لديه من الأدوية إلاّ لعابه إكسيرا. قال عجيب !! قلتُ إنتظرْ قليلا. وكان يأكل العقارب والأفاعي السامّة وغير السامّة. قال عجيب !! قلتُ إنتظرْ. وكان يمضغ ويزدرد الزجاج. قال لا أُصدّقُ ذلك. قلتُ رأيته بأم عيني يفعل ذلك، رأيته مرارا يفعل ذلك. وتعرف ذلك مدينتنا قلصيها ودانيها. نعم، يأكل أقداح الشاي الزجاجية بعد أن يشرب شاي المقهى. لذا قاطعته مقاهي المدينة وصارتْ حين يرتادها ترفض أن تقدم له ما يطلب من أقداح الشاي.
ما كان الرجل يصدّقُ ما كنتُ أقول. كان كمن يكلم نفسه حائرا متسائلا رافضا ما كان يسمع. يحرّكُ يديه ذات الشمال وذات اليمين مرددا ” لا حول ولا قوة إلا بالله “. صمتَ قليلا بعد أن إستسلم أو كاد لصحة ما سمع ثم بادرني بسؤال وجيه قائلا وكم كان يتقاضى هذا الهِبِش مقابل قلع السن الواحد أو الواحدة ؟؟ لا شيء. كان يفعل ذلك لوجه الله كما كان يقول. وكل زبائنه كانوا كما أخبرتك من فقراء المدينة. وإذا لم تصدقني إسأل الصديق الطبيب حسن الجباوي، أحد زبائنه أيام طفولته في مدينة الحلة. ثم إسأل الصديق الدكتور ممتاز كامل كريدي. فقد عاصراه وعرفاه وعرفا مناقبه جيدا. وهما مقيمان الآن حيث تقيمُ أنتَ في ألمانيا (( أحياء عند ربهم يرزقون )). قال سأتأكد من صحة ما تقول لدى هذين الصديقين. أُترك معي أرقام تلفوناتهما وعناوين سكنيهما. ظل المتنبي يردد ” لا حول ولا قوّةَ إلاّ بالله ” ثم عاد ليسأل وكيف كان يُدبر هذا الهِبِشُ أموره المعاشية ؟ من أصحاب الدور العامرة، أجبتُ. قال ماذا تقصد، أوضحْ. قلتُ كان يفرض على الأثرياء أجورا عالية مقابل إقتناص الأفاعي من دورهم وحدائقهم الغنّاء ومن بساتينهم فيفيد مرتين. يفيد مما يتقاضى من أجور مرتفعة، ثم مما يوفره صيد الأفاعي له من غذاء لذيذ متنوع الطعوم والمذاق. ظل المتنبي حائرا بين مُصدّقٍ ومُكذّب يُعالج أسئلة في رأسه كثيرة حتى خرج بسؤال قائلا وهل عُمِّرَ هذا الوحشُ … عفوا … هذا الهِبِشُ طويلا ؟ ألمْ يقتله صلٌّ أو سوداء أو مُجلّجلة رقطاء أو عربيد شرس ؟؟؟ قلتُ كلاّ. لقد مارس حين كَبُرَ قليلا مهنة جدَّ شريفة. قال بلهفة وما هي هذه المهنة الشريفة، وأي شرف يأتي من مثل هذا الوحش … عفوا … أردتُ أن أقول من هذا الهِبِش ؟؟ قلتُ أصبح الهِبِشُ قائدا يُسمّى في مدينتنا
( عكّاما” ) يُنظّم ويقود بعض قوافل الحجاج إلى بيت الله الحرام في المملكة العربية السعودية. لقد حجَّ الهبش بذلك عَشَراتِ المرّات لكنه، رغم ذلك، لم ينقطع عن ممارسة قلع الأسنان ولا عن صيد وأكل الأفاعي ولا عن مضغ وإزدراد الزجاج. علّق متضايقا : ولله في خلقه شؤون !!. لكنه عاد فقال متضاحكا وهل خفّضَ أجور ملاحقة وإصطياد الأفاعي بعد كل هذه الحجّات والحجج وأداء الكثير من المناسك والطواف ورمي الجَمَرات ؟ قلت كلا. لم يُجرِ أي تخفيض في تلكم الأجور. كان الرجل فيلسوفا ومصلحا إجتماعيا. ما كان يُحب الأثرياء ويقول عنهم إنهم بخلاء يُحبون المال حبا جمّا ويكنزون الذهب والفضة لذا، يقول الهبش، ما كان يتعقب ثعابينهم ويلقي عليها القبض مجانا لوجه الله. لديهم ما يدفعون. ثم إنَّ الأثرياء لا ربَّ لهم، ربُّهم مالهم وعجل الذهب الذي يعبدون. تلك بإختصار شديد كانت فلسفة الهِبِش.
قاربتْ الساعة السادسة عصرا فإقترحتُ على المتنبي أن نتمشى قليلا في بعض حدائق المدينة الغنّاء لكيما نشم هواء عليلا نقيا قد يساعدنا فيما بعد على أن ننام سريعا نوما رغيدا حسب نصائح الأطباء. فلقد أصبح النوم صعبا حينا ومُستعصيا في أغلب الأحيان. إستحسن الرجل الفكرة لكنه أضاف شرطا واحدا لقبولها : أن أدعه يمضي بعد التمشي إلى شقته وحيدا ولا أصحبه إلى حيث يريد. قلت له أقبل شروطك رغم قسوتها عليَّ، ذاك لأني لا أُريد أن أدعكَ تمضي وحيدا إلى منزلك بعد مغيب الشمس. قال على الفور :

ويومٍ كليلِ العاشقين كَمَنتُهُ
أُراقبُ فيهِ الشمسَ أيّانَ تَغرُبُ


تمشينا طويلا في أكبر وأجمل حدائق المدينة حتى أخذ التعب منا مأخذه. تهاوينا على إحدى المصاطب راغبين عن الكلام لا يستهوينا إلاّ الصمت والسكون. لكنْ من أين يأتي الصمتُ وتأتي السكينةُ في الحياة ؟؟ جاءتْ بعد حين عجوزان وإستأذنتا مشاركتنا مقعد الجلوس. رحبّنا بهما وأوسعنا لهما ما إستطعنا أنْ نوسع. ما كادتا أن تتخذا مجلسيهما حتى بدأتْ الثرثرة التي إتصلتْ دونما توقف. مدَّ المتنبي رجليه بعيدا وسرّحَ ناظريه في أرجاء المنتزه ( البارك ). لَمَحتُ غمامة أسى تُطيف بعينيه النرجسيتين لكنه لم يشأ أن يتكلم أو أن يتململ بالشكوى. كان واضحا أنَّ الرجل قد بَرِمَ بثرثرة العجوزين، سيَّما وقد كنا تعابى منهوكي القوى. سألني – ما كان يُطيق أن يحملَ ساعة في معصمه – كم الساعة الآن ؟ الثامنة مساء يا أبا الطيب. قال طيّبْ، سأمضي وحيدا إلى منزلي كما إتفقنا، وستمضي أنتَ وحيدا إلى شقّتك. ما كان مُعتادا أن يُقبّلَ أحدا من أصدقائه توديعا أو إستقبالا. ولا كان يسمح لأحد أن يُقبِّلَ وجنتيه في أيٍّ من هاتين المناسبتين. صافحني بحرارة على أن أزوره نهار غدٍ في بيته وأن نتناول طعام الغداء سوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *