الرئيسية » مقالات » تداعيات..

تداعيات..

مع كل عام جديد من عمري، تتداعى الذكريات، وتنهمر العواطف والخواطر، يزاحم بعضها بعضا.
في أيلول من 2007 دخلت مرحلة الواحد والثمانين، دون أن أشعر بما يسرني عراقيا، أو يبهجني عائليا، سوى كون من بقي من الأهل والأقارب والأصدقاء لا يزالون على قيد الحياة، وسوى بصيص أمل في أن يسترد العراق عافيته، وسلامة أبنائه، وقدرته على السير إلى أمام في مسيرة البشرية الصاعدة.
بمناسبة كل عام جديد من العمر تعودت كتابة تداعيات الحدث، وقد تجمع عندي كثير منها، ونشر منها البعض.
في كل عام، تأتيني ذكريات الطفولة، والصبا، وأوائل الشباب، في بغداد التي عرفتها في تلك العهود، بغداد العهود الملكية، والعام الأول من ثورة 14 تموز، مع الوالدين، والجدة، والشقيقات، والأشقاء، وأولاد العم، والأصدقاء، وثم زملاء الكفاح بعد ذاك. معظمهم قد رحلوا عنا، ومنهم من ذهبوا شهداء.
لقد سجلت كثيرا من تلك الصفحات في كتابي “بغداد ذلك الزمان” الصادر سنة 1999، عندما كانت بغدادي التي عرفتها أرض التعايش والأخوة بين القوميات، والأديان، والمذاهب، برغم سياسات والإجراءات التمييزية لعدد من الحكومات.
لم تكن في بغداد أحياء مقفلة للشيعة أو السنة كما وصلت بنا الحالة اليوم، ولم يتردد مسلمون شيعة من زواج السنيات والعكس كذلك، ولم يكن محرما صداقة مسيحي، أو يهودي، أو صابئي، أو أيزيدي، بل كان أول رئيس لجامعة بغداد عبد الجبار عبد الله من الصائبة، وذلك في عهد الزعيم الراحل عبد الكريم. لم يكن الحجاب مفروضا على المرأة، بل كنا في الكلية نتعلم مع الطالبات سوية وجميعهن سافرات، ونقوم بالسفرات سوية دون أن تداهمنا بالقوة عصابات المتطرفين الإسلاميين من صدريين ومليشيات أخرى. كانت الفنون مزدهرة، وكان هناك العشرات من كبار الفنانين في مختلف الفروع، وشعراء مبدعون، ومفكرون بوزن علي الوردي. فماذا لدينا اليوم في العراق غير المحرمات: الموسيقى، الغناء، السفور، التفكير العلماني، لباس الرياضة، وعشرات من المحرمات الأخرى؟
في هذا العام تردني ذكريات شغفي بالموسيقى والأدب ، وسماعي المقطوعات الموسيقية الجميلة، والأغاني الزاخرة بالعاطفة، التي لا أزال أدندن بالكثير منها. إن الموسيقى عندي هي الفن الأكثر بقاء والأكثر تفجيرا للعواطف الجياشة، وكم تمنيت في حياتي لو كنت، بجانب الأدب السياسي، عازف كمان، أو عود، أو بيانو، أو أكورديون.
رحل الأحباب، والموت لا مرد له ولا مناص، ولكن هناك موتا وموتا، فبعض الوفيات خسارة للفكر، أو الموسيقى، أو الشعر، مثلا، وأخرى هي خسارة ولكنها مأساوية أيضا، وهذا ما يحدث اليوم في العراق .
إن الموت الطبيعي لعظيم من العظماء خسارة كبرى، ولكن أن يموت في حادث سيارة، أو بقنبلة قاتل إرهابي، أو غريبا بعيداً عن الأأهل وفي عزلة وضائقة، أو على أثر مرض كان يسهل علاجه لو كانت الظروف آمنة، والخدمات موجودة، فهذا موت مأساوي ويثير الحزن مقرونا بالغضب.
لقد رسم لنا الكاتب العراقي لؤي قاسم عباس في موقع [المجالس]، لسان حال [ المجلس العراقي للثقافة]، لوحة تعبيرية عن وفاة من النوع المأساوي وهو يرثي موسيقارا عراقيا نابغة، الراحل سلمان شكر، الذي مزج الموسيقى الشرقية بالغربية، وغاص في فرائد الموسيقى التراثية العربية القديمة.
يقول الكاتب عن هذا الموت المأساوي بسبب مرض كان يمكن علاجه:
” رسم لنا، [ أي الموسيقار الراحل]، بإحساسه المرهف لوحة تعبيرية عن [ الألم العراقي]، أظهر فيها الوطن وكأنه المنفى، والبيت كأنه السجن،”، وطن صارت فيه المواهب محرمة وكأنها جرائم وخطايا.
لقد زاملت في السجون عشرات من خيرة المناضلين الذين كان العديد منهم أصدقاء أعزاء. كانوا جميعا يؤمنون بمثل الخير وحب الشعب والكادحين، أتذكرهم اليوم واحدا فواحدا، من راحلين ومنهم شقيقي الأصغر لطيف الحاج، ومن أحياء. إنهم كانوا جزءا من حياتي ومن حياة العراق، حين كانت المثل نبيلة، والنوايا بريئة من كل هاجس مصلحي، أو عقدة طائفية أو دينية أو عرقية. ترى إلى أين وصلنا، وكيف صرنا!!
عام انقضى ولابد من اللحاق بمن سبقوا في هذه الرحلة الحتمية.
30 أيلول 2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *