الرئيسية » مقالات » في الذكرى الثالثة والعشرين لإستشهاد الدكتور ابو ظفر (الجزء الثاني)

في الذكرى الثالثة والعشرين لإستشهاد الدكتور ابو ظفر (الجزء الثاني)

ابا ظفر يا من كنت مثالا ملهما في العطاء الإنساني والمهني … عشت منغمرا في هموم شعبك ووطنك و ملتصقا بحزبك .. غبت عنا جسدا لكنك ستبقى نبعا صافيا ، نجما لا ينطفئ …خالدا في قلوبنا على مر السنين .. لسوف تعيش في اولئك الذين يحلمون بقرنفلة حمراء وشمس ذهبية وتمر عراقي … و ها هم رفاقك واصدقائك يستذكرون .



صداقة لم تفقد تألقها
الدكتور : محمد علي البياتي

ما اكثر الذكريات التي تندفع الى مخيلتي حين اتذكر اخي وصديقي ورفيقي في مرحلة الدراسة في كلية الطب في بغداد . كنت اناديه ” بشيشي ” لأن هناك في مجموعتنا من يحمل اسم محمد . ما ان تعرفت عليه وجدت فيه ما لم اجده عند الكثيرين ممن اعرفهم . فقد كان متواضعا ، صادقا ومهذبا في تعامله مع الآخرين ويحترم الجميع . كان مرحا وعلى الدوام يفيض حيوية. ورغم اننا من بيئتين مختلفتين ( السماوة وبغداد ) لكنّا كنا منسجمين وافكارنا متقاربة ولنا اهتمامات مشتركة ، ولا اذكر أن خلافا حصل بيننا حتى وإن كان صغيرا ليباعد بيننا طيلة سنوات الدراسة في الكلية وهذا نادر في العلاقات خاصة و كنا نمر في ظروف واوضاع سياسية متغيرة . فقد كنت احسد نفسي لهذه العلاقة النزيهة وكنت احلم بتطويرها في المستقبل لخمة الشعب لكن القدر لم يمهلني .


كان ابو ظفر مجتهدا ومثابرا في دراسته وقد اجتاز دراسته في الطب بتفوق وكان يفوقني في الدرجات احيانا . كنا لا نحب االمغامرات أو التطرف في تصرفاتنا كما كان يفعل بعض الشباب من جيلنا ، فلا اذكر اننا تغيبنا عن محاضرة أو مختبر حتى وإن كان مملأ وكنا نحرص على المشاركة في فعاليات الكلية التي تخص الدراسة. لم نشترك في الفعاليات الرياضية أو المهرجانات في الكلية ، لكنا كنا نحضرها . وفي كل خميس ، يوم راحتنا من المذاكرة اليومية ، اعتدنا على تناول العشاء سوية في شارع السعدون وبعدها نرتاد السينما في الدور الثاني .كثيرا ما كان يحدثني عن عائلته التي تنتمي الى شعلان أبو الجون مفجر ثورة العشرين في السماوة والرميثة ويفتخر بوالده كبطل من ابطال هذه الثورة وقد حمل وسامها في إحدى عينيه .وكان يحدثني دائما عن الحب وعلاقته مع بلقيس يوم كانا طالبين في الثانوية قائلأ : ” لو ابحث في كل العراق فلا اجد الأنسانة التي تحبني وتفهمني وتخلص لي اكثر منها ، فهي حبي الأول وستبقى حبيبتي ووجودي .” وفعلأ تكللت هذه العلاقة الفريدة في علاقات الحب الشريف بزواج سعيد .وجاءت ظفر ويسار وكانا إمتدادا لحب لاينتهي .

كثيرا ما كنا نخوض نقاشات حول الأوضاع السياسية في العراق والقضية الكردية وحقوق الأكراد القومية حتى بعض الزملاء ظنوا إني كردي ولقب البياتي لا ينفي ذلك ، وحدثني عن ” قطار الموت ” يوم نقل الشيوعيون الى نقرة السلمان في العربات الحديدية في شهر تموز وكيف وصل الخبر لأهالي السماوة الذين هرعوا الى محطة القطار وهم يحملون الماء والطعام لنجدتهم ، وكيف أن الجراح العسكري رافد صبحي اديب، الذي كان من ضمن الموقوفين ، اوصاهم بشرب العرق الخارج من اجسادهم ليخففوا من الجفاف ونقص الأملاح . وبعد أن عمل ابوظفر طبيبا في معمل السمنت في السماوة ، كان يحدثني عن العمال وكيف كان يتعرض للمضايقات بسبب موقفه من قضياهم ، لكنه ورغم علاقتنا المتينة ، لم يفصح لي عن انتمائه السياسي ، ايكون اخفاه عني لكوني منحدر من الطبقة البرجوازية الصغيرة وقد يأخذوني بجريرته ام إني لم ادرك ذلك .لقد حزنت جدا عندما اخبرني احد ابناء اخته بخبر استشهاده ووقتها لم اصدق الخبر وظننت انه يخفي عني هويته أو مكانه خاصة وإني دائما أسأل عنه وابحث عن وسيلة توصلني اليه .وبعد سقوط النظام ، استطعت عن طريق ابن اخته أن اتواصل مع زوجة اخي ابو ظفر والتي اكّدت لي نبأ استشهاده الذي وقع عليّ كالصاعقة .

لازلت افتخر امام اهلي واصدقائي بعلاقتي بهذا الإنسان الرائع واعتبر هذه العلاقة علامة كبيرة في حياتي غبت يا ابا ظفر عني جسدا لكنك تبقى في قلبي وذاكرتي رمزا للأخوة والصداقة الحقيقية .


ابو ظفر نبع من العطاء والتضحية
ابو زاهر

ابو ظفر في الذاكرة ابدا … الإنسان الذي لا يمكن ان ننسى مواقفه البطولية وشجاعته ، تواضعه وبساطته ، انسانيته وحبه لزوجته وعائلته ….لازلت اتذكر الحزن العميق يوم استشهد الرفيق ابو سرمد على يديه وكيف اجهش بالبكاء حين عرف ان اصابته قاتلة . كيف انسى القرى وهي تستقبل مفرزتنا ،والدكتور ابو ظفر من افرادها ، بفرح بالغ وكيف ترتسم الفرحة على وجوه الفلاحين وهو يعالج عوائلهم وكان يبقى لساعات متأخرة في معالجة المرضى بحيث ينسى نفسه ليتناول العشاء .

في يوم من ايام الخريف كنا في استراحة قبالة قرية بليجان ويفصل بيننا والقرية نهر الخابور ، جائني الدكتور ابو ظفر والأبتسامة والضحكة لا تفارقه وقال لي : ” رفيق ما رأيك أن نعبر النهر لأقوم بمعالجة اطفال مرضى في الجانب الآخر من النهر ؟ “واجبته : ” رفيق الجو بارد والنهر عميق .” وردّ علي والدعابة التي هي من سماته قائلأ :” احنة كدها . ” وفعلأ عبرنا النهر وقام بمعالجة المرضى في القرية ويستطيع المرءأن يرى علامات الرضى واضحة على وجهه بعد أن يقدم خدمة للآخرين . إنسان متمكن من مهنته كطبيب ويستطيغ أن يشخص حالة المريض إن كانت عضوية ام نفسية ويعطي العلاج المناسب. وحين كنا نتخفى في النهار خوفا من الطيران ، كنا نستغل الوقت بعقد ندوات ثقافية وترفيهية وكالعادة تضفي نكاته هو وابو نهران وابو برافدا جوا من المرح بين الرفاق في تلك الظروف الصعبة لأن النكتة والطرب لها تأثير على الحالة النفسية في ظروفنا القاهرة .

غبت يا ابا ظفر عنا جسدا لكنك باق في قلوبنا وذاكرتنا وننتظر اليوم الذي نستطيع ان نزين العراق بأسمائكم وبطولاتكم وتضحياتكم . أنتم تاريخنا فكيف لنا أن ننكر هذا التاريخ ؟!


المجد لك ايها المناضل البطل والمجد لكل الشهداء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *