الرئيسية » مقالات » هل العراق ولاية أم مستعمرة أمريكية يا مجلس الشيوخ الأمريكي؟

هل العراق ولاية أم مستعمرة أمريكية يا مجلس الشيوخ الأمريكي؟

أصدر مجلس الشيوخ الأمريكي يوم أمس قراراً عجيباً وغريباً واستفزازياً لمشاعر كل العراقيات والعراقيين , قراراً يتناقض مع القانون الدولي ومع كون العراق عضواً في الجمعية العامة للأمم المتحدة وتسري عليه اللوائح المقرة دولياً في هذه الهيئة الدولية , قراراً يتقاطع كلية مع الحديث عن القرار الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي الذي أنهى بموجبه الاحتلال الدولي للعراق واعتبار العراق دولة تتمتع بالاستقلال والسيادة الوطنية و كما اعتبر وجود القوات الأمريكية والبريطانية وغيرها من القوات الأجنبية في العراق مقترنة بموافقة الحكومة العراقية وبطلب منها , ويفترض فيها أن تنسحب من العراق متى طلبت الحكومة العراقية منها ذلك.
إذا كان هذا القرار صحيحاً ونافذ المفعول , وإذا كان العراق دولة ذات استقلال وسيادة وطنية , فأي حق يتمتع به مجلس الشيوخ الأمريكي ليصدر قراراً يوافق فيه على تقسيم العراق؟ هل يريد مجلس الشيوخ الأمريكي أن يشدد من الصراع الداخلي , الذي بدأ لتوه يخف نسبياً , ويعمق المشكلة القائمة ويدفع بقوى جديدة إلى معارضة الوضع الجديد والتصدي للحكومة ؟ هل يريد بهذا مواصلة وجود القوات الأمريكية في العراق , أم أنه يريد أن يفتح جيباً لإيران في جنوب العراق لكي يدعي باستمرار وجود تهديد من جانب إيران لمنطقة الخليج من خلال جنوب العراق أيضاً ؟ هل يريد أن يعمق ويكرس الصراع الطائفي السياسي في العراق من خلال خلق فيدرالية شيعية وأخرى سنية لكي يبقى العراق متصارعاً عاجزاً عن تحقيق الأمن والاستقرار , ولكي تبقى القوات الأمريكية أطول فترة ممكنة في العراق؟ يبدو لي أن هذا المجلس لا زال يفكر بطريقة بذهنية استعمارية التي ترى في الولايات المتحدة إمبراطورية القرن الحادي والعشرين وأن من حقها ليس التحكم بالاقتصاد والعلوم والتقنيات والقوة العسكرية حسب , بل ومن حقها التحكم بمصائر الدول ورسم ما تريد لها من هياكل إدارية تتناقض مع مصالح شعوب العراق والمنطقة. إن قرار مجلس الشيوخ الأمريكي يثير مشكلات إضافية للعراق من جانب الدول العربية , رغم الموقف الصائب من جانب البيت الأبيض الذي رفض هذا القرار على وفق ما نقلته وكالات الأنباء العالمية. ولكن طرح مثل هذا المشروع على التصويت في مجلس الشيوخ الأمريكي يعطينا حقيقة مشاعر هذا المجلس إزاء العراق باعتباره ولاية أو مستعمرة تابعة له , وهو ما يفترض أن نرفضه بشكل قاطع , وهو في القوت نفسه استفزاز لمشاعر الناس , إذ ليس هناك من تدخل فظ جديد في العراق أسوأ وأكثر فظاظة من هذا التدخل القادم من مجلس الشيوخ الأمريكي.
دعونا نرتب الأمور وتوضيح الأمر. يتكون العراق من قوميتين كبيرتين هما القومية العربية والقومية الكردية , إضافة إلى التركمان والكلدان والآشوريين. والعراق مكون من الجزء العربي والجزء الكردستاني من حيث الأرض. وقد اضطر حتى النظام البعثي السابق على الاعتراف بذلك حين أقر قيام حكم ذاتي في إقليم كُردستان العراق. والذي لم يتحقق دون نضال عنيد وصبور من جانب الشعب الكردي ودعم قوى الحرية والديمقراطية العربية وغيرها في العراق له في هذا النضال العادل. وقد عمد النظام ألصدامي إلى ممارسة شتى أساليب الخديعة والتآمر ومحاولات الاغتيال للالتفاف على قانون الحكم الذاتي وتفريعه نصاً وروحاً وممارسة من محتواه على امتداد فترة وجود الحكم الذاتي بصيغ مشوهة. وقد طور الشعب الكردي هذا الاتجاه بإقامة الفيدرالية الكردستانية ضمن إطار الجمهورية العراقية. لقد أقر هذا الموقف الشعب الكردي عبر البرلمان الكردستاني , في حين كان في مقدوره الانفصال عن العراق في ظل النظام الدكتاتوري السابق , حين أقر مبدأ الفيدرالية في العام1992, إذ لم تكن فكرة الانفصال واردة رغم ما قام به النظام الدموي السابق , بما في ذلك جرائم حلبچة والأنفال. وقد وافق الشعب العراقي على هذا القرار الكردستاني السليم والواقعي , وبالتالي فالعراق يمكن أن تنشأ فيه فيدراليتان , فيدرالية كُردستانية تضم إليها المحافظات الكردستانية , وفيدرالية عربية تضم إليها المحافظات العربية بغض النظر عن الدين أو المذهب , فالقسم العربي من العراق يتكون من عرب , بغض النظر عن الدين والمذهب , وسواء أكانوا من العرب السنة أو العرب الشيعة أو أتباع الديانة الصابئة المندائية العرب , وقوميات أخرى. كما ينظم الدستور طبيعة العلاقة بين الحكومة المركزية في بغداد وبين الفيدراليتين. ولا يمكن أن نفهم في إطار المرحلة الراهنة أي توزيع إداري أخر في العراق في المرحلة الراهنة. ولا شك فأن من الواجب أن تتمتع المحافظات , سواء من جانب المركز أو الفيدراليتين , باللامركزية الإدارية.
أن من واجب العراقيات والعراقيين , واجب الأحزاب والقوى السياسية العراقية , واجب المنظمات المهنية وغير الحكومية , واجب الحكومة العراقية ومجلس النواب والهيئات الدستورية , واجب الجميع , أن يحتجوا بشدة على قرار مجلس الشيوخ باعتباره تدخلاً فظاً في الشأن العراقي الداخلي وفي هيكله الإداري , بغض النظر عن مواقفنا المتفقة أو المختلفة بشأن الفيدراليات , إذ ليست هذه المسألة من صلاحياته وهو ليس مخولاً أن يتحدث باسم الشعب العراقي ولا أن يفرض على الشعب العراقي ما ينبغي له أن يمارسه. وإذا وافقنا على مثل هذا القرار فيمكن أن يصدر هذا المجلس غداً قراراً آخر يقضي بجعل حقول النفط في العراق ملكاً للولايات المتحدة أو خصخصتها بالكامل مثلاً , أو حين تسوء العلاقات بين قيادة الشعب الكردي والولايات المتحدة عندها يصدر هذا المجلس قراراً بإلغاء الفيدرالية الكردستانية أو إلغاء وجود الدولة العراقية وجعلها ولاية تابعة للولايات المتحدة , فهل سنخضع لمثل هذه القرارات الطائشة , كما في قرار تقسيم العراق إلى ثلاث فيدراليات؟ طبعاً كلا , ولهذا علينا أن نذكر مجلس الشيوخ الأمريكي بأن مرحلة الاستعمار قد ولت ولن يقبل الشعب العراقي بعودته إلى العراق عبر صدور مثل هذه القرارات. وأن من واجب الشعب ومن صلاحياته أن يقرر الصيغة المناسبة لهيكله الإداري. إن الهيئات الدستورية في الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تذكرنا باستمرار بأنهم لم يأتوا إلى العراق محررين بل فاتحين ومحتلين , وإلا لما كان من حقهم أنم يصروا قرارات لا شأن لهم بها , بل هي من صلاحيات العراق وشعبه والقوميات فيه فقط.
28/9/2007 كاظم حبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *