الرئيسية » مقالات » بين سذاجة عبدالمهدي وذكاء الشيخ طنطاوي

بين سذاجة عبدالمهدي وذكاء الشيخ طنطاوي

أود أن أضم صوتي إلى السادة الكتاب الأفاضل، مالوم أبو رغيف وضياء الشكرجي والبغدادي وغيرهم ممن كتبوا عن “برمكة” الدكتور عادل عبدالمهدي، نائب رئيس جمهورية العراق في تبرعه لطلبة جامعة الأزهر. ولا أريد هنا تكرار ما قيل في هذا الخصوص، ولكن لدي بعض الملاحظات الإضافات وهي كما يلي:

أولاً، أن عادة التكرم بأموال الشعب ورثها الحكام الجدد من الحكام البعثيين الذين كانوا يعتبرون العراق وما فيه ومن فيه ملك شخصي لهم، ومن حقهم التصرف به كما يشاءون. فحتى عندما كانت حكومة البعث تقدم خدمة تعتبر من صميم واجباتها لمدينة عراقية، كانت تعدها (مكرمة من السيد رئيس الجمهورية). وعلى سبيل المثال، أتذكر عندما كنت طبيباً في فترة الخدمة في المناطق النائية في الفرات الأوسط أوائل السبعينات، كنت أتردد على مدينة النجف، ومما جلب انتباهي مرة مرور شاحنة لجمع القمامة مكتوب على جانبيها بخط كبير (مكرمة السيد رئيس الجمهورية لأهالي النجف). وهذه العادة (مكرمة السيد الرئيس) كانت موضع نقد شديد من قبل المعارضة آنذاك، ولكنهم مع الأسف تبنوا تلك العادة الذميمة عندما صاروا في الحكم ناسين الحكمة القائلة:
لا تنهي عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم

ثانياً، لا أحد يشك بوطنية وإخلاص الدكتور عبدالمهدي للعراق، فقد قضى الرجل عشرات السنين من عمره يتنقل من حزب سياسي إلى آخر، وبالتأكيد كان قصده من تلك الانتماءات خدمة الشعب والوطن، إلى أن استقر به المقام في مجلس الإسلامي الأعلى والذي من خلاله صار نائباً لرئيس الجمهورية في الدورة البرلمانية الحالية. ولكن ما تبرع به إلى طلبة جامعة الأزهر خلال زيارته الأخيرة إلى القاهرة، لم يكن موقفاً ولا يدل على حكمة، ولا على حرصه على أموال الشعب. إذ أفادت الأنباء أنه إثناء لقائه بشيخ الأزهر، الشيخ الدكتور سيد محمد طنطاوي، تبرع الدكتور عادل عبدالمهدي مبلغاً قدره 250 ألف دولار لطلبة جامعة الأزهر، وأن فضيلة الشيخ رفض هذا التبرع قائلاً له، أن الشعب العراقي الذي يتضور جوعاً ومحروم من الأمن والخدمات هو أولى بهذا المبلغ. هذا الموقف يكشف لنا ذكاء شيخ الأزهر وسرعة بديهته في أخذ القرار الصحيح والحاسم، وسذاجة السياسي العراقي نائب رئيس جمهوريتنا. وقد حقق فضيلة الشيخ برفضه لمكرمة السيد النائب هدفين: الأول أثبت ذكاءه وأنه أكثر حرصاً على أموال العراقيين من حكامهم، وثانياً، كانت صفعة مهينة للسيد عبدالمهدي حيث رفضت مكرمته بإعطائه درساً بليغاً في عدم التكرم بأموال الغير وأنه ليس من حقه الإفراط بأموال الشعب.

ثالثاً، ونقولها بأسف، متى يتعلم قادتنا الجدد الدروس البليغة من التاريخ ومن تجارب الغير. فهم وكإسلاميين، يكررون دائماً مقولات عن الإمام علي يؤكدون على زهده وحرصه الشديد على أموال المسلمين إلى حد أن انفض عنه حتى أقرب الناس إليه مثل أخيه عقيل وابن عمه عبدالله بن عباس وذهبا إلى معاوية نكاية بالإمام لأنه رفض تمييزهما على الغير في توزيع الأموال، وإصراره بعدم التفريط بأموال المسلمين في سبيل ترضيتهما.

رابعاً، ربما يرد البعض ممن يريد الدفاع عن الدكتور عبدالمهدي، أن ربع مليون دولار هو مبلغ زهيد لا يستحق كل هذه الضجة مقارنة بما يخسره الشعب العراقي من سرقات ثروته النفطية من قبل المهربين والمتعاونين معهم من بعض الأحزاب والمليشيات الإسلامية والتي تقدر بنحو تسعة مليارات دولار سنوياً حسب تصريح أحد رجال الحكم البارزين، إضافة إلى السرقات الأخرى بسبب تفشي الفساد الإداري. وردنا على ذلك أنها مسألة مبدأ وبالأخص من مسؤول حكومي ينتمي إلى حزب إسلامي المفترض به أن يطبق التعاليم الإسلامية، إذ لا يجوز التكرم بأموال الغير وخاصة أموال شعب محروم من ثرواته وفي جميع العهود.

خامساً، الدكتور عادل عبدالمهدي ومن اسمه معروف أنه شيعي، وتبرعه لمؤسسة دينية سنية ينظر إليه بعين الشك وأنه نوع من النفاق، فالشيعة في نظر الإسلام الوهابي مشركون وقتلهم واجب إلى أن يتحولوا إلى الإسلام السني السلفي الذي في نظر النظام السعودي هو الإسلام الصحيح. وجامع الأزهر منع نشر أي كتاب في مصر ينتقد المذهب الوهابي، كما ومنع معظم الكتب التي تروج للشيعة. وعليه فسلوك عبدالمهدي في التبرع إلى طلبة الأزهر ينظر إليه بالشك وعدم الإرتياح.

سادساً وأخيراً، الغرض من هذه الحملة في انتقاد الدكتور عادل عبدالمهدي هو حث المسؤولين العراقيين الآخرين في تعلم الدرس البليغ وتجنب سياسة صدام حسين في التفريط بأموال الشعب، وسياسة (مكرمة السيد الرئيس)، ففي دولة القانون، ليس من حق أي مسؤول فيها ومهما كانت مكانته، التبرع بأموال الشعب العراقي أو صرف فلس واحد منها إلا وفق القانون. فنحن نعيش في عهد حرية الإعلام والثورة المعلوماتية ومن حقنا نقد كل من يفرط بأموال الدولة ومهما كانت المبررات. نرجو من المسؤولين العراقيين أن يستفيدوا من هذا الدرس ويثبتوا حرصهم على أموال الشعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *