الرئيسية » مقالات » لن تنجح الديمقراطية في العراق بمعزل عن دولة القانون والسلم الأهلي

لن تنجح الديمقراطية في العراق بمعزل عن دولة القانون والسلم الأهلي

قضية الديمقراطية والسلم الأهلي

أقول بصراحة أن العراقيين لن يفلحوا، ولن ينجحوا في قضية الديمقراطية في عراق إتحادي أو غير إتحادي بمعزل عن دولة القانون والسلم الأهلي. لن يكون هناك سلام في مجتمع الإرهاب والطائفية والقومجية، طالما ينعدم الحد الأدنى من الأتفاق بين أبناء الشعب العراقي.

يجب الإتفاق على قاعدة تفاهم مشتركة بين جميع الأطياف العراقية القومية والدينية الديمقراطية كحد أدنى في نقطة الارتكاز الأساسية وهي الوطنية الحقيقية. هذا شرط لا مساومة عليه للحفاظ على الكرامة العراقية، وكل ماعدا الكرامة الوطنية شوائب تتفرع من الانعزالية والطائفية والشوفينية والمذهبية والمصالح الشخصية والعشائرية والتناحرات الإيديولوجية. المنافسة السياسية مقبولة ولكن على أسس ديمقراطية سلمية فقط وليس على اسس قبلية أو طائفية أو مذهبية. فإذا استوعب العراقيون هذه المعادلة فإنهم يستطيعون ممارسة العملية الديمقراطية والتفنن بحرية في اللعبة الديمقراطية، بفسح المجال أمام بعض القوى الوطنية الديقراطية التي تعتبر اليوم خارج المعادلة كالقوى اليسارية التقدمية والأقليات الدينية والقومية بسبب المحاصصة الطائفية والقومية، إذا أرادوا التقدم إلى الأمام للمساهمة في الممارسة الديمقراطية.

هل الجهل السياسي لبعض القادة الذين يحكمون العراق اليوم هو سبب البلاء؟ لا إنهم ليسوا جهلاء، لكنهم متقوقعون في دائرة الطائفية والمذهبية والحزبية والقبلية الضيقة من عرب وكرد على السواء، ولا يعملون جديا بأي حل ديمقراطي سلمي، ويعتقدون أن الحل يكمن في الخطط الأمنية في ظل ديمقراطية كاريكاتيرية لن تجد سبيلا لتحقيق الديمقراطية الحقيقية في العراق بعيدا عن السلام.
العملية الديمقراطية في العراق، في كل تاريخ العراق، لاتخلو من مشاكل. الأغلبية تحكم، والاقلية من قومية أو دينية تجد نفسها على طول الخط خارج اللعبة السياسية، وإن كانت في البرلمان. والأغلبية تتجاهل مطالب الأقلية تحت مظلة الديمقراطية أو الوطنية المصطنعة، والأقلية تلجأ إلى ممارسة العنف بحثا عن حقوقها الديمقراطية.


لاديمقراطية بدون دولة القانون

لانجد دولة ديمقراطية ليبرالية بدون أن تكون في إطار دولة القانون في الممارسة العملية. وأنا لا أعني هنا وجود الدستور والقوانين الوضعية أو الدينية وموادها القانونية ومبادئها الدستورية التي تتحدث عن الديمقراطية والحريات العامة والحريات الفردية وحقوق الإنسان على الورق، لأن هذه الشكليات الصورية موجودة في قوانين ودساتير غالبية الدول، إنما أعني أن تكون الدولة، إن أرادت أن تكون ديمقراطية في المحك العملي، دولة القانون. السؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو : ما هي شروط دولة القانون؟

شروط دولة القانون؟
يشير الباحثان السويديان (ماتسون وأولوف بيترشون) في دراستهما القَيمة بعنوان:
Makten over politikens spelreglar, 2004
إلى ضرورة توفر ثلاثة شروط أساسية في الدولة الديمقراطية لكي تكون دولة القانون، وهذه الشروط هي:
1. يجب أن يتمتع مواطنو الدولة بالحقوق الأساسية والحريات العامة، وأن يكونوا متساوين أمام القانون.
2. يجب ممارسة السلطة الرسمية بشكل يتوفر شرط ضمان تطبيق القانون وحكم القانون (وليس حكم الفرد أو الطائفة أو المذهب أو المحاصصة).
3. يجب أن تنظم السلطة طبقا لمبدأ تقسيم السلطات والفصل بينها، ومشاركة قوى الشعب فيها. (من قوى الأغلبية وقوى الأقلية، وليس حرمان الأقلية من المساهمة في السلطة، طالما أن الديمقراطية هي سيادة الشعب، وليس سيادة الحزب أو الفرد أو الطائفة أو المذهب أو العشيرة أو العرق).


الفيدرالية بمعزل عن الديمقراطية والسلم الأهلي ليست حلا للقضايا العراقية

ليست الفيدرالية بمعزل عن الديمقراطية الناجحة والسلم الأهلي في العراق ضمان للفسيفساء العراقي من عرب وكرد واقليات قومية ودينية لبناء دولة ديمقراطية إتحادية برلمانية تعددية لكل العراقيين على قدم المساواة أمام القانون بمعزل عن العرق والدين والمذهب والطائفة. ومن هنا أقول أن الفيدرالية التي أعتبرها في عراق اليوم أكذوبة بمعزل عن الديمقراطية والسلم الأهلي ودولة القانون ليست الحل للمجتمع العراقي ككل.


لايمكن فهم إشكالية الديمقراطية والفيدرالية بمعزل عن السلم الأهلي. وهنا أقتبس بعض المفاهيم من الباحث السياسي (ليونس) في كتابه:
Transforming the Institutions of War: Postconflict elections and the
reconstruction of failed states, in, Rotberg, 1., When States Fail: Causes and
Consequences, Princeton 2004, 293/94.

يؤكد (ليونس) بضرورة وجود أجندة مشتركة لنزع سلاح الأطراف المتحاربة، (وليست أجندة فردية لوقف إطلاق النار)، ليست أجندة فردية كالتي بين الكرد والشيعة في أغلبية برلمانية وعزل القوى الوطنية كالقوى اليسارية وقوى الأقليات القومية والدينية والقوى الديمقراطية المعارضة عن المعادلة الديمقراطية العراقية. الأجندة المشتركة، شرط أساسي لبناء دولة المؤسسات الديمقراطية المترابطة بعضها ببعض، وليست منعزلة ومتصارعة مع بعضها البعض. ويؤكد (ليونس) أيضا على بناء جسور في إطار ديناميكي داخلي بين الأحزاب. والأهم من كل ذلك تحول السلطة تدريجيا من العسكر إلى المجتمع المدني.

الأجندة المشتركة شرط أساسي لبناء عراق ديمقراطي مستقر

أود أن استخدم مصطلح الثنائيات والثلاثيات والرباعيات وووو العرقية والطائفية بدلا عن مصطلح الائتلافات المبنية على المحاصصة في عراق اليوم. إن ما يحدث من تفاهمات شكلية ومؤقتة بين جانبين أو أكثر ليست إئتلافات بالمفهوم الديمقراطي، لأن الائتلافات مبنية على المصلحة العامة لجميع شرائح المجتمع، (طبقا لمفاهيم الأطراف المؤتلفة). أما هذه الثنائيات والثلاثيات والرباعيات وووو العراقية فمبنية على المصالح العرقية والمذهبية التي تولد مزيدا من العنف. إذن لابد من التأكيد على الأجندة المشتركة، وأقول مرة أخرى الأجندة المشتركة، ومرة ثالثة الأجندة المشتركة، شرط أساسي لبناء عراق ديمقراطي. والديمقراطية الناجعة شكل من اشكال حل الأزمات سلميا مثل حالة البوسنة. وفي حالة الحرب الأهلية أو ما تشبه الحرب الأهلية، فإنها تقضي على الديمقراطية مثل حالة لبنان في سنين الحرب الأهلية، ولا زالت لبنان تئن من الجراح والتفرقة والتشرزم رغم انتهاء تلك الحرب الأهلية التي دامت بين أعوام 1975-1990.

ممارسة الديمقراطية في المجتمع المدني توحد الشعب، ولكن هذه الممارسة فشلت في العراق، وستفشل أكثر مع الأيام لأن العراق ليس دولة القانون، ولأن العراق بعيد عن السلم الأهلي، ولأن اكذوبة الفيدرالية ليست فيدرالية بمعزل عن الديمقراطية ودولة القانون. العراق بكل أجزائه غارق في الفساد المالي والإداري. إذن لايمكن أن تكون هناك ديمقراطية يتيمة في حالة العراق اليوم، لفقدان السلم وسلطة القانون.

الديمقراطية والسلم توأمان لاينفصلان في دولة القانون. والديمقراطية والسلم يسيران بخطين متلازمين لمحاربة الفساد المالي والإداري ومحاربة الإرهاب، ولن يتحقق ذلك بمعزل عن وحدة المجتمع الديمقراطي وسلطة القانون.

الأخوة الفيلية والأقليات الدينية الأيزيدية والمندائية والكلدو آشورية

قضية الديمقراطية في العراق بمعزل عن دولة القانون والسلم الأهلي جعلت الأخوة الفيلية والأقليات الدينية غير المسلمة من أيزيدية ومندائية وكلدو آشورية أكثر القوى العراقية حرمانا من حقوقهم، في ظل دستور يُقال أنه أكثر دساتير العالم العربي ديمقراطية. ماشاء الله. ديمقراطية “جمهورية العراق الإتحادي” المزعومة بمعزل عن تطبيق مباديء الدستور لم تجد حلا لإضطهاد هذه الشرائح العراقية المظلومة. فالأخوة الفيلية كانوا رأس رمح الحركة الكردية والنضال العراقي، أصبحوا اليوم خارج السلطة. إن ما يتعرض له الأخوة الفيلية من ظلم واستغلال واضطهاد لايمكن قبوله من أي مواطن شريف. فبعد أن ضحوا بالغالي والنفيس، وشردوا وأُبعدوا عن وطنهم إلى إيران، وهم ينتظرون الفرج، أصبحوا مرة أخرى غرباء في وطنهم بعد سقوط حكم الطاغية المقبور صدام حسين. وجاء أناس ليقبضوا على السلطة وكأنهم متفقون بعدم إزالة الغبن عن هؤلاء الأخوة. وهنا أعني العرب والكرد على السواء في عموم العراق بما فيه أقليم كردستان. أما ألاقليات الدينية المذكورة من أيزيدية ومندائية وكلدو آشورية فقد تعرضوا للقتل والتصفيات الجسدية، وما رأيناه من عمليات إرهابية بقتل المئات منهم في عقر دارهم، ولاسيما الأيزيديين في مدينة سنجار الجريحة لطخة عار في جبين الحكام الذين أهملوا مناطقهم. هذا الواقع يعطينا الدليل القاطع مدى اضطهاد العراقيين بكل أطيافهم، ولاسيما الأقليات الدينية في ظل الديمقراطية الفيدرالية المزعومة التي فشلت بتحقيق السلم الأهلي وبناء دولة القانون بسبب انعدام الأجندة المشتركة في المجتمع، مما يفسح المجال للأرهاب.


خطوات من أجل السلم الأهلي

يجب تجريد سلاح الميليشيات بغض النظر عن الهوية الدينية والعرقية والاجتماعية من عرب وكرد وأقليات، والعمل على إعادة تنظيم الجيش على أسس وطنية والولاء للدولة وليس للحزب أو المذهب أو العشيرة.

التأكيد على المواطنة وحماية حقوق المواطنة والدفاع عنها في إطار القانون الذي يجب أن يكون له قوة الإلزام على الجميع بدون تمييز.

التأكيد على أمن وسلامة المواطن في إطار أمن الدولة واستقرار المجتمع.

تأسيس منظمات المجتمع المدني بشكل مستقل عن الأحزاب السياسية، وفسح المجال أمامها أن تساهم في اللعبة الديمقراطية.

حل مشاكل المواطن، وتأمين الحاجيات الضرورية له من ماء وكهرباء واستقرار وعناية صحية وتعليم.

حل مشكلة البطالة المتفشية وإيجاد فرص عمل ملائمة للمواطن على أساس الولاء للمجتمع وعلى أساس الوطنية بعيدا عن التحزب والعلاقات الاجتماعية العشائرية.

لا يحتاج المرء إلى تعليقات كثيرة أكثر من أن يقول أن العراق ليس دولة قانون، وبالتالي لا ديمقراطية بدون سلطة قانونية تعطي الحكم للشعب، ولايمكن أن تعيش الديمقراطية بدون سلام، ولن تكون هناك فيدرالية بمعزل عن الديمقراطية والسلم في دولة القانون.

فشلت القوى الحاكمة اليوم كما فشل الحكم البائد البارحة

تحت مظلة الديمقراطية الكاريكاتيرية العراقية، فشلت قوى الأغلبية الشيعية والكردية في حكم العراق بعد سقوط نظام “البعثصدامي” الاستبدادي. وقد ذكرنا أسباب الفشل أعلاه. ولا حاجة أن نكررها. فالديمقراطية ليست شكلية وصورية ووضع ورقة التصويت في صندوق الانتخابات ليرجع الناخب عبدا كما قال منظر الديمقراطية المفكر الفرنسي جان جاك روسو في مقولته المشهورة “انت حر لحظة إدلائك بصوتك ومتى ما وضعتَ ورقة التصويت في صندوق الانتخابات رجعتَ عبدا”. لماذا؟ لأنه إذا تنعدم الممارسة الديمقراطية في دولة ليست دولة قانون، بعيدا عن السلم الأهلي لن يكون المواطن حرا.

الديمقراطية الحقيقية شيء عقلاني في النهاية كما قال غاندي، وهي تربية وممارسة واحترام للعقائد وعلاقة الله بالإنسان، واحترام للذات الانسانية بالتعبير عن الرأي بحرية مفعمة بالوعي والمسؤولية، وبشكل يتلاءم مع المجتمع، بعيدا عن العنف، وفي إطار القانون الذي يحمي المواطن الذي يعتبر نفسه جزءا أساسيا في اللعبة الديمقراطية، له حقوق مقابل واجبات، كعضو كامل النمو في المجتمع، وليس عضوا من الدرجة الثانية أو الثالثة لكل مَن هو خارج توجه ديني سياسي معين كما كانت الحال في حكم البعثصدامي السني، وكما هو الحال في حكم الميليشيات الصدرية والحكيمية الشيعية اليوم.

فشل الكل في حكم العراق لحد اليوم. وسيفشل الذين يأتون من بعدهم من أحزاب سنية وشيعية داخل وخارج البرلمان العراقي بكل توجهاتها الكاريكاتيرية الإسلاموية والعلمانوية إذا لم يتعلموا من تجاربهم الفاشلة. والتجارب الفاشلة لتاريخ العراق السياسي الدموي في عمر العراق القومي الحديث الذي تأسس عام 1921 مأساة في مأساة. ولذلك يطالب البعض من قوى عراقية وأجنبية انتهاء بتهديدات أمريكا، أن المجتمع الدولي لايجد بديلا للأستقرار في العراق والمنطقة إلاّ بتقسيم العراق إلى أجزاء وأقسام. وحينذاك يعُظُ الظالمون على أيديهم، لأنهم ظلموا العراق كما ظلموا أنفسهم. وهنا أعني القادة العرب والكرد على السواء. فالظلم لايعرف العرق والدين، حين تكون المتاجرة بأسمهما. وهنا فإننا جميعا معنيون، ولابد أن نفقه ونفكر قبل فوات الأوان. كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. اللهم أيقظ وطني.

تنشر بالتزامن مع صحيفة الأهالي البغدادية
كتبت في 16 سبتمبر 2007
• Khalid_k2009@yahoo.se

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *