الرئيسية » شخصيات كوردية » مشاهير الكرد في التاريخ ( الحلقة الحادية والأربعون )

مشاهير الكرد في التاريخ ( الحلقة الحادية والأربعون )

كشّافات البحث
البحث عن أعلام الكرد ومشاهيرهم عبر التاريخ، والكتابة عنهم بما يوضّح الصورة ويشفي الغليل، ليس سهلاً، وهذا أمر يعلمه بدقة من ندب نفسه له، وإذا قلت: (مَن كابده) فلست بالمبالغ، وأسباب المكابدة عديدة، ولعل أبرزها أن الباحث لا يجد بين يديه مؤلفات ومصنّفات تأخذ بيده مباشرة إلى هذا العَلَم الكردي أو ذاك، وإنما عليه العودة إلى المكتبة الشرق أوسطية منذ أربعة آلاف عام، ويستعين أحياناً بما جاء عن تاريخ الشرق الأوسط في المكتبة العالمية، ويراجع مجلّدات كثيرة من كتب التراجم والتاريخ والجغرافيا والعلوم والأدب واللغة والدين والسياسة، ليظفر من كل مجلد ببعض مشاهير الكرد، وأحياناً كثيرة تكون الحصيلة لا شيء.
ثم لا يكفي أن تنفق الوقت في صحبة المجلدات وتقليب الصفحات، وترهق العين بالتدقيق في العناوين والعبارات، وإنما لا بد أن يكون لك منهج صارم تلتزمه في رحلة البحث المضنية، وأن تكون ثمة علامات وإشارات تسترشد بها، ولا بد أن يكون المنهج علمياً، وأن تكون العلامات والإشارات موضوعية، أو فيها نسبة كبيرة من الموضوعية على أقل تقدير، وإلا نكون من أولئك الذين يغزون تواريخ الشعوب، فيسطون عليها، وينهبون منها ما يطيب لهم، وينسبونه إلى أمتهم دون وازع ولا رادع، وهذا من أشنع أنواع اللصوصية في تقديري.
وقد دأبت على أن أسترشد إلى مشاهير الكرد بالكشّافات الأربعة الآتية:
• أولها الجغرافيا الكردية (أسماء المناطق، والمدن، والقرى).
• وثانيها أسماء القبائل والعشائر والبطون والأسر الكردية.
• وثالثها أن يوجد في ترجمة العلم ما ينصّ على كردية النسبة؛ كأن تُذكر نسبة (الكردي)، أو يُنَصّ على أن العلم من أصل كردي.
• ورابعها أن يكون اسم العَلم نفسه كردياً صرفاً، أو يكون في سلسلة نسبه اسم كردي صرف؛ مع الأخذ في الحسبان وجود كثير من التشابه بين بعض الأسماء عند الكرد والفرس والدَّيْلَم.
وماذا عند افتقاد الكشّافات الأربعة؟!
عندئذ أستعين بأن أستحضر ما تشكّل لديّ، بعد قراءات كثيرة للتاريخ الكردي، ولتراجم أعلام الكرد، ما يمكن أن أسمّيه (السَّمت العام للشخصية الكردية)، وصحيح أن ما قد استشرفه من ذلك السمت في ترجمة عَلَمٍ ما لا يمكن أن يُعدّ دليلاً علمياً مقنعاً، لكنه يثير في ذهني علامة استفهام، ويشجّعني على إبقاء ذلك العَلم في دائرة البحث والتنقيب؛ وقد وصلت بفضل هذا المنهج إلى اكتشاف الأصل الكردي لأعلام ما كنت أظن أبداً أنهم يمتّون إلى الشعب الكردي بصلة.
ومن هؤلاء محمد علي باشا وأسرته.
فلا شيء من الكشّافات الأربعة كان يتوافر في نسب محمد علي وأسرته، وهذه حقيقة مؤكدة إلى الآن على أقل تقدير، فمنذ أيام الدارسة الإعدادية والثانوية تعلمنا أنه معروف بلقب (الأرناؤوطي)، وأنه من أبناء قرية (قُوله) الألبانية، فكان لقبه (القُولي)، وأنه قدم إلى مصر مع فرقة عسكرية ألبانية تابعة للقوات العثمانية.
وصحيح أن الاسم المركّب (محمد علي)، شائع في المجتمع الكردي، رغبة من الآباء في الجمع بين اسمي أشهر شخصيتين إسلاميتين (النبي محمد، والإمام علي)، وصحيح أن كلمة (خُدَيوِي) كانت مألوفة عندي، وصحيح أيضاً أن اسم طُوسُون – وهو ابن محمد علي- كان يذكّرني باسم رجل يدعى (تُوسُون)، من قرية (بَيْنَهْ) Bainai (أُبّين) كان يزور أقارب له في قريتنا، لكن من أين كان لي حينذاك أن أربط بين هذه المؤشرات وبين الأصل الكردي لأسرة محمد علي؛ ولا سيما أنني ما كنت حينذاك مهتماً بهذا المجال جملة وتفصيلا؟!
ومع أني أصبحت أكبر سناً وأوسع ثقافة، وأصبحت مهتماً بالتاريخ الكردي وبتراجم أعلام الكرد، ومتسلّحاً بالكشّافات الأربعة السابق ذكرها؛ أقول: مع ذلك ما امتلكت الجرأة العلمية لأن أصنّف محمد علي باشا وأسرته الملكية ضمن الكرد؛ إذ أين (قُوله) البلقانية من جغرافية كردستان ومدنها وقراها؟! وأين (القُولي) من (الفارَقي)، أو (الآمِدي)، أو (الشَّهْرَزُوري)، أو (الإربلي) مثلاً؟! وأين (الأرناؤوطي) من (الهَذْباني)، أو (الرَّوادي)، أو (الزَّرْزاري)، أو (الزَّنْدي)؟!
أمور استوقفتني!
أجل، ما كانت ثمة إشارة ولو ضئيلة تدل على أسرة محمد علي باشا كردية الأصل، لكن بعد أن انهمكت- كما قلت سابقاً- في قراءة التاريخ الكردي، والتنقيب عن تراجم أعلام الكرد قديماً وحديثاً، استوقفتني أمور أربعة:
• أولها: علمت أن محمد كاشف- ولقبه (تَيْمُور)، وهو جد الأسرة التيمورية الكردية في مصر- كان من كبار مساعدي محمد علي في مصر؛ إذ ساعده في حملته للقضاء على المماليك، وترقّى في سلّم المناصب الرفيعة، حتى صار والياً على بلاد الحجاز.
• وثانيها: لاحظت لجوء بعض زعماء الكرد ومثقفيهم إلى مصر في عهد محمد علي باشا وأسرته، وأذكر على سبيل المثال: أسرة أحمد شوقي، وأسرة قاسم أمين، وأسرة والي البدرخانية، وأسرة عَوني.
• وثالثها: أن أول صحيفة كردية، ظهرت في العصر الحديث، إنما صدرت في القاهرة، وكانت بعنوان (كردستان)، وصدر العدد الأول منها في 22 نيسان سنة (1898 م)، وكان القائم عليها الأمير مقداد مدحت باشا بدرخان.
• ورابعها: هذا اللقب الغريب (خُدَيْوي)! فلا علاقة لهذا اللقب باللغة العربية، ولا أحسب أن له معنى في اللغة التركية، وإنما له معنى واضح ودقيق وعريق في اللغة الكردية، إذ يعني (المالك، صاحب المملكة) أو يعني (الربّاني، التقي، رجل الله)، وكثيراً ما سمعت الكرد ينطقون هذا اللقب، في سياقات حياتية عديدة، بجميع هذه الدلالات.
وكان من الطبيعي، وقد اجتمعت هذه المثيرات والمحفّزات جميعها، أن أضع أسرة محمد علي في دائرة الاهتمام، ضمن مشروع التنقيب عن أعلام الكرد في الماضي والحاضر، ثم قرأت في هامش كتاب منشور عن الكرد، في الربع الأخير من القرن العشرين، ولا يحضرني اسمه الآن، أن أسرة محمد علي باشا كردية الأصل، لكن المؤلف لم يشر إلى المصدر الذي استقى منه هذه المعلومة؛ ومع ذلك صرت أكثر حرصاً على متابعة حقيقة هذه الأسرة.
الحقيقة!
ثم إذا بموقع سما كرد SemakUrdالإلكتروني ينشر، في 1/12/2006، مقالاً للدكتور محمد علي الصُّوَيركي، بعنوان (محمد علي باشا الكبير)، أكد فيه بما لا يدع مجالاً للشك أن الأسرة العلوية (أسرة محمد علي باشا) كردية الأصل، وتعود بجذورها إلى مدينة ديار بكر (آمد). والدكتور محمد علي الصُّوِيركي كردي أردني، يعود بأصوله إلى منطقة (سُوَيرَك) الكردية في شمالي كردستان، وهو باحث جادّ، ومهتم بالبحث والتنقيب عن أعلام الكرد، وله أكثر من كتاب منشور بالعربية في هذا المجال، وقد نشر صورة للصفحة (56) من مجلة المصور المصرية الشهرية، العدد المنشور في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني، (1949 م)، تتضمن جزءاً من حوار أجراه الكاتب المصري الكبير محمود عباس العقّاد مع ولي عهد مصر حينذاك الأمير محمد علي، بعنوان (وليّ العهد حدّثني عن وليّ النِّعَم)، وإليكم بعض ما جاء في ذلك الحوار بقلم عبّاس محمود العقاد:
” … وقال سموّه في أمانة العالم المحقّق: لا أعلم، ولا أبيح لنفسي الظن فيما لا أعلم، ولكني أحدّثكم بشيء قد يستغربه الكثيرون عن نشأة الأسرة العلوية (المنسوبة لمحمد علي)، فإن الشائع أنها نشأت على مقربة من قولة في بلاد الأرناؤوط (ألبانيا)، ولكن الذي اطّلعت عليه في كتاب ألفه قاضي مصر على عهد محمد علي أن أصل الأسرة من ديار بكر في بلاد الكرد، ومنه انتقل والد محمد علي وإخوانه إلى قولة، وقد عزّز هذه الرواية ما سمعناه منقولاً عن الأمير حليم (أحد أحفاد محمد علي) أنه كان يرجع بنشأة الأسرة إلى ديار بكر في بلاد الكرد “.
ثم أضاف عباس محمود العقاد قائلاً:
” حسب بلاد الكرد شرفاً أنها أخرجت للعالم الإسلامي بطلين خالدين: صلاح الدين الأيوبي، ومحمد علي الكبير، وقد تلاقيا في النشأة الأولى، وفي النهضة بمصر، وفي نسب القلعة اليوسفية إليهما (قلعة القاهرة اليوم)، … ونحن نعرف بأن الناس أمناء على أنسابهم وأصولهم، وأن الكثير من القادة العسكريين الذين خدموا مع محمد علي باشا وأحفاده كان أغلبيتهم من الكرد، أمثال إسماعيل باشا الكاشف تيمور، جد الأسرة التيمورية بمصر “.
ثم انتقل عباس محمود العقاد إلى الحديث عن حياة محمد علي، وسائر أفراد الأسرة العلوية، وجدير بالذكر أن العقاد نشر مع المقال الحواري صورة شخصية له وللأمير ولي العهد في مكتب هذا الأخير، وقد تتبّعت الأمر فوجدت أن (موسوعة تاريخ أقباط مصر) الإلكترونية Coptic History نشرت مقالاً للسيد عزت أندراوس، بعنوان (محمد علي الكبير)، ذكر فيه الأصل الكردي للأسرة العلوية، معتمداً على ما جاء في مجلة المصوّر المصرية أيضاً، وما أدلى به كل من الأميرين محمد علي وحلمي؛ وهكذا وجدت نفسي أمام الحقيقة واضحة وضوح الشمس، وسقطت الشكوك التي كانت تخامرني بخصوص نسبة أسرة محمد علي الكردية، فها هما اثنان من أمراء الأسرة، أحدهما وليّ للعهد، يصرّحان بأن الأسرة العلوية كردية الأصل، وأنها ترجع بجذورها إلى مدينة ديار بكر (آمِد).
ولو كان الكرد أصحاب إمبراطورية كالعثمانيين والإنكليز مثلاً، أو لو كانوا على الأقل أصحاب دولة متحضرة، يشار إليها بالبنان مثل سويسرا، أو لو كانوا يحظون بما تحظى به الأسرة الهاشمية من تعظيم وتبجيل بين المسلمين عامة، لقلنا: إن الناس يرغبون في الانتساب إلى ما هو عظيم سياسياً، وإلى ما هو بارز حضارياً، وإلى ما هو مبجّل دينياً، ولعل الأميرين العلويين أفصحا عن الأصل الكردي لأسرتهما بدافع من إحدى هذه الدوافع الثلاث.
لكن كان الكرد في منتصف القرن العشرين- وما زالوا- شعباً بلا دولة تجمعهم، وبلا هوية قومية وسياسية ترفع من شأنهم بين الشعوب، كما أنهم كانوا في المخيّلة الشعبية الشرق متوسطية- وما زالوا- أبعد الناس عن التبجيل والتعظيم الديني، حتى إني قرأت في (موسوعة حلب)، للباحث الحلبي الألباني الأصل خير الدين الأَسَدي، مثلاً شعبياً حلبياً يقول: فلان ” خلّى النبي كردي، والملائكة أعجام! “؛ والمراد أن فلاناً تحدّث بما هو محال، وخرج عن حدود المعقول.
أما على الصعيد الحضاري فكانت ديار الكرد غير معروفة أصلاً، وكان أغلب الشعب الكردي ريفياً ورعوياً، وكانت نسبة المتعلمين في المجتمع الكردي متدنية، شأنه في ذلك شأن معظم أرياف شرقي المتوسط، ولا ننس أيضاً التشويه الذي نال من صورة الكردي في بعض مصادر التراث العربي الإسلامي، فالكرد في تلك المصادر شعب بلا هوية، أو هم من أبناء الجن، أو هم نتاج تزاوج غير شرعي بين جنّ النبي سليمان وبعض الفتيات الأوربيات الإماء، وكان سليمان قد استقدمهن لضمّهن إلى الحريم في قصره الملكي، والكرد- حسبما روّج ياقوت الحموي في مواضع من كتابه (معجم البلدان)- أناس همج، شأنهم التمرد على الحكّام وقطع الطرق.
ولا ننس أيضاً مقولة (هل تَسْتَكْردني؟!) المنتشرة في مجتمعات بلاد الشام ومصر، وهي تعبّر عن أن الكردي يجمع بين الحماقة والسذاجة، وأنه مضرب المثل في ذلك، لا بل إن بعض الحانقين على الكرد بدوافع عنصرية ذهبوا في هذا الميدان شوطاً أبعد، فراحوا يقولون عن الكرد بأنهم غجر؛ فبالله عليكم ما الذي يحمل أميرين رفيعَي المقام ومثقفَين، من الأسرة العلوية المالكة، على الطمع في نسبة أصل الأسرة إلى الكرد؟! أهو الطمع في الانتساب إلى الجن؟! أم هو الطمع في أن يكونوا من أبناء الإماء؟! أم هي الرغبة في الانتساب إلى الهمج والمتمردين وقطّاع الطرق؟ أم هي الرغبة في الانتساب إلى الجهل والتخلف؟! أم هي الرغبة في الانتماء إلى الحماقة والسذاجة؟! أم هي الرغبة في الانتماء إلى الغجر؟!
ثم من الذي ينقل الخبر؟! إنه عبّاس محمود العقّاد، الباحث المحقق المدقق، صاحب كتب (العبقريات)، وصاحب الصولات والجولات الشهيرة في مجالات الأدب شعراً ونقداً، وفي مجالات الفكر والصحافة، في النصف الأول من القرن العشرين؛ فهل من المعقول أن ينشر خبراً مصوَّراً في مجلّة شهيرة لولا أن الخبر صحيح مئة في المئة؟! وهل من المعقول أن يختلق معلومة على لسان أميرين من الأسرة الملكية الحاكمة، وينشرها في الصحافة، إلا وهو واثق من صحة تلك المعلومة ودقتها؟!
وبعد أن شهد شاهدان، هما الأمير محمد علي، والأمير حلمي.
وبعد أن نقل هذه الشهادة مفكر شهير وباحث قدير هو العقّاد.
وبعد أن نشرت تلك الشهادة في مجلة عريقة هي المصوّر.
هل يبقى شك في نسبة الأسرة العلوية إلى الكرد؟!
وألا يحق لنا البحث في سيرة مؤسسها محمد علي باشا؟!
في مهبّ الريح!
الرُّوملي أو بلاد الروم، اسم أطلقه العثمانيون على الإقليم الذي يشمل تراقيا، ومكدونيا، وغيرهما من البلاد الواقعة بين البلقان والبحر الأسود، وبحري مرمرة وإيجه، وسلسلة جبال اليونان. وفي منطقة الروملي هذه، وعلى مسافة (320) كم غربي الآستانة (إستانبول)، كانت تقع قرية (قوله) المكدونية، وحوالي منتصف القرن الثامن عشر كان يسكن قرية (قوله) رجل يدعى إبراهيم آغا، وكان يتولّى خفارة الطرق (وظيفة الجمارك)، ويساعده في تلك المهمة أخوه تُوسون (طوسون)، وقد مر أن الأخوين كانا في الأصل من مدينة ديار بكر في شمالي كردستان.
حسناً، ها هنا بعض التساؤلات التي تمسك المرء من خناقه: متى انتقل الأخوان إبراهيم آغا وتوسون آغا من ديار بكر الكردستانية إلى قوله الروملية؟ وهل تم الانتقال من ديار بكر إلى الروملي، وإلى قوله تحديداً، بشكل مباشر، أم أن الأسرة ظلت تنتقل من بلد إلى آخر، واستقر بها المقام أخيراً في قوله؟
والحقيقة أننا لا نجد إجابات عن هذه الأسئلة وغيرها، وهي أمور ما كان يعرفها أحد غير محمد علي، ويبدو أنه كان حريصاً على ألا يعلنها؛ فالمشاهير من الحكام خاصة يؤثرون ألا يفتحوا صفحات ماضيهم إذا كان ذلك الماضي عادياً غير مبجّل، بل من الحكام من كان يصنع لأسرته ماضياً مجيداً برّاقاً، ويضعه بين أيدي آلته الإعلامية، لتسبّح بعراقته ليل نهار، وهذا ما لم يفعله محمد علي، وكل ما فعله الرجل أنه ترك ماضيه في طيّات النسيان.
ولنعد إلى قرية قوله، وإلى موظف الجمارك إبراهيم آغا، فقد رُزق الرجل سبعة عشر ولداً، لم يعش منهم إلا محمد علي، وفي سنة (1773 م) توفي إبراهيم آغا، وتوفيت زوجته أيضاً، وكان محمد علي حينذاك في الرابعة من عمره، باعتبار أنه ولد سنة (1769 م). وبقي الصبي محمد علي يتيم الأبوين، وكان من الطبيعي أن يكفله عمه توسون آغا (هكذا الصيغة الكردية)، وينتقل به إلى بيته، لكن حدث أن السلطة العثمانية غضبت على توسون آغا، فقُتل بأمر السلطان العثماني، وبقي محمد علي من غير أهل يرعونه، ومن غير بيت يضمه.
على أن صديقاً لوالد محمد علي يدعى خربجي براوسطه أشفق على الصبي، فضمّه إلى أولاده، ويبدو أن شفقة خربجي براوسطه لم تنقذ محمد علي من الشعور بمرارة اليتم والذل، ويروى أنه، بعد أن ارتقى ذروة المجد، واعتلى منصب الحكم في مصر، كان يذكر لخاصته ما قاساه في أيام اليتم. وبرعاية خربجي براوسطه تعلم محمد علي ما كان يتعلّمه أبناء تلك البلاد من فنون القتال والفروسية، ولعل الفتى محمد علي كان يدرك أنه لا سبيل له إلى حياة كريمة إلا بالاعتماد على الذات، وامتلاك أسباب القوة، شأنه في ذلك شأن جميع الطموحين في كل العصور.
ويبدو أن محمد علي كان قد برع في القتال، فضمه مربيه خربجي براوسطه إلى من كان يعمل بإمرته في جباية الضرائب، فأظهر محمد علي مهارة وبسالة عجيبتين، وحصل على رتبة بلوك باشي، وزوّجه براوسطه امرأة مطلّقة من ذوي قرابته كانت ذات مال وعقارات. ولم يستمر محمد علي في وظيفة جباية الضرائب طويلاً، ويبدو أن طموحه كان أكبر من أن تتسع له تلك الوظيفة المتواضعة، فانتقل إلى التجارة، وخاصة تجارة التبغ، وكانت أكثر التجارات رواجاً في تلك البلاد، وبرع محمد علي في مهنته الجديدة، واكتسب شهرة واسعة في الوسط التجاري، وكان موضع ثقة عند عملائه، وظل ينشط في الحقل التجاري إلى سنة (1801 م).
مصر من يد إلى يد
وقبل الخوض في أحداث سنة (1801 م) لا بد من وقفة مع مصر.
فالمعروف أن المماليك الترك قضوا على سيدتهم الدولة الأيوبية في مصر سنة (648 هـ/1250 م)، وأقاموا الدولة المملوكية، وكان المعزّ أَيْبَك التركماني أول سلاطينهم، وفي سنة (784 هـ/ 1382 م) أنهى المملوك الشركسي بَرْقُوق حكم سيدته الدولة المملوكية التركية، وورث أملاكها في مصر وشمالي السودان والحجاز وبلاد الشام.
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى كان العثمانيون قد ظهروا في آسيا الصغرى (غربي تركيا) منذ أوائل القرن الثامن الهجري (أوائل القرن الرابع عشر الميلادي)، وراح شأنهم يزداد قوة، ودولتهم تزداد اتساعاً باتجاه الغرب، وفي سنة (1453 م) احتل السلطان العثماني محمد الثاني (الفاتح) مدينة القسطنطينية، وقضى على الدولة البيزنطية، وشرع هو وخلفاؤه بالتوسع في أوربا. وكان يهمّ كل فاتح وغاز قادم من الشرق أو من الغرب أن يسيطر على شرقي المتوسط، للوصول إلى الموانئ الشامية والمصرية المطلة على جنوبي أوربا، وما كان ذلك كافياً، بل كان من الضروري أن يسيطر الفاتح والغازي أيضاً على كردستان شرقاً؛ ليستطيع الاندفاع من بعدُ إلى بلاد فارس، ومن ثَم إلى وسط آسيا وشرقيها.
وحينما تسلّم السلطان سليم الأول عرش السلطنة العثمانية سنة (1512 م) كانت هناك ثلاث قوى إقليمية كبرى تتنافس في غربي آسيا: الدولة العثمانية وعاصمتها الأستانة (القسطنطينية سابقاً وإستانبول لاحقاً)، والدولة الصفوية وعاصمتها تبريز، والدولة المملوكية الشركسية وعاصمتها القاهرة. وكان يهمّ الدولة الصفوية أن تتقدم غرباً نحو سواحل المتوسط، عبر كردستان طبعاً، وكان يهمّ الدولة المملوكية أن تتقدم شرقاً عبر كردستان أيضاً، وكان يهمّ الدولة العثمانية أن تتقدم شرقاً عبر كردستان، وجنوباً نحو بلاد الشام ومصر، وكان من الطبيعي أن تتصادم مصالح هذه الدول ذات الطابع الفتوحاتي التوسعي، وأن تتصادم نتيجة لذلك سياسياً وعسكرياً.
وقد حقق السلطان العثماني سليم الأول النصر على الشاه إسماعيل الصفوي في معركة چَلْديران (في شمالي كردستان) سنة (1514 م)، ورأى أن خير وسيلة يوقف بها تقدم الصفويين غرباً هي كسب ولاء الكرد، وأفلح في ذلك؛ إذ استعان سنة (1515 م) بالزعيم الديني الكردي الشيخ إدريس بدليسي، وكسب ولاء ثلاثة وعشرين أميراً كردياً للسلطان العثماني، وكان أولئك الأمراء زعماء لمناطق ديار بكر وماردين والموصل وسنجار وحصن كيفا والعمادية وجزيرة ابن عمر، ووافقوا على ضمّ مناطقهم إلى الدولة العثمانية بما يشبه الاتحاد الفيدرالي في عصرنا هذا.
ثم اندفع السلطان سليم جنوباً إلى بلاد الشام، حيث ممتلكات الدولة المملوكية، وانتصر على السلطان المملوكي قانْصُوه الغُوري في معركة مرج دابق في شمالي سوريا سنة (1516)، وانتهت المعركة بمقتل الغوري، وكان من الطبيعي أن يستمر السلطان سليم في الاندفاع جنوباً نحو مصر، وفي سنة (1517 م) حقق النصر على السلطان المملوكي الجديد طُومان باي في معركة الرّيدانية، وشنقه على باب زويلة في القاهرة، وكانت تلك أول مرة يُشنق فيها سلطان بمصر، وبإعدام طومان باي انتهى حكم الدولة المملوكية في شرقي المتوسط، ليبدأ الحكم العثماني؛ على أن غيبة المماليك عن السلطة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما عادوا إليها ثانية، لكن هذه المرة عملوا ولاة تابعين للدولة العثمانية، يشاركهم في ذلك ولاة عثمانيون آخرون.
ومع نهاية القرن الثامن عشر كان الصراع الاستعماري بين فرنسا وإنكلترا قد وصل إلى الأوج، وفي سنة (1798 م) أرسلت فرنسا حملة إلى مصر بقيادة نابليون بونابرت، وأفلح نابليون في احتلال مصر، وحاول التقدم شمالاً في بلاد الشام، فعجز عن ذلك، ثم غادر نابليون مصر سراً راجعاً إلى فرنسا، بعد أن ولّى على الجيش الفرنسي مكانه الجنرال كليبر، وسرعان ما لقي كليبر مصرعه على يد الشاب الكردي العفْريني سليمان محمد أمين (سليمان الحلبي)، بتدبير من ولاة العثمانيين في بلاد الشام، ثم اضطر الفرنسيون إلى الانسحاب من مصر سنة (1801م)؛ نتيجة التحالف الإنكليزي العثماني من جانب، وبسبب المشكلات الداخلية في فرنسا من جانب آخر.
مقدمات الانقلاب
وفي سنة (1801 م) حدث الانقلاب الأول في مسيرة محمد علي، وبدأ الانقلاب على أرض مصر، وإنه لحدث يذكّرنا بحدث مماثل وقع لشاب كردي عبقري آخر قبل حوالي ستة قرون، وعلى أرض مصر أيضاً، إنه الانقلاب الذي حدث في حياة الشاب يوسف؛ المعروف بعدئذ باسم السلطان صلاح الدين. بلى، في هذه السنة (1801 م) وصلت إلى مصر قوة بحرية عثمانية مؤلفة من ثلاثمئة جندي ألباني (كان العثمانيون يطلقون على الألبان اسم أرناؤوط/أرناؤود)، وكان يقود تلك القوة علي آغا بن خربجي براوسطه مربي محمد علي، وكان محمد علي قد انتظم في تلك القوة باعتباره معاوناً لعلي آغا.
وشاركت تلك القوة الألبانية في بعض المعارك البحرية ضد الجيش الفرنسي، وخلال تلك الفترة عاد علي آغا إلى قوله، تاركاً قيادة جنوده لمعاونه الشاب محمد علي، وكان محمد علي حينذاك قد ارتقى إلى رتبة بكباشي، وهذا يعني أنه كان ناجحاً في عمله، جاداً في مباشرته.
وبُعيد خروج الفرنسيين برزت في مصر أربع قوى رئيسة:
• المماليك: وكان هؤلاء يلمسون الضعف الذي أصاب الحكم العثماني في مصر وغيرها، وتجلّى ذلك الضعف بوضوح خلال الحملة الفرنسة على مصر، فطمحوا- أقصد المماليك- إلى استرداد نفوذهم في مصر، والقبض على زمام إدارة البلاد.
• العثمانيون: كان هؤلاء يطمحون من جانبهم إلى طرد المماليك من مصر، لا بل استئصال جذورهم، إذ ثبت لديهم أن المماليك عنصر شغب وتخريب، ولا يمكن أن تستقيم الأمور للعثمانيين في مصر ما دام المماليك موجودين على الساحة، فأوعز الباب العالي إلى القبطان حسين باشا سراً بإبادة المماليك واستئصالهم، وبدأ حسين باشا بتنفيذ الخطة، لكن الإنكليز تدخّلوا في اللحظة الأخيرة، وأنقذوا رؤوس المماليك.
• الإنكليز: كان ما يهمّ الإنكليز هو أن يجدوا موضع قدم لهم في مصر، وأن يكون لهم نفوذ فيها وفي الدولة العثمانية بشكل عام، وهذا لا يكون إلا بدولة عثمانية ضعيفة، تتفهّم المصالح الإنكليزية، وبحكام في مصر يلبّون رغبات الإنكليز، لذلك كان الإنكليز ينسّقون مع العثمانيين من جانب، ويبنون علاقة صداقة مع المماليك من جانب.
• القوى الوطنية: كانت الحملة الفرنسية، رغم فشلها، قد أحدثت قلقلة شديدة في المجتمع المصري، فمن ناحية أنزلت ضربات قاضية بالمماليك، وكشفت عن عجزهم، وأظهرتهم على أنهم قوة دخيلة، تعمل لاستغلال المصريين دون وجه حق. ومن ناحية أخرى أوجدت الحملة الفرنسية مناخاً مناسباً لظهور إرادة شعبية في مقاومة الاحتلال، وتجسّدت تلك الإرادة في بعض علماء الأزهر، وفي زعماء شعبيين آخرين.
وكان الشاب الفطن محمد علي يراقب التجاذبات والصراعات بين هذه القوى بدقة، ويتابع تفاصيلها، ويقرأها بعمق، وكان يعرف أن العصر عصر المغالبة، فالمماليك بالمغالبة حكموا مصر، وبالمغالبة أزاحهم العثمانيون عنها، وبالمغالبة يفرض الإنكليز شروطهم على الطرفين، وفطن القادة الشعبيون بدورهم إلى أهمية المغالبة، فعملوا لالتفاف الجماهير حولهم. فما الذي يمنع محمد علي أيضاً من أن يخوض اللعبة ذاتها؟! ولماذا لا يدلي بدلوه في بثر المغالبة كما يفعل الجميع؟! وإذا كان الغرباء، مماليك وعثمانيين وإنكليزاً، يمنحون أنفسهم حق السيطرة على شؤون البلاد المصرية فلماذا يقف هو مكتوف اليدين؟
بلى، أحسب أن محمد علي فكر بهذه الطريقة، والدليل على ذلك هو المسار الذي اختاره بعدئذ، وأوصله إلى حكم مصر. ولن نقف عند محطات ذلك المسار وتفاصيله، فهي كثيرة جداً ومعقّدة، وحسبنا الإشارة إلى أنه فطن إلى هواجس كل فريق، وأدرك ما يرغب فيه كل منهم. وبدأ محمد علي بالتعامل مع الفرقاء جميعاً على أنه الرجل التوفيقي، وليس الرجل المنافس، بل استطاع في النهاية أن يبدو لهم على أنه الرجل المنقذ، وكانت رتبته تعلو حيناً بعد حين، فارتقى من رتبة (بكباشي) إلى رتبة (قبى بلوك)، فرتبة (سَرْجشمه)، وأصبح قائداً لأربعة آلاف مقاتل، وكان حريصاً على استمالة رجاله إليه، فأجمعت القلوب على محبته، ولهجت الألسن بشكره.
خورشيد باشا
وكان أول ولاة العثمانيين على مصر، بعد خروج الفرنسيين، هو خسرو باشا، مملوك القبطان حسين باشا عدو المماليك اللدود، وكان من الطبيعي أن يدخل الوالي الجديد في صراع مع المماليك، لكبح جماحهم، لكنه أخفق في ذلك، ولم ير بداً من الاستعانة بفرقة محمد علي، رغم كرهه له، وقبل وصول فرقة محمد علي إلى ميدان القتال حاقت الهزيمة بحملة الوالي، فنسب ذلك إلى تأخر محمد علي في الالتحاق بميدان القتال، وحاول معاقبته، لكن الجند ثاروا على خسرو باشا، وقاموا بعلميات السلب والنهب في القاهرة لتأخر دفع رواتبهم، وفرّ خسرو باشا إلى دمياط ناجياً بنفسه، وكان ذلك سنة (1803 م).
وجاء طاهر باشا والياً على مصر بعد خسرو باشا، لكنه عجز عن دفع رواتب الجند المتأخرة، وبعد اثنين وعشرين يوماً اغتاله ضابطان، وبفرار خسرو باشا ومقتل طاهر باشا أصبح محمد علي قائد الجند العثمانيين؛ لأن رتبته كانت تلي رتبة طاهر باشا، على أن خسرو باشا استعمل نفوذه عند الباب الحالي، وسعى لتعيين وال عثماني جديد على مصر محل طاهر باشا، هو خورشيد باشا، أحد قواد الإنكشارية، وكان ذلك في سنة (1804 م).
وكانت قوات المماليك هي الخطر الأكبر على نفوذ خورشيد باشا، ويأتي من بعدهم خطر الأرناؤوط، فاستقدم الدلاة من بلاد الشام، (مفرد الدلاة: ديلى Daile، وسمعت الشيوخ من الكرد يسمونهم: ديلي علي)، وهم فرسان خليط اشتهروا بالبطش والتهور، وكانوا يبيعون قدراتهم القتالية لمن يدفع لهم، أي أنهم كانوا فرقة من الفرسان المرتزقة، وكان أمل خورشيد باشا أن يستعين بالدلاة للقضاء على المماليك، ويكبح بهم جماح الأرناؤوط أيضاً، لكن المماليك ألحقوا الهزيمة بالدلاة، وخاب أمل الوالي فيهم.
أما محمد علي فاستمر في توطيد علاقته بالشعب، وعبّر عن مواساته لهم من إجراءات خورشيد باشا التعسفية، وكانت إجراءات هدفها جمع المال بدعوى ضرورة دفع رواتب الجنود، واستطاع محمد علي أن يكسب قلوب الجماهير، وصارت له شعبية كبيرة بين الأهالي. وفي 11 سبتمبر/أيلول سنة (1804 م) أراد محمد علي أن يختبر مدى تعلّق جماهير القاهرة به، فقام بمناورة بارعة؛ إذ شرح لخورشيد باشا أن فوضى الجنود تعرقل قيام الحكومة بمهامّها، وهذا يعني أن الحكومة ستظل عاجزة عن جمع الأموال لدفع الرواتب، وبما أن الجميع أمام طريق مسدود فقد قرر العودة إلى بلاده، ووافق خورشيد باشا على رحيل محمد علي، ولماذا لا يوافق وهو الذي كان يتحرّق طويلاً إلى الخلاص من هذا المنافس الخطير؟
والحقيقة أن خورشيد باشا كان قد وقع في الفخ الذي نصبه له محمد علي، فما إن بدأ محمد علي في بيع أثاث منزله حتى انتشر الخبر في القاهرة، فكثر لغط الناس، وعمّ الاضطراب، وأغلقت المدينة أبوابها، وخرجت الجماهير إلى الشوارع والأسواق وهي تصخب، وعدّت رحيل محمد علي كارثة كبرى، وقلّ الربط والضبط في المدينة، وارتكب بعض الجنود كثيراً من المخالفات، وظهر جلياً عجز خورشيد باشا عن السيطرة على جنوده، ولجأت الجماهير إلى العلماء والمشايخ، ومن أبرزهم الشيخ الشرقاوي وعمر مكرم نقيب الأشراف، تطلب بقاء محمد علي في مصر.
وفي اليوم التالي خرج محمد علي ماشياً في القاهرة على أقدامه، يحيط به عدد من الضباط والجنود الأرناؤوط، وراح يعمل لتهدئة الأهالي، وذكر لهم أنه لن يغادر القاهرة، ولن يتركهم للمحنة، وأمر بحبس جندي هنا وقتل جندي هناك، بسبب ما ارتكبوه من اعتداءات في اليوم السابق، وعاد الهدوء إلى القاهرة مرة أخرى، وظهر محمد علي أمام جماهير المصريين بأنه الشخص الذي يضحّي بمصالحه في سبيلهم وفي سبيل المصلحة العامة، فازدادت ثقة الجماهير به.
ومن ناحية أخرى ازدادت الأمور العامة سوءاً، فقد عجز الوالي خورشيد باشا عن دفع رواتب الدلاة الذين استقدمهم، وكان هؤلاء يهبّون هبّات جنونية، فينزلون إلى شوارع القاهرة وأحيائها، يهاجمون البيوت، وينهبون ويسلبون، ويخطفون الأطفال والنساء، وذكر الجبرتي أنه لم ينج من أذاهم ” إلا من تسلّق ونطّ على الحيطان “.
وتكررت وعود خورشيد للعلماء والمشايخ بإخراج الدلاة، وتهدئة الأمور، لكن وعوده كانت تذهب أدراج الرياح؛ فالدلاة يطالبونه برواتب ثلاثة أشهر، والخزينة فارغة، وكان محمد علي خلال ذلك مستمراً في الالتقاء بالقيادات الشعبية، ويضم صوته إلى صوتهم، ويعرض عليهم وساطته، وكان قد نجح في الوقت نفسه في ردع قوات الأرناؤوط من القيام بما يثير الأهالي، وكان يوظّف ثروته خير توظيف، فمن جانب كان يشتري به رضا جنوده، ومن جانب آخر كان يرسل الهدايا الثمينة إلى بعض كبار رجال الدولة في الأستانة؛ حسبما أفاد بعض قناصل الدول الأجنبية.
الكُرْك . . والقاووق!
وفي الوقت الذي كان خورشيد باشا يرهق فيه كاهل الجماهير بالضرائب الثقيلة، ويعجز عن توفير الأمن لهم، كان محمد علي يتودّد إلى القادة الشعبيين، وعلى رأسهم الشيخ الشرقاوي وعمر مكرم نقيب الأشراف، وعلم خورشيد باشا أنه لن يستطيع حكم مصر ما دام محمد علي وجنوده موجودين فيها، فسعى لدى الباب العالي لاستصدار فرمان (قرار) يقضي بنقل محمد علي إلى ولاية أخرى، ونجح في ذلك؛ إذ وصل فرمان من الباب العالي يقضي بتعيين محمد علي حاكماً لمدينة جدّة في الحجاز، بغرض التصدي للحركة الوهابية.
غير أن محمد علي كان يعرف كيف يحوّل نجاحات أعدائه إلى إخفاقات؛ وهذه عبقرية بحد ذاتها، فها هو ذا قد أُلبس الكُرْك (بالكردية: عباءة مبطّنة بالفرو) والقاوُوق (غطاء للرأس)، وكانا حينذاك من شارات الولاية، وها هو ذا قد أصبح والياً شأنه شأن خورشيد باشا، وأصبح له المقام نفسه، وعند عودته إلى داره في الأزبكية بالقاهرة نثر الذهب في طريقه على الأهالي، موحياً إليهم بأنه الوحيد القادر على إنقاذهم من الضائقة المالية التي يعانونها نتيجة سياسات خورشيد باشا الظالمة.
وحينما طلب الجنود من محمد علي دفع رواتبهم المتأخرة أحالهم إلى خورشيد باشا المسؤول عنهم؛ إذ إنه- محمد علي- لم يعد مسؤولاً عما يحدث في مصر، فازداد خوف الجنود من ضياع رواتبهم، وازداد ضجيجهم، وطالبوا برأس خورشيد باشا. وراح محمد علي يلاطفهم، وكان الحل الذي لجأ إليه خورشيد باشا هو أكثر إثارة للمشكلات، فقد أعلن النية عن فرض إتاوة على الأهالي لدفع رواتب الجنود، فثارت ثائرة الشعب في القاهرة، وانتشر الهياج في كل مكان، وأعلن الأهالي أنهم لن يدفعوا أية ضرائب جديدة.
وهكذا أُسقط في يد خورشيد باشا، ووجد نفسه بين نارين: نار الجنود من ناحية، ونار الأهالي من ناحية أخرى، وظلّت حوانيت القاهرة مقفلة، وظل الهياج قائماً، وزاد الطين بِلّة انتشار الأخبار بأن خورشيد باشا عجز عن إخراج الدلاة من البلاد، وأنهم قاموا بخطف بعض النساء والأولاد. وعلى الجملة أصبح الموقف العام عصيباً جداً، ولم ير العلماء والمشايخ بداً من التدخل لحسم الأمر، فأمروا بإغلاق الحوانيت، والتجمهر في الشوارع، وارتفعت صيحات الاستنكار من كل جانب، واتصل المشايخ بخورشيد باشا، طالبين منه إخراج الدلاة من القاهرة.
وأصدر خورشيد الأوامر، لكن الجنود رفضوا التنفيذ.
وفي صبيحة يوم 12 أيار/مايو سنة (1805 م) اتجه المشايخ والعلماء إلى دار المحكمة، وساروا في مظاهرة كبيرة ضمّت العامة والأطفال، وتجمهروا في فناء المحكمة، وراحوا يهتفون: ” شرع الله بيننا وبين الباشا الظالم “، وكان بعضهم يهتف: ” يا ربّ يا متجلّي، أهلك العثمنلّي “، ورفع المتظاهرون إلى خورشيد عريضة بمطالبهم، ودعا خورشيد باشا رؤساء الحركة إلى الحضور لديه، وكان غرضه التخلص منهم، لكنهم لم يجيبوه إلى ذلك، وأصر الزعيم الشعبي عمر مكرم وسائر الزعماء على ضرورة خلع خورشيد باشا، وتعيين محمد علي والياً على مصر بدلاً منه، وذكروا لمحمد علي أنهم لا يريدون غيره والياً، ” وتكون والياً علينا بشروطنا، لما نتوسّمه فيك من العدالة والخير “.
وتمنّع محمد علي أول الأمر، ثم رضي بما قرره قادة الشعب، وقام إليه كل من الشيخ الشرقاوي وعمر مكرم، وألبساه الكُرْك والقَفْطان (نوع من الثياب)، شارتا الولاية، ونادوا بذلك في الشوارع، وأبلغوا خورشيد باش بقرار عزله وتولية محمد علي مكانه، لكن خورشيد باشا رفض القرار ذاكراً أنه مولى السلطان، فلا يُعزل بأمر الفلاحين. وقرر المقاومة معتصماً بالقلعة.
ووجد محمد علي نفسه في موقف صعب؛ فمن ناحية راسل خورشيد باشا الجنود الدلاة، وكانوا في قليوب (قرب القاهرة)، وطلب منهم العودة إلى القاهرة، لمساعدته في الحفاظ على السلطة، والقضاء على خطر الفلاحين. ومن ناحية أخرى كان المماليك يتربّصون به، وقد ينضمّون إلى صف خورشيد باشا، وهم قوة لها ثقلها في الصراعات، وعليه من ناحية ثالثة الفوز بموافقة الباب العالي.
وتحرك محمد علي لحسم الأمور على محورين:
• محور داخلي: تمثل بأن عهد إلى قادة الشعب أمر إقناع خورشيد باشا بترك العناد، وشجّعهم في الوقت نفسه على تطوير العصيان الشعبي، فقام عمر مكرم بتحريض الجماهير، وطوّق عدد كبير من أبناء القاهرة المسلحين القلعة، لمحاصرة خورشيد باشا ورجاله فيها، وانضمت إليهم قوات الأرناؤوط، وسرت روح الثورة في الأهالي، شيوخاً وأطفالاً، أغنياء وفقراء، ” والكل بالأسلحة والعصيّ والنبابيت، ولازموا السهر بالليل في الشوارع والحارات “؛ إنها أجواء تذكّر إلى حدّ ما بالأجواء التي سادت في باريس أيام الثورة الفرنسية.
• محور خارجي: تمثّل في أن العلماء والمشايخ أرسلوا كتاباً إلى الباب العالي، يبررون فيه الخطوة التي اتخذوها ضد الوالي خورشيد باشا، ويرجون الموافقة على تعيين محمد علي والياً لمصر.
وأثمرت جهود محمد علي داخلياً وخارجياً.
ففي الداخل بدأت المفاوضات بين كبار الضباط في القلعة وبين قادة الحركة الشعبية، وتبلور من خلالها مبدأ جديد لاستلام السلطة في مصر، هو مبدأ اختيار الشعب للحاكم، وعزل من لا يرضونه من الحكّام، وفي هذا المبدأ أيضاً ما يوحي بمبادئ الثورة الفرنسية؛ وكانت النتيجة أن موقف خورشيد باشا في القلعة أصبح أكثر حرجاً، وذهبت مناوراته المتتالية لاستعادة السلطة هباء.
وفي الخارج وصل مندوب من الباب العالي إلى الإسكندرية، وكانت مهمّته إنهاء الانقسامات الداخلية، وأسرع محمد علي والعلماء والأعيان بإرسال وفد لاستقبال وحراسته على الطريق، ووصل المندوب إلى القاهرة يوم 9 تموز/يوليو سنة (1805 م)، وأعلن تعيين محمد علي باشا والياً على مصر؛ ابتداء من عشرين ربيع الأول (1220 هـ)، الموافق 18 أيار/مايو (1805 م)؛ وهكذا انتقل محمد علي خلال خمسة وثلاثين عاماً من صبي يتيم، لا حول له ولا قوة، إلى حاكم لدولة كبرى، تراكمت فيها أمجاد ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، تبدأ بالفراعنة وتنتهي بالعثمانيين.
مزايا .. وبلايا
والسلطة ليست نعمة فقط، وإنما هي نقمة أيضاً، وصحيح أنها تجلب للمرء كثيراً من المزايا وتضع بين يديه كثيراً من السلطات، لكنها تجر عليه، في الوقت نفسه، كثيراً من المتاعب، وتتفاقم بعضها فتغدو بلايا؛ وهذا ما حدث لمحمد علي، فالرجل قد استلم بلداً كبير المساحة وفير السكان، لكن بخزينة شبه فارغة، وله فيه منافسون خطيرون، كم أن مصر كانت تعج بآلاف الجنود المرتزقة الباحثين عن الرواتب قبل كل شيء، وفيها مغامرون لهم تاريخ عريق في حبك الدسائس وتدبير الاغتيالات، بغية الوصول إلى السلطة، وفي مقدمتهم المماليك، ثم إن مصر كانت بلداً زراعياً شبه بدائي، تسود فيها الأمية، وكان بينها وبين الحداثة بون شاسع.
هذا عدا أن لمصر موقعها الجيوسياسي الهام منذ عهود الفراعنة، وما من غاز قادم من الشرق أو من الغرب إلا حدّثته نفسه بالسيطرة عليها، بل سيطر عليها بعضهم فعلاً، وكان الإنكليز والفرنسيون أبرز من حرص على ذلك في العصر الحديث، ثم إن مصر كانت تنضوي تحت لواء الدولة العثمانية، ومحمد علي هو حاكم عليها بموافقة الباب العالي، ولا بد أن تكون سياساته متّسقة مع سياسات الدولة العثمانية؛ وبما يتوافق مع تعقيدات (المسألة الشرقية).
وكانت العقبة الأولى التي واجهها محمد علي هي محاولة عزله عن حكم مصر؛ ففي ربيع الآخر من سنة (1221 هـ/ 1806 م) وصلت عمارة عثمانية إلى ميناء الإسكندرية، تحمل أمير البحر التركي، ومعه موسى باشا والي سالونيك، يحمل فرماناً يقضي بتعيينه والياً على مصر بدلاً من محمد علي، وتعيين محمد علي والياً على سالونيك. وتظاهر محمد بطاعة أوامر الباب العالي، وبأنه يغادر مصر فوراً، لكنه لجأ إلى سلاحه الأقوى؛ أقصد قادة الشعب من العلماء والأعيان، فاجتمع بهم وأبلغهم الأمر، فكتبوا رسالة إلى السلطان، يلتمسون فيها بقاء محمد علي والياً على مصر، وكلّفوا إبراهيم بن محمد علي بنقل الرسالة إلى الباب العالي، وقدّم إبراهيم الرسالة إلى الجهات المختصة بمساعدة سفير فرنسا في الأستانة، وصدر فرمان جديد من الباب العالي بتثبيت محمد علي في منصب والي مصر.
ومرت هذه الزوبعة بسلام.
وجاءت العقبة الثانية من المماليك، إذ راح كل من عثمان البَرْدِيسي ومحمد الأَلْفي، وهما من كبار قادة المماليك، يناوشان محمد علي، ويناصبانه العداء، ويفسدان الأمور، فتوفي الألفي سنة (1807 م)، وقضى محمد علي على البَرْدِيسي سنة (1808 م)، فتفرق أتباعهما في البلاد بلا قيادة تجمعهم.
ومرت الزوبعة الثانية بسلام.
وجاءت العقبة الثالثة من الإنكليز، فقد رأى هؤلاء أن في بقاء محمد علي حاكماً لمصر مساساً بمصالحهم، ويبدو أن ميول محمد علي كانت مع فرنسا، ودليل ذلك أن قنصل فرنسا في الأستانة هو الذي ساعد إبراهيم بن محمد علي في إيصال رسالة العلماء والأعيان المصريين إلى الباب العالي. وجرّد الإنكليز حملة ضد محمد علي، لكن الجنود الأرناؤوط ألحقوا الهزيمة بتلك الحملة، ثم جرت مفاوضات بين محمد علي والجنرال فريزر، وعقدت إنكلترا معاهدة صلح مع مصر، تم بموجبها انسحاب الإنكليز عن مصر، وكان من نتائج فشل الحملة الإنكليزية أن الباب العالي رضي عن محمد علي، ومنحه السلطان مصطفى الرابع خلعة وسيف شرف.
ومرت الزوبعة الثالثة بسلام.
وفي سنة (1809 م) تولى السلطان محمود الثاني عرش السلطنة، فكسب محمد علي رضاه، وضمّ الإسكندرية إلى ولايته، ولم يكن الباب العالي يجود بالإنعام على محمد علي عبثاً، وإنما لأنه كان يجد فيه الوالي القوي القادر على ترسيخ سلطة العثمانيين في مصر وخارج مصر.
حروب محمد علي
وأول مهمة كُلّف بها محمد علي من قِبل السلطان العثماني هي قمع الحركة الوهّابية، وكانت نجد مركز الوهّابيين، ثم سيطروا على شبه الجزيرة العربية، ووصلت جيوشهم في الشمال إلى جنوبي سوريا، وفي الجنوب إلى بحر العرب، وفي الشرق إلى الخليج العربي (الفارسي)، وفي الغرب إلى البحر الأحمر. وصدع محمد علي بالأمر، وشكّل جيشاً من ثمانية آلاف مقاتل، يقودهم ابنه تُوسون باشا، ويبدو أن معلومات وصلته بأن المماليك ينتظرون توجّه الجيش إلى بلاد العرب، لينقضّوا عليه وعلى من تبقي من رجاله، وقرّر محمد علي اقتلاع الشوكة المملوكية من الجذور، والقضاء عليهم قضاء مبرماً، وكان (الباب العالي) يعمل في الاتجاه نفسه.
ودعا محمد علي قادة المماليك في مصر إلى حضور الاحتفال بوداع ابنه توسون باشا، فجاءت وفودهم إلى القلعة، يتقدّمهم زعيمهم شاهين بك (شركسي الأصل)، وسار موكب المماليك محاطاً بالمشاة والفرسان، ولما وصل المماليك إلى باب القلعة أمر محمد علي بالأبواب فأُغلقت، ثم أشار إلى جماعة من أخصّائه الأرناؤوط، فهجموا على المماليك، وحكّموا السيوف في رقابهم، وأمطروهم بالرصاص، فقُتلوا جميعاً، وكان عددهم أربعمئة، ولم ينج منهم إلا أحمد بك وأمين بك، ثم أمر محمد علي بتتبّع المماليك في مصر، والقضاء عليهم، وكان ذلك سنة (1226 هـ/ 1811 م).
وبالقضاء على المماليك تخلّص محمد علي من أكثر الخصوم شراسة ودهاء وعناداً، وسمّى المؤرخون هذه الحادثة باسم (مذبحة القلعة)، وكان جد الأسرة التيمورية الكردية من أكبر معاوني محمد علي في تدبير تلك المذبحة، وكأنما كان القائدان الكرديان ينتقمان من المماليك؛ لما أنزله أجدادهم بالمعظّم تَوْران شاه، آخر سلاطين الأيوبيين، من تنكيل وقتل.
وبعد الفراغ من أمر المماليك توجّه توسون باشا بجيشه إلى بلاد العرب، وبدّد شمل الوهّابيين، لكن أعاد الوهابيون الكرّة على جيشه، وألحقوا به خسائر فادحة، فتوجّه محمد علي بنفسه إلى بلاد الحجاز بجيش يتألف من عشرة آلاف مقاتل، وطرد الوهابيين من المدينة المنوّرة ومكة وجدّة، وأرسل إلى السلطان محمود الثاني مفاتيح الكعبة في صينية من الذهب الخالص مرصّعة بالحجارة الكريمة مع ابنه الأمير إسماعيل في سنة (1813 م).
وأعلن الوهابيون العصيان ثانية، فكلف محمد علي ابنه إبراهيم باشا بقيادة حملة جديدة على الوهابيين، وكان يبلغ من العمر سبعة وعشرين عاماً، فانطلق من القاهرة سنة (1816 م)، وانتصر على الوهابيين، وقبض على زعيمهم الأمير عبد الله، وأتى به إلى مصر سنة (1819 م). كما أن محمد علي قرر فتح السودان، وحاربت جيوشه في بلاد الجنوب (1820 – 1822 م)، وفي بلاد النوبة ودَنْقلة، وسيطر على البلاد الواقعة بين عطبرة والبحر الأحمر، واستتبّ له الأمر في السودان.
واستنجد السلطان العثماني محمود الثاني بمحمد علي لقمع ثورات جزر بلاد اليونان، فأقلع الأسطول المصري من الإسكندرية سنة (1821 م)، واشتبك مع السفن اليونانية، فأغرق منها ستاً وأربعين سفينة، وأسر ثلاثين سفينة، وكانت خسارة الأسطول المصري خمس سفن، واحتل الجيش المصري جزيرة رودس، وفي سنة (1822 م) أخمد ثورة قبرص، وكان السلطان قد أصدر فرماناً بتعيين محمد علي حاكماً عليها إضافة إلى مصر، كما استنجد به لقمع ثورة جزيرة كريت، وأعاد محمد علي الأمن إلى الجزر الثلاث رودس وقبرص وكريت.
وفي سنة (1824 م) أصدر السلطان محمود الثاني فرماناً بتعيين محمد علي والياً على بلاد المورة (اليونان)، بغرض القضاء على ثورات اليونانيين ضد الحكم العثماني، فجهز محمد علي حملة مؤلفة من ثمانية عشر ألف جندي، ومئة وخمسين مدفعاً، وذخائر كثيرة، تنقلهم مئة سفينة، وتحرسها ثلاث وستون سفينة حربية، وأتبعها سنة (1826 م) بنجدة مؤلفة من عشرة آلاف مقاتل، واثنتين وتسعين سفينة، منها إحدى وتسعون سفينة حربية.
وأصدر السلطان فرماناً بتعيين إبراهيم باشا قائداً عاماً للأسطولين العثماني والمصري، وحقق إبراهيم باشا عدة انتصارات على اليونان، وحاصر أثينا سنة (1827 م)، فاستسلمت له، وسرعان ما تدخلت روسيا وإنكلترا وفرنسا ضد إبراهيم باشا، ودارت معركة حربية بحرية بين الجانبين في نافارين (نوفارين) وأغرق الأسطول المصري، واضطر إبراهيم باشا إلى الجلاء.
كما توجّه محمد علي بفتوحاته شمالاً نحو بلاد الشام، وفي سنة (1832 م) سقطت عكا في يدي ابنه إبراهيم باشا، ثم خاض محمد علي الصراع ضد العثمانيين أنفسهم، وحقق ابنه إبراهيم باشا انتصاراً على الأتراك في معركة حمص سنة (1833 م)، ثم اتجه شمالاً نحو حماه فحلب لمطاردة القوات التركية، وانتصر على الجيش التركي في معركة بيلان سنة 1832 م، فتراجع الجيش التركي إلى قونية، فتقدم إبراهيم باشا بجيشه نحو قونية سنة (1832 م) وألحق الهزيمة بالجيش التركي هناك أيضاً
وبعد معركة قونية وهزيمة الجيش التركي، عُقدت اتفاقية كوتاهية بين الطرفين في سنة (1833 م)، وتم بموجبها تولية محمد علي على مصر والحجاز وكريت، وتولّى ابنه إبراهيم باشا عكا ودمشق وطرابلس وحلب، وحاولت تركيا خلال ذلك تقوية جيشها، وقررت الحكومة المصرية الاستقلال عن الدولة العثمانية، وقرر الباب العالي إعداد جيش قوي بقيادة حافظ باشا لمحاربة محمد علي.
وكان الجيش التركي مؤلفاً من ثمانين ألف مقاتل، وثلاثمئة مدفع، وكانت القوات المصرية مؤلفة من خمسين ألف مقاتل، و162 مدفعاً، وانضم إليه ثمانية آلاف مقاتل غير نظامي، و25 ألف من البدو، و16000 ماروني، وكان ذلك في أواخر سنة (1839 م)، ودارت المعركة قرب نصيبين (مقابل القامشلي في الجانب التركي من الحدود)، وبعد كر وفر ألحق الجيش المصري الهزيمة بالجيش العثماني، واستولى الجيش المصري على مقر القائد التركي حافظ باشا بكامل معداته، كما استولى على (140) مدفعاً تركياً بذخائرها، وعلى ألفي بندقية، وعلى خزينة حافظ باشا، والأوراق والخطط والأوسمة، وبلغت خسائر الجيش المصري (3000) فقط بين قتيل وجريح، وجدير بالذكر أن الزعيم الكردي الأمير بدرخان بك كان يتهيّأ للثورة ضد الحكم العثماني حينذاك، وكان ثمة تنسيق بينه وبين إبراهيم باشا في هذا الميدان.
ومن نتائج تلك المعركة أن الطريق إلى إستانبول أصبحت مفتوحة أمام إبراهيم باشا، وقام أمير البحر التركي أحمد فوزي باشا بتسليم الأسطول العثماني إلى الحكومة المصرية، لكن سرعان ما تدخلت روسيا وبريطانيا وفرنسا لحماية السلطة العثمانية، فهدّدت محمد علي بالقضاء المبرم على سلطته في مصر ما لم يكفّ عن تهديده للدولة العثمانية، وجردته من ممتلكاته في بلاد الشـام، وألزمته بنسبة محددة وقليلة من القوات العسكرية، وجعلت له حكم مصر حكماً ذاتياً، على أن تكون من بعده لأكبر أولاده سناً.
إنجازات حضارية
لا شك أن محمد علي باشا هو باني مصر الحديثة، وصانع مجدها، وهو الحاكم الذي انتقل بها من العصور الوسطى إلى عصر الحداثة، وخرج بها من الفوضى والاضطراب، ووصل بها إلى مصاف الدول العظمى في ذلك الوقت، ويقول كلوت باشا، وقد عاصر محمد علي، وأشرف على إصلاحاته في مجال التعليم الطبي والصحة العامة:
” لست أدعو أحداً إلى اعتبار والي مصر واحداً من رسل الحضارة والمدنية، بل أدعو إلى وجوب اعتباره من فحول الرجال والعبقريين، وإنه مع كونه لم يعلم شيئاً من شؤون الأمة التي ظهر بينها أمره، ولم يجد منها تشجيعاً ولا مؤازرة على العمل، قد سلك مسلكاً مبنياً على الحذق وحسن التدبير، رام به الاستيلاء على زمام الحكم أولاً، ثم الاحتفاظ به بعد ذلك “.
وأدرك محمد علي بفكره الثاقب أن نهضة مصر لن تتحقق إلا بسواعد أبنائها، وان جيش مصر يجب أن يكون مصرياً، فعمد إلى تكوين جيش جديد يقوم على تجنيد المصريين، ويتّبع أحدث الأساليب الأوربية، ويتزوّد بأحدث الأسلحة، وهو ما عرف باسم (النظام الجديد)، فلم يتحمس رجال الدين لإصلاحاته، بل رفضوها، وسخروا منها، واتهموا (النظام الجديد) بأنه بدعة، مرددين الحديث النبوي: ” كل مُحدَثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار”، ونفر الأهالي من النظام العسكري الجديد، وأطلقوا على محمد علي لقب (باشا النصارى)؛ لاستخدامه معلمين أوربيين في تشكيلات الجيش المصري.
لكن محمد علي لم يعبأ بالعوائق التي اعترضت طريق مشروعه التحديثي، وسار به أشواطاً إلى الأمام، مقتنعاً أنه لا بد من الاطلاع على التقدم العلمي في أوربا، والإفادة منه، يقول د. أنور عبد الملك:
” بقي مع ذلك أن محمد علي هو أول حاكم أو رئيس دولة شرقي يواجه، بطريقة حازمة، متطلبات التحديث. إن عبد الرحمن الرافعي، وهو عدو معروف للأسرة المالكة السابقة، يرى هذا الرأي، ويتحدّث عنه واصفاً إياه بالعبقرية “.
واهتم محمد علي بإرسال البعثات التعليمية إلى دول الغرب، وقد مر أنه استلم السلطة سنة (1805 م)، وفي سنة (1809 م) أرسل البعثة الأولى إلى إيطاليا، لدراسة العلوم العسكرية، وبناء السفن، ولتعلم الطباعة وفنون الهندسة، وبدءاً من سنة (1826 م) قام محمد علي بإرسال البعثات إلى فرنسا، وأشهرها البعثة التي شارك فيها الطالب الأزهري الشيخ رفاعة الطهطاوي، وكانت تضم (44) طالباً؛ درس ستة منهم القانون والإدارة وعلم السياسة، وتخصص الآخرون في علوم الحرب والهندسة. وبين عامي (1828 – 1836 م) أوفد محمد علي (108) من الطلبة إلى كل من بريطانيا والنمسا وفرنسا، ووزعهم على تخصصات الصناعة والبحرية والعلوم والطب.
وجدير بالذكر أن محمد علي كان أمياً، ولم يتعلم القراءة والكتابة إلا بعد أن تجاوز الأربعين من العمر، وكان حريصاً على قراءة الأخبار والوثائق، واهتم في الوقت نفسه بتشجيع عملية الترجمة، و ذكر كلوت بك أن محمد علي كان يشدد على المترجمين بالعناية في نقل ما تكتبه الصحف إليه، وأنه كثيراً ما كان يقرأها بنفسه، وذكر كلوت بك أيضاً أن محمد علي أمر بترجمة عدد كبير من المؤلفات التي قامت (جمعية نشر الثقافة النافعة) بطباعتها.
ولم تقتصر إنجازات محمد علي على هذه الميادين العلمية فقط، مع أنها بالغة الأهمية، وإنما بُني في عهده كثير من القلاع والحصون والأبراج، والقصور والعمائر الفخمة، والمساجد، والقناطر، وبنى دار الضرب (السكّ) لصناعة النقود، وتسمى (ضربخانه)، ودار المحفوظات (دفتر خانه)، وأقام مصانع الغزل والنسيج.
وقبل عهد محمد علي كانت الصناعة في مصر مقتصرة على نسج الكتّان والصوف والنجارة والسبك وصناعة الحصر وغيرها، فلما تولّى حكم البلاد جمع أرباب الصنائع في القلعة سنة (1221 هـ/1806 م)، وجمع لهم ما في المخازن من الخشب والحديد، فشرعوا في صنع آلات الحرب وصبّ المدافع وما يلزمها من العجلات والعربات، واستعداداً لإنشاء المصانع الحديثة أوفد عدداً من الصنّاع والفنيين المهرة إلى أوربا؛ لإتقان الصناعات، كي يحلّوا محل العمال الأجانب، واستقدم العمال المهرة من فلورنسا بإيطاليا، وأنشأ محمد علي بعد عام (1827 م) في القسم الجنوبي من قلعة القاهرة، مقر السلطة، دار صناعة كبرى، تضم مصانع متنوعة، أهمها مصانع الأسلحة والذخيرة، وطرق النحاس، وصب المدافع، والسيوف والرماح والسروج واللُّجُم، وصناديق الذخيرة، وغيرها.
أقوال.. وشهادات
للشخصيات المشهورة في تاريخ الشعوب طابع إشكالي، وتختلف الآراء والأقوال فيهم بحسب زاوية النظر إلى إنجازاتهم وممارساتهم، ونعتقد أنه من غير الصواب إضفاء القدسية على غير المقدس، ومن غير الصواب أيضاً تناول الحدث التاريخي من منظور خرافي أسطوري؛ وهذا ما ينبغي أن ننتبه له في حديثنا عن شخصية محمد علي، فهو لاعب قدير في ميدان فن المغالبة، بل هو ابن عصر المغالبة بجدارة فائقة، فقد استطاع بفضل عبقريته وكفاءته أن يتحول من صبي يتيم مشرد؛ إلى مقارع لاثنتين من أكبر إمبراطوريات القرن التاسع عشر: الإمبراطورية العثمانية في الشرق والإمبراطورية الإنكليزية في الغرب، وهذا في حد ذاته أمر يثير الإعجاب.
وما كان لمحمد علي أن يحقق ما حقق لولا تميّزه بقدر كبير من الدهاء والحنكة، ولولا مهارته في إحباط الدسائس، ونصب الفخاخ السياسية والحربية، وأيضاً لولا قدرته على اتخاذ القرارات الصارمة بالبطش والتنكيل حينما يقتضي الأمر ذلك، وهذا ما فعله مع المماليك أعدى أعدائه.
ولكن عندما يلقي المرء نظرة عامة على سيرة هذا الرجل يجد أنه كان شخصية متميّزة حقاً، وكان متصفاً بخصال قيادية وإنسانية رفيعة، وإذا كان الشيخ عبد الرحمن الجبرتي- وهو أزهري معاصر لمحمد علي- قد نقم في كتابه (تاريخ عجائب الآثار) على محمد علي، لقيامه بتحديث المجتمع المصري، ولقضائه على المماليك، ويسميهم (المصريين)؛ فإن شيخاً أزهرياً آخر لم يبخس محمد علي حقه، وتفهّم أهمية إصلاحاته، وهو الشيخ خليل بن أحمد الرجبي، وكان معاصراً لمحمد علي أيضاً.
ونستعرض فيما يأتي بعض شهادات الرجبي في خصال محمد علي.
• ” فمنها أنه مع عظيم جلالته، وكبير همته، وشدة قوته، لطيف الألفاظ، … بحيث إنه لا يخاطب الكبير والصغير ولا الجليل ولا الحقير، إلا بألطف عبارة، وحسن انسجام، مع تنزّه خطابه عن الصعوبة على الدوام “.
• ” ومن أخلاقه العظيمة كثرة العفو عن المذنبين، وتجاوزه إساءة المسيئين، ولو أردت عدد الأشخاص ممن حصل له ذلك لأجهدت الأنفاس، وملأت القرطاس، ولا سيما من كانوا متصفين بعداوته، ومتوسمين بمخالفته، فإنهم لما التجأوا إليه سامحهم من زلاتهم، وستر عنهم عورات جناياتهم، وأعطاهم الأموال الجزيلة، وفرض لهم العلوفات [الرواتب] الجليلة، وملّكهم المنازل، ورتّب لكل شخص خرجاً يكفيه، حتى صاروا له من أعظم المحبين”.
• ” ومن أخلاقه الجليلة فرضه للفقرا جميـعاً من العرب والأتراك وغيرهم من المساكين بمصر في كل جمعة وشهر دراهم ودنانير جزيلة يأخذها مشايخهم ونقبـاؤهم، ويفرقونها عليهم أجمعين، بحسب حالهم واختلاف مراتبهم في الضعف والمسكنة، فيأخذ كل شخص منهم قسمه ونصيبه، فينفقه على نفسه وأهله، وهذه حالة عظيمة وخلق شريف، … “.
• ” ومن أخلاقه الجميلة ترتيبه في كل عام للأيتام الذي يقرؤون القرآن في المكاتب، وللأولاد الصغار من أولاد الفقراء وذراري الضعفاء الدراهم والدنانير، يفرقها عليهم جميعاً، فيحصل لهم الفرح الزايد، ويعمهم السرور المتزايد، وكذلك يفعل مع فقهائهم وعرفائهم “.
• ” ومن أخلاقه الغريبة الحسنة الجميلة العظيمة أنه- أبقاه الله- متى بلغه ووصل إلى علمه شيء فيه بعض أضرار على أحد من الرعية- كائناً من كان- لا بد له جزماً من إزالته والتأمل فيما يصلحه، ولا يرضى بإبقاء ذلك قولاً واحداً “.
• ” من أخلاقه الجليلة الجميلة التي تميّز بها عن كثير من الأمرا والملوك والوزرا عدم محبته لسفك الدماء، فإنه لا يرغب في ذلك أصلاً، بل يعفو ويصفح، ولا يقع منه ذلك إلا لمن كان مستحقاً لذلك المعنى”.
• ” ومن أخلاقه الشريفة التي انفرد بها عدم تمكينه أحداً من الظلم للناس في مصر وسائر أقطارها، ولا يرضى لأحد من الحكام في مصر، ولا في أقاليمها وبلادها وقراها، أن يظلم أحداً من التجار، ولا من المزارعين، ولا من أحد من الفلاحين، بحيث إنه إذا بلغه أن أحداً وقع منه ذلك عزله حالاً، وعاقبه بما يراه لأمثاله…، وكان يرسل أشخاصاً لسؤال الناس عن رأيهم في سلوك الحكام من حيث الظلم والرشاوى، فامتنع الحكام عن ظلم الشعب، كما خصص لكل حاكم راتباً شهرياً كافياً، فكفوا عن أخذ أموال الناس ظلماً “.
• ” ومن أخلاقه اللطيفة أنه لا يولّي منصباً ولا حكماً لأحد في كل نوع من أنواع المصالح والخدم إلا بعد معرفة حاله وضبطه، وأنه يصلح لمثل هذا المنصب، ويسأل عنه وعن أحواله وكيفية صنيعه “.
• ” ومن أخلاقه الجليلة أنه في كل حين من الشهور يرسل للحكام، ويأمرهم بالحضور بين يديه، ويسألهم عن البلاد وأحوالها، وعن المزارعين، ويشير عليهم بما فيه النفع للعامة والخاصة، ويرجعون ممتثلين لأوامره “.
وتوضيحاً للحقيقة نقول: إن الرجبي ألف كتابه هذا بطلب من شيخ الأزهر الشيخ محمد العروسي، وكانت علاقات العروسي بمحمد علي طيبة، ولنفرض أن نصف ما قاله الرجبي هو إطراء فارغ، فماذا نفعل بالنصف الآخر من الخصال التي أوردها الرجبي لمحمد علي؟! بل كيف لنا أن نفسر نجاح محمد علي في بناء دولة مصرية حديثة مستقرة ومزدهرة؛ لولا تميّزه ببعض هذه الخصال على أقل تقدير، ولا سيما على الصعيد القيادي والإداري؟!
_ _ _ _
وظل محمد علي باشا يدير أمور الحكم في مصر بحكمة، ويعمل بإخلاص لتطويرها في مختلف الميادين، والانتقال بها إلى مصافّ الدول المتقدمة، ومن يقرأ تاريخ مصر في عهده يدرك أهمية ما أنجزه هذا الرجل، ليس للشعب المصري فقط، وإنما لشعوب شرقي المتوسط جميعاً، وجدير بالذكر أيضاً أن محمد علي لم يكن متعصّباً لدين، ولا متحيّزاً لمذهب، وقد وفّر للأقباط المسيحيين- سكان مصر الأصليين- فرصاً أكبر للحياة بأمن وكرامة، وأتاح لهم المساهمة في بناء مصر الحديثة، وكذلك كانت سياسات أبنائه وأحفاده من بعده، وتلك هي السمة الغالبة على سياسات القادة الكرد ورؤيتهم في السلطة بشكل عام.
وأخيراً فعلت السنون فعلها، وتقدّم العمر بمحمد علي باشا، وأصيب بضعف في قواه العقلية، فتنازل عن الحكم لابنه إبراهيم باشا سنة (1847 م)، وعاش حياة هادئة إلى أن توفي سنة (1849 م)، بعد أن ترك لأبنائه وأحفاده دولة ذات شأن، وظل أحفاده يحكمون مصر إلى سنة (1952 م).
المراجع
1. الجبرتي: تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار، دار الجيل، بيروت، 1990م، الجزء 3.
2. دكتور جلال يحيى: مصر الحديثة (1517 – 1805 م)، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1980م.
3. حسن الضيقة: دولة محمد علي والغرب (الاستحواذ والاستقلال)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 2002م.
4. الشيخ خليل بن أحمد الرجبي: تاريخ الوزير محمد علي باشا، تحقيق وتعليق ودراسة د. دانيال كريسيليوس، ود. حمزة عبد العزيز بدر، ود. محمد حسام الدين إسماعيل، دار الآفاق العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1997م.
5. زكي فهمي: صفوة العصر في تاريخ ورسوم مشاهير رجال مصر، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1995م.
6. دكتور محمود عباس أحمد عبد الرحمن: معالم مصر الحديثة والمعاصرة، الدار العالمية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006 م.
7. نوفل نعمة الله نوفل: كشف اللثام عن محيّا الحكومة والحكّام في إقليمي مصر وبرّ الشام أوجزه جرجي ينّي، تحقيق ميشال أبي فاضل، د. جان نخول، جروس برس، طرابلس، لبنان، 1990م.
8. يوسف الملواني: تحفة الأحباب بمن ملك مصر من الملوك والنوّاب، دراسة وتحقيق عماد أحمد هلال وعبد الرزاق عبد الرزاق عيسى، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 2000م.
وإلى اللقاء في الحلقة الثانية والأربعين.
د. أحمد الخليل في 1 – 9- 2007