الرئيسية » مقالات » المتنبي على فضائية كوكب المريخ

المتنبي على فضائية كوكب المريخ

–  3  –


 

هل أبو الطيب معي؟ نعم معك. أتاني الجواب مكتوباً بالخط الكوفي. كم الساعة لديكم الآن؟ منتصف النهار، الثانية عشرة زوالية. هل تصلّون صلاة الظُهر؟ أوقاتنا وصلواتنا تختلف جوهرياً عن أوقاتكم وصلواتكم. ماذا تقصد؟ لا نحتاجُ ماءً للتوضؤ ولا رملاً للتيمم. الزمن متصل في عالمنا وصلاتنا روحية نمارسها بالإنتواء وليس بالركوع والسجود والقيام. نمارسها متى شئنا خارج حدود التقسيم والنقويم الزماني. زماننا غير قابل للقسمة ولا يمكن تجزئته. زمانكم يتأثر بقوة الجذب الأرضي تماماً كما يتأثر البحرُ مدّاً وجزراً بالقمر. زماننا خارج نطاق قوى التجاذب والتنافر. إنه الزمن المحايد، الزمن الأصيل غير الملوّث. إنه عجلة تدور بإتجاهين متعاكسين، أي إنني أستطيع أنْ أحيا في لحظة واحدة الأمس واليوم والغد معاً. تتجمع الأزمان فيَّ مركزاً لمثلث متساوي الأضلاع. أركبُ أي ضلع شئتُ ومتى شئتُ وكيف شئتُ. فمن هو، تُرى، سيد أزمانه، أنا أم أنتم أبناء الهاوية؟
قلتُ لصاحبي كلامك هذا ذكّرني ببعض أشعارالمرحوم عبد الوهاب البياتي يوم قال (( وزورق الأبد، مضى غداً وعاد بعد غد )). قال بالضبط. تلتقي الأطرافُ المتباينة في عالمنا وتذوب المتناقضات بلغة أهل السوريال والسوريالية. يلتقي الزمن الماضي مع الزمن الآتي في نقطة تسمونها أنتم الزمن الحاضر. الحاضر نقطة تتأرجح بين الماضي والقادم، وطريق ذو ممرين.
قلتُ لصاحبي هذه السفسطة الكلامية أكبرُ من قابلياتي وأوسع من جميع ما تبقّى في رأسي من ملَكات عقلية بعد النَكَد والعلّة وخراب البصرة وبغداد. قال لا تلومنَّ نفسك. ضع اللومَ على عاتق قوة الجذب الأرضي ( تذكّرتُ معلم الإبتدائية الذي كان غالباً ما يسهو ويُسرّح بصره عبر باب الصف في الفراغ وبين الفينة والفينة يصرخ: ( مغناطيس ) !! نعم، قال صاحبي، لُمْ قوة الجذب الأرضي فإنها هي العلّة ومنها المعلول وهي أصل بلواكم بني البشر. (( ومن خفّتْ موازينه فأُمهُ هاوية )). موازينكم بني البشر خفيفة وأُمكم الأرض مترنحة متأرجحة مُنسدحة مفلطحة ثم هاوية. تُغريكم بمعادنها وكريم أحجارها، بنخيلها وأعنابها ورمّانها وتينها وزيتونها وفومها وبقلها وعدسها وقُثائها ثم تهوون فيها وتحتها أمواتا (( ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر)). نحن – واصل صاحبي كلامه – لا نموت لذا لا نحتاج إلى أرض ندفن أجسادنا فيها أو تحت ترابها وأوزاننا، ثُمَّ، ثقيلة. الذهب معدننا وشيء من عنصر اليورانيوم 235 والبلوتونيوم 239 وبعض الزرنيخ. سألته لماذا اليورانيوم والبلوتونيوم وهما عنصران ثقيلان خطران. قال ربما نحتاج إليهما لتصنيع أنواع متطورة من القنابل الذرية. من يدري… فقد يهاجمنا البشرُ أبناء الهاوية سيما وسفنهم تجوب الفضاء ليلا ً ونهارا ً. المريخ مثلا كوكب قريب من الأرض ، وعليه فإنه هدفٌ سهل يرنو إليه العلماء بعد أن وطأت نعالهم أرض القمر وجلبوا معهم شيئاً من ترابه وصخوره وفضحوا أسراره دون إستشارته أوأخذ موافقته. وجدوه كوكباً ميتاً لا ماءَ فيه ولا هواء. رملُ في رمل في رمل ولا شيء غير ذلك. سألته وماذا عن الزرنيخ السام والقاتل؟ قال على الفور: ندفع به شرور المريخ!
قلْ لي، سألته، وأنت تتكلم بحماس عن الكواكب والنجوم، في أي برج ولدتك أُمك؟
قال في برج السقوف الطائرة. ضحكت وقلتُ لعلك تقصد الصحون الطائرة. قال بل السقوف الطائرة. طيب، واصلتُ كلامي، ما رأيك بآخر فضيحة يتخبط فيها البيت الأبيض الأمريكي والتي لها علاقة وثقى بغزو العراق ( عفواً… أردتُ أن أقول تحرير العراق )؟ قال تقصدُ فضح زوجة السفير الأمريكي السابق جوزيف ولسون
Joseph Wilson ؟ قلتُ أجلْ. قال إنهم قوم لا خَلاقَ لهم. إختلف ولسون مع المستر بوش حول صحة مبررات الحرب على العراق ففضحوه. قوم لا أخلاق لهم. فضح الأمريكان سفيرهم لكن المستر توني بلير البريطاني الجنسية قتل العالِم وخبير الأسلحة البايولوجية ديفيد كيلي David Kelly لأنه فضح تورط الحكومة البريطانية في الحرب دون مبرر قانوني أو أخلاقي أو حتى ورقة توت أو تين من الشرعية الدولية لستر العورة. يُفضحُ الرجلُ الشريف هناك خلف الأطلسي ويُقتل العالم النزيه في لندن. قلتُ له بل قد إنتحر الرجل، قطع شريان يده اليسرى! إنتفض المتنبي غاضباً وإتسعت عيناه فملأتا شاشة الكومبيوتر بالشرر المتطاير ثم قال: لماذا ينتحر العالم؟ لماذا؟ ثُم، تذكّرْ، أمضى شارون وقتذاك ثلاثة أيام في لندن وما أن غادرها إلى النرويج حتى أُشيع خبر إنتحار الرجل في حديقة أو متنزه أو غاب قريب من بيته. لا تنسَ، قال، قتل الحكّامُ سقراط بالسم لأنه تجاسر وخالفهم عَلَناً في الفكر والإجتهاد والأحكام. وأحرق حكّامُ أمريكا عالمَ الفيزياء الذرية روزنبرغ وزوجه بالكرسي الكهربائي ( وسيلة أكثر إنسانية للقتل: شواء فائق السرعة! ) لأنه إختلف معهم في أهداف وتطبيقات منجزات العلم وفي الإجتهاد السياسي.
سألته أفلمْ يحاول خصومك وهم كثرة دس السم في طعامك، كافور الإخشيدي مثلا؟ قال لا أتهم الرجلَ. صحيح إنه ضيّق عليَّ الخِناق وفرض عليَّ إقامة جبرية قاتلة شبيهة بالحصار المفروض اليوم على السيد ياسر عرفات. تحمّلَ عرفات هذا الحبس والحصار بصبر وشجاعة لكني لم أُطقْ مثله صبراً ولم أتحملْ جُذام العزلة. أهدافنا مختلفة وأعصابنا مختلفة. ثم إنه رجل سياسي وأنا لست كذلك. فبعد أن جرّبتُ السجن والتشرد والإفلاس طلّقتُ السياسة طلاقا بائناً وإكتفيتُ أن أكونَ شاعراً، مجرد شاعر أذمُّ وأمدح فأقبض. لا أشتراكياً ولا قرمطياً ولا نبياً ولا هم يحزنون. ماذا أفدتُ من القرمطية وإدعاء النبوة غير إكلان (…)؟ قلتُ له ما دام الأمر كذلك أفيك إستعداد للتنازل قليلا من عليائك وقبول العمل في بعض الصحف الصادرة اليوم في بغداد ( أكثر من مائة صحيفة ومجلة … بغداد صارت شام صلي عالنبي ) محرراً مشاركاً أو مديراً أو رئيساً للتحرير كجلال الماشطة وإسماعيل زاير أو آياد علاّوي مثلاً؟ ردَّ على الفور وبأعلى صوته فظهرت الكتابة بحروف سودٍ على شاشة الكومبيوتر كبيرة بشكل لم أألفه من قبلُ. رد المتنبي بالحرف والصوت والصورة قائلا: أجل، فكرة جيدة، قد أعملُ رئيساً لتحرير صحيفة خاصة بي. صحيفة مفتوحة للأقلام المُعارضة والمدافعين عن حقوق الإنسان العراقي المظلوم والمغبون أبداً. سيقوم هؤلاء المعارضون والمظلومون بتمويلها وتحريرها معي. لن نقبل دعماً مالياً من ” الجهات الأخرى ” التي تعرفون. لا من قوات التحالف ولا من حكومات الخليج. ستكون صحيفة عامة لا مكان فيها لبدعة الخصخصة التي بات يروج لها بعض الوزراء المستوردين والمشبوهين وأنصاف الأميين. أي عراق يبنيه هذا الرهط المستورد بزجاجات الكولا الأمريكية وبين لفّات هامبرغر مكدونالد؟ سيكتبُ في صحيفتي الطالب والعامل والفلاح والجندي والشرطي وربّات البيوت والمتقاعدون المحرومون من حقوقهم التقاعدية ثم العراقيون الذين ما زالوا خارج العراق مشردين مشتتين في شتى أرجاء المعمورة ممن لم تشملهم أعطيات وبركات بوش وبلير لأنهم فضلوا البقاء مُحلّقين خارج السرب المستورد في أثير السماء اللازوردية النقية . قلتُ له وهل ستسمح لرجال من عيار أبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر والحلاّج بالكتابة في صحيفتك؟ قال هؤلاء هم قومي وأهلي ونوّاب رئيس التحرير. زدتُ القول فسألته وهل ستسمح لمن يعارض خطك الفكري أو السياسي، كالحجاج بن يوسف الثقفي مثلاً، بالكتابة على صفحات جريدتك؟ قال نعم، بكل تأكيد. ستكون صحيفتي مفتوحة للجميع دونما أي إستثناء. المعارضة هي المعارضة تماماً كالريح الودودة أو النفحة الزكية الرخية سواء جاءت من الشمال أم اليمين. مثل هذه النفحات ضرورية للسفن الجواري التي تمخر عُباب البحار وتسري في الأنهار. وهي ضرورية لإدارة عجلات مطاحن الحبوب ثم لتلقيح طلع النخيل ( أشرف الشجر ) وسواه من الأزهار ولا سيّما تلك التي يتغذى عليها نحل العسل. علّقتُ قائلاً أتفقُ معك أنَّ الريح ضرورية إنْ جاءت رهواً رخيةً، لكنها تدمّر إنْ طغتْ وعتت وتجبرت وطال مكثها. قال أوافقك على ذلك دونما تحفظ.
على ذكر الصحافة والأقلام المعارضة قلتُ لصاحبي إنَّ الكاتب المعروف محمد حسنين هيكل كتب مقالتين في جريدة الأهرام القاهرية نُشرتا يومي الثلاثين من شهرأيلول ( سبتمبر) والأول من شهر أُكتوبر (تشرين الأول) من عامنا هذا (2003) أعلن فيهما تقاعده وإعتزاله عالم الكتابة بعد أن بلغ الثمانين من العمر (أرذل العمر). علّق المتنبي قائلاً ما أصاب السيد هيكل في قراره هذا، المفروض أن يواصل جهاده كاتباً وأن يواصل الكتابة مجاهداً حتى آخر لحظة في حياته. الكتابة عملية تنفس طبيعي والكاتب الذي لا يكتب يختنق. قلتُ له أُوافقك تماماً ثم سألته رأيه في هيكل فقال كان الرجلُ كاتباً أبدع في الكتابة الصحفية أسلوباً متميزاً خاصاً به وأوجد في عالم اللغة العربية منطقاً لم يسبقه إليه أحدٌ. لقد أضاف إلى موهبته اللغوية الفطرية والصحافية الخاصة منطقَ وأسلوبَ كتابة كلٍ من طه حسين ونجيب محفوظ. فالأول مفكّر ومؤرخ وأديب والثاني روائي ومفكر سياسي- إجتماعي. ثم لا تنسَ ثقافته الإنجليزية ومعرفته الدقيقة لطبيعة اللغة الإنجليزية وصلاته الشخصية الواسعة داخل وخارج مصر. قلتُ لكنَّ بعض الناس ينتقد هيكل أنه كان يوماً ناصري الهوى. قال كان ذاك خطه السياسي وقناعته العقائدية أعلنها سافرةً واضحةً على رؤوس الإشهاد ولم يمارس العهر والنفاق والتقلّب السياسي الذي نشهد في هذه الأيام. ظلَّ الرجلُ وفياً لقناعاته ولناصر وظلَّ عصياً على مطاوعة من خلف ناصراً من رؤساء في مصر كما هو معلوم للجميع.إعتزلَ حين حوصر وسكتَ لكنه لم يمارس حين يُضطرُ للكلام أسلوبَ ومنطقَ التقية والتورية والمجاز. ثم، أضاف المتنبي، سبحان من لا يُخطيء وسبحان من يسلم من الزلل وهفوات اللسان ومطبات وإغراءات الأهواء وهي لعمري كثيرة. الصواب هوالتركيز على الكثير الجيد في الرجال والذي يأتي منهم، وغض الطرف عن القليل الرديء فيهم. الحكم على مُحصّلة الحاصل وعلى ناتج الجمع ما بين الزائد والناقص. هذه هي سُنّة الحياة السليمة المعافاة وناموس الطبيعة وقوانينها الصارمة. ليس الإنسان قالباً متوازي المستطيلات من حجر البازلت خرَّ شهاباً أو نيزكاً من السماء. الإنسان فكر وفعلٌ وحركة دائبة ودائمة التغير ودائمة التشكل فعلاً وردَ فعلٍ، تكيفاً وتأقلماً، تمدداً إلى الخارج وإنكماشاً إلى الداخل، هموداً وإنفجاراً. هذه هي الحياة والإنسان إبنٌ لها وجزءٌ منها.
كان التعبُ واضحاً على محيّا أبي الطيب. أقفلَ جهازه وغابت صورته عني دون أن يودعني. تذكّرتُ شعره (( وفارقتُ الحبيبَ بلا وداعِ )).
هممتُ بدوري أن أقفلَ أجهزتي أطلَّ عليَّ المتنبي مُشرق القسمات صبوح الوجه. إعتذرَ عن الغياب القصير المفاجيء بأنه سمع صوتاً يخاطبه على جهاز التلفون
Answer Phone . قال إنه لم يُجبْ وإنه قد أرجأ الجواب حتى الفروغ من حلقة لقاء اليوم. قال إنَّ النداء جاءه من الآنسة كوكب الزهرة( فينوس Venus ). كوكب أم كوكبة الزهرة ما دامت آنستنا أُنثى؟ لقد وقعت هذه الآنسة في غرام الشاعر المفلس حتى إنها لا تترك مناسبة تمر دون أن تفتعل الأسباب (( كم جئتُ ليلى لأسبابٍ ملفّقةٍ…/ أحمد شوقي: أوبريت مجنون ليلى )) لمخاطبته أو دعوته على العشاء أو زيارته للإطئنان على صحته وإن كان معافى. الآنسة تحبُ الشعراء، هذا هو طبعها فما ذنبها ومن يجرؤ أن يخالف طبعه؟ هل أحيل المسألة برمتها إلى الصديق المترجم وعاشق لندن ؟ هل لديه وقت لمعالجة هذا الموضوع؟
لا مفرَّ من مضايقات الزهرة ولا سبيل للوقوع في غرامها فالمتنبي مشغول بهمومه الكثيرة الخاصة وهموم العراق وهموم البشرية جمعاء. وإنه منقسمٌ نصفين: نصفٌ عائم في السماء ونصفٌ يمشي على سطح الكوكب الأرضي. مثل جلجامش السومري . كلاّ. كان ثلثا جلجامش من طبيعة الآلهة والثلث الباقي من طينة وطبيعة البشر، من صلصال من حمأ مسنون. مَن الأفضلُ إذا ً ، جلجامش أم المتنبي؟ متساويان في القسمة: كلاهما باحث عن الخلود السرمدي على الأرض وفي السماوات العُلى. هنا التناقض الأعظم ، إذ كيف الجمع بين الأرض والسماء؟ كيف الجمع بين ما هو بشري أرضي وما هو إلهي سماوي؟
دخل فايروس فجأةً على الشبكة فشوّشَ إتصالي بصاحبي المتنبي وبدأ بالقول والكتابة: الدين، نعم، الدين من ينقلُ البشرَ بسرعة الفوتونات الضوئية من الأرض إلى آخر السماوات. سألته وهل هناك محطات توقف للتزود بالوقود والطعام وقضاء بعض الحاجات البشرية الضرورية التي لا مُناص في السفر الطويل منها؟ قال نعم ، هناك محطة واحدة على السماء الأولى تقع،مجازاً، في منتصف المسافة بين نقطة “طريبيل” الحدودية والعاصمة بغداد. لا تنسَ، أضاف الفايروس، أنَّ الفوتونات الضوئية لا تحتاج إلى وقود الديزل أو البنزين الخالي من الرصاص أو الفحم الحجري. إنها وبسرعتها الضوئية الفائقة تُحطّم جزيئات بخار الماء وتحرق هايدروجينه بأوكسجينه وقوداً مجاناً نظيفاً لا يترك دُخاناً ولا يلوّثُ السماوات. قلتُ إنَّ من شأن ذلك أن يُقللَ بخار الماء في الأجواء العليا ومن ثُمَّ يقل المطر المتساقط على أرضنا. قال كلا، لا تخفْ ، أنت لا تفهم فيزياء وكيمياء الطبيعة. الأوكسجين والهايدروجين(الحارق والمحروق) يتحدان بعد الإحتراق مكونين جزيئات بخارالماء ثانيةً وكأن شيئاً لم يكنْ. إنها دورة كاملة لا خسران فيها ولا ضياع.
علّقتُ بصوت جدَّ خفيض: يعود رأس المال إلى أهله!


01.10.03
الأربعاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *