الرئيسية » مقالات » في الذكرى السنوية الثالثة لمؤتمر (الأقباط متحدون)

في الذكرى السنوية الثالثة لمؤتمر (الأقباط متحدون)

تمر هذه الأيام الذكرى السنوية الثالثة لعقد أول مؤتمر لأقباط مصر في الخارج للتعبير عن مظلوميتهم، والبدء في العمل الجاد والمثابر لرفع هذه المظلومية عنهم. فالظلم هو الصفة المميزة التي تشترك بها جميع مكونات شعوب المنطقة العربية، سواءً كانت هذه المكونات من الأكثرية أو الأقلية، ولكن، وكما بينت في مداخلة سابقة، أن الظلم على درجات متفاوتة، فحصة الأقليات هي مضاعفة، وحصة المرأة هي ضعف حصة الرجل في كل من هذه المكونات، لأن هذه الأقليات والمرأة لا تعاني من ظلم الحكومات المستبدة فحسب شأنها شأن الأكثرية، بل وتعاني أيضاً من ظلم الاستبداد الاجتماعي والذي لا يقل بشاعة عن الاستبداد الحكومي الرسمي.

ومظالم الاستبداد الاجتماعي نتجت من بعض شرائح الأكثرية ضد الأقليات الدينية والمذهبية، بدأت في المجتمعات العربية مع بدء تسييس الإسلام، وتحديداً تأسيس حزب “الأخوان المسلمون” في مصر في العشرينات من القرن العشرين، ومن ثم ظهور فروع له في البلدان العربية الأخرى. والجدير بالذكر أن آيديولوجية الأخوان المسلمين، هي عبارة عن تبني العقيدة الوهابية التي ترعاها المملكة العربية السعودية، والتي تؤكد على تكفير غير المسلمين، وحتى المسلمين الذين لا يدينون بالعقيدة الوهابية، إذ في نظر هؤلاء أن من لا يتفق معهم فقتلهم مباح، وهي عقيدة تنظيمات الإرهاب الإسلامي مثل القاعدة وطالبان وغيرهما. لذلك نرى أن تسييس الإسلام رافقه بث روح التفرقة بين مكونات الشعب الواحد، ونشر الكراهية والعداء ضد أتباع الديانات الأخرى، وبالتالي تبني العنف إزاء الآخر المختلف. ومن هنا بدأت محنة الأقباط في مصر التي كانت معروفة بروح التسامح والتآخي بين مكونات شعبها.

ونظراً لمصادرة الحريات السياسية في البلدان العربية ومنها مصر، فلم تستطع هذه الأقليات التعبير عن مظلومياتها في الداخل، لذلك ونتيجة للمظالم والمضايقات على الأقباط، هاجر عدد كبير منهم إلى الخارج وخاصة إلى الدول الغربية الديمقراطية، أوربا وأمريكا الشمالية. ومن هذه البلدان استطاعت طلائع الأقباط تنظيم أنفسها من أجل لم الشمل والعمل على رفع الظلم عن أخوتهم في الداخل. وكان من ثمار هذا النضال ولادة منظمة (الأقباط متحدون) بمبادرة الباش مهندس عدلي أبادير يوسف، الذي كرس حياته وأمواله لقضية أبناء قومه العادلة ومساعدتهم في التخلص من الظلم، حيث عقد المؤتمر الدولي الأول بزيورخ للأقباط خلال الأيام 23 – 25 /9/2004، كبداية خيِّرة للدفاع عن الحقوق في المواطنة الحقيقة في وطنهم مصر.. ومن هذا المؤتمر انطلقت النشاطات الأخرى والتي راحت تكبر مع الزمن ككرة الثلج.

هناك نفر ممَنْ أصيبوا بعدوى أفكار الأخوان المسلمين، ينكرون أصلاً وجود أي مظالم ضد الأقباط. وكالعادة، يدعي هؤلاء أن هذه الشكاوى هي بدفع من “الحركات الصهيونية-الصليبية الحاقدة” على أمة الإسلام، هدفها محاربة الإسلام والمسلمين. طبعاً ليس صعباً على الأخوة الأقباط دحر مثل هذه الادعاءات الباطلة وردها إلى نحور دعاة بالباطل. ففي جميع المؤتمرات التي نظمتها منظمة (الأقباط متحدون) حرصت أن يكون حضور المثقفين المسلمين المتنورين فيها أكثر من حضور المسيحيين. وهذا ما شاهدته ولمسته بنفسي كشاهد عيان، حيث تشرفت بحضور المؤتمر الثاني في واشنطن عام 2005، والمؤتمر الثالث في زيورخ هذا العام 2007، ومساهماتي المتواضعة فيهما. إذ وكما قال راعي منظمة (الأقباط متحدون) المهندس عدلي أبادير يوسف في لقاء تلفزيوني مؤخراً أن هذه المؤتمرات “… عُقدت بشأن كل أقليات الشرق الأوسط وليس الأقباط فقط .”

وهذا الموقف من قيادة الأقباط يدل على النضج الفكري لحركة الأقباط المصريين، وأنها بعيدة كل البعد عن أية نظرة عنصرية أو دينية أو طائفية ضيقة، إذ لم تحصر المنظمة نشاطها في الدفاع عن القضية القبطية فحسب، بل وربطتها ربطاً عضوياً بمظلومية جميع الأقليات في البلدان العربية، من المحيط إلى الخليج. ومنظمة (الأقباط متحدون) وحدها تحملت النفقات الباهظة لجميع المؤتمرات التي عقدت برعايتها وبدعم راعيها السيد عدلي أبادير يوسف. ففي هذه المؤتمرات دعي لها ممثلون من جميع الأقليات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن مختلف الانتماءات القومية والدينية والمذهبية، حيث طرح ممثلو هذه المكونات مظلومياتهم بمنتهى الحرية والشفافية دون أي قيد.

كذلك أدركت قيادة (الأقباط متحدون) أن السبب الأساسي لمحنتهم هو غياب الديمقراطية، لذلك كان التركيز في جميع هذه المؤتمرات على الديمقراطية، إذ أدرك الجميع أنه لا حل لمحنة الأقليات إلا بتبني حق المواطنة الحقيقية والذي بدوره لا يمكن تحقيقه إلا بتبني الديمقراطية الليبرالية، وهذه لا يمكن قيامها إلا في ظل العلمانية أي فصل الدين عن السياسة وفق مبدأ (الدين لله والوطن للجميع). وهذا يؤكد لنا بدون أي شك أن دفاع الأقباط ليس عن حقوقهم فحسب، بل وعن حقوق جميع الأقليات وحتى الأكثرية من أبناء هذه المنطقة، أي بتحقيق الديمقراطية الليبرالية وبناء دولة القانون والمواطنة.

ومن هنا نرى أن قيادة (الأقباط متحدون) وبسبب نضجهم السياسي والفكري وإدراكهم العميق بالمشاكل السياسية والاجتماعية في بلدان المنطقة، ونظرتهم الإنسانية الخالية من أية نزعة عنصرية أو دينية أو طائفية، صاروا الطليعة في قيادة النضال من أجل تحقيق الحقوق، ليس للأقباط فحسب، بل ولجميع مكونات الشعوب، الأقلية والأكثرية، في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. بل راحوا إلى أبعد من ذلك، ففي المؤتمر الثالث الأخير الذي عقد في زيورخ، أضيفت المرأة إلى الأقليات، لأن نصيبها من الظلم مضاعف، حيث تمخض هذا المؤتمر عن ولادة: منظمة الدفاع عن حقوق الأقليات والمرأة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (ميموا MEMWA).

فتحية لجميع النشطاء العاملين في منظمة (الأقباط متحدون) بمناسبة الذكرى السنوية الثالثة لعقد مؤتمرهم الأول، وعلى رأسهم الصديق العزيز الباش مهندس عدلي أبادير يوسف الذي نتمنى له طول العمر والصحة والعافية، وتحية لكافة الأخوة المناضلين من جميع المكونات المتحالفة لشعوب المنطقة من المثقفين الأحرار الذين عقدوا العزم على النضال من أجل القضاء على الظلم وجميع أشكال التمييز، وإقامة مجتمع العدل ودولة المواطنة وحكم القانون، وبناء نظام ديمقراطي ليبرالي علماني صحيح، ينعم فيه الجميع بالخير والسلام والرفاه والمشاركة العادلة في الوطن، وإلغاء جميع أشكال التمييز، العنصري والديني والطائفي. فإلى الأمام.
ـــــــــــــــــــــ
مقالات أخرى للكاتب:
http://www.sotaliraq.com/Dr-Abdulkhaliq-Hussein.html


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *