الرئيسية » مقالات » الديالكتيك الاجتماعي للثورة الصينية – آب 1946-

الديالكتيك الاجتماعي للثورة الصينية – آب 1946-

“يموت العالم القديم، والجديد لم يولد بعد، وفي هذا الجو المضيء- المعتم، ترتع الوحوش”

مثلما أيقظت ثورة اكتوبر الاشتراكية الملايين من الناس والشعوب في العالم لخوض نضال نشيط في سبيل التقدم والعدالة الاجتماعية! فان الثورة الصينية الاشتراكية شجعت الانسانية على التعلم من التقاليد الثورية وخوض غمار الكفاح العنيد لنيل الاستقلال الوطني الناجز والسير قدما في طريق الاصلاحات في ظل الاوضاع الدولية المتغيرة…
كانت اليقظة الوطنية العظيمة والوحدة الوطنية غير المسبوقة والمقاومة الوطنية البطولية للشعب الصينى هى العوامل الحاسمة للانتصار فى حرب المقاومة ضد العدوان اليابانى .أيدت الامة الصينية العدالة وأحبت السلام وتحدت القوة الوحشية، ولم تستسلم قط لاى ضغط خارجى . ان الجهود الملموسة للجيش والمدنيين، وتأثير الجمع بين النضال المسلح وغير المسلح، والتنسيق بين النضالات فى الجبهة الامامية وفى المؤخرة، والتكامل بين النضالات العلنية والسرية، وخاصة الاستخدام الواسع للتكتيكات والطرق البارعة المميزة لحرب العصابات التى خاضها الجيش والشعب فى مؤخرة العدو مثل عمليات نصب الكمائن وحرب الالغام والانفاق و”عصافيرالدورى”، تعد جميعا اعمالا عسكرية مذهلة فى تاريخ الحرب التى اغرقت المعتدين اليابانيين الذين كانوا فى عنفوانهم فى وقت من الاوقات فى محيط الحرب الشعبية.. لا يمكن فصل انتصار حرب المقاومة ضد العدوان اليابانى عن تعاطف وتأييد جميع الدول والشعوب المحبة للسلام والعدالة، والمنظمات الدولية، ومختلف القوى المناهضة للفاشية. فكان الاتحاد السوفيتى اول من قدم مساعدات ثمينة للشعب الصينى فى الحرب. وقدمت الولايات المتحدة دعما ملحوظا لجهود الحرب فى الصين.
في آب 1946 انطلقت الشرارات الاولى للثورة الصينية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني لازاحة حكومة بكين الممثلة لمصالح الطبقات الرجعية بعد ان تأججت التناقضات الاجتماعية والقومية الحادة ، وظل الكادحون يقدمون قرابين على جبهات الحرب العالمية الثانية في سبيل المصالح الخاصة والرأسمال الكبير ، وسادت الفوضى وتفشت البطالة ، وتدهور المستوى المعيشي للمواطنين وانخفض عموم مستوى الحياة الاجتمااقتصادية … كما لم تحل مسالة الارض والاقطاعيات الكبيرة! ودخلت الصين في ازمة متجددة على قاعدة من التناقضات الاجتماعية والقومية… لم يقم بالثورة الصينية ويفجرها سوى العمال والفلاحون الذين شكلوا العماد الاجتماعي الرئيسي للشيوعيين ، اما فصائل الجيش الاحمر فكانت القوة الضاربة للثورة. وقد ايقظت الثورة الصينية الميول الثورية في الجيش وعند الجنود، واشاعت التنوير الاجتماعي والسياسي للكادحين والعمال والفلاحين والبحارة والجنود واصحاب المهن البسيطة وصغار الموظفين ، وتشكلت اللجان الثورية الذاتية لتنظيم ادارة الامور بدقة في صفوف الجنود ولمواجهة الارتدادات المتوقعة والنشاط الرجعي لحكومة بكين .
لم يلعب قادة الحزب الشيوعي الصيني بحنكة في العقول المتخلفة للناس كما تدعي حكومات الغرب الرأسمالي ولم يوظفوا الدعاية الشيوعية للتحكم بجهل الكادحين وجرهم كالخراف بشعارات وديماغوجية واستعراضية وميكافيلية!كان الحزب الشيوعي الصيني قائدا ملهما محتقرا للغطرسة والتعجرف والتعالي والولائية والوصولية والصهيونية والماسونية والاكليروسية لكنه ادرك موضوعية الاحداث بعقلانيــة وبصيرة ثاقبة وعلمانية غير مهادنة واهمية الزمن لانه سيف ذو حدين ! الشيوعيون اعداء الارهاب … لا يعرفون التردد وانصار ثابتون للمجتمعات المدنية! الشيوعيون بارعون زمن السلم والحرب. وهم قادة وتلامذة فن الانتفاضة المسلحة!. الارهاب شرك وفخ الرأسمال الكبير والاجنبي للتحولات الديمقراطية . اما العمل الثوري الشيوعي ابان الثورة الصينية فتركز على اعتقال المناوئين لوقف اعمالهم الضارة وعزلهم عن المجتمع في محاكمات عادلة علنية . ولم يخلو النشاط الشيوعي في حينه من شحنات سلبية ايضا أساءت إلى سمعة الشيوعيين وابعدت قسم من الناس عن الثورة.
نعم ، لا يتجرأ حتى ألد أعداء الاشتراكية على نكران تأثير الثورات الاشتراكية الكبير على مصير الانسانية .. لقد كانت الثورة الصينية ملحمة كفاحية جبارة ومذهلة في الزحف الطويل لمقاومة حكم الكومينتانغ واقامة حكم الشعب رغم اعوام الاضطهاد السياسي الشمولي والانتعاش المافيوي والتبقرط الحزبي والركود والجمود العقائدي التي لم تستطع بمجملها إن تقضي على روح الثورة الصينية ومثلها الكامنة في نفوس المواطنين الصينيين .. إن راية التجديد الاصيل عبر الاصلاحات الاقتصادية ، والتطوير السريع للاقتصاد وفسح المجال الواسع لاقتصاد السوق والاستثمارات الخارجية فيما يسمى باشتراكية السوق – كونها مرحلة من التحول طويل المدى نحو الاشتراكية (الطريق المختصر لبناء الهياكل الأساسية للرأسمالية ومؤسساتها، مع التقليل بقدر الإمكان من الاحتكاكات والآلام المصاحبة للتحول إلى الرأسمالية ) لا زالت شعار الحزب الشيوعي في الصين الشعبية مع اتخاذ كل اجراءات الحيطة واليقظة للاستفادة من مأساة تجربة تفكك الاتحاد السوفيتي ونهوض المشاعر القومية العدائية- النتيجة الحتمية للثورة الديمقراطية البرجوازية المضادة بقواها من بيروقراطية حزبية ، وبورجوازية ظل، ورأسمال اجنبي … ويدرك الحزب الشيوعي في الصين الشعبية (الذي عقد مؤتمره الوطني الأول في شنغهاي في فترة 23-31 يوليو 1921 واعلن فيه عن تأسيس الحزب الشيوعي الصيني…) يدرك التناقضات والصراعات التي تجري في الصين المعاصرة ومخاطر التحالفات الطبقية الممكنة بين سلطات الدولة والطبقات الجديدة من كبار رأسماليي القطاع الخاص والفلاحين في المناطق التي زاد ثراؤها بفضل أسواق الحضر، والطبقات المتوسطة المزدهرة لتعزيز الإمكانيات المتاحة أمام الطريق الرأسمالي في الصين ومواجهة الطبقة العاملة! كما ويدرك الحزب الشيوعي ان الاشتراكية تعني قبل كل شيء تحرير الإنسانية، وبالتالي بناء شكل من تنظيم المجتمع متحرراً من الخضوع لمتطلبات التراكم الرأسمالي، وبذلك تكون الاشتراكية والديمقراطية غير قابلين للانفصال ، ويدرك الحزب الشيوعي ايضا ان انتصار المستقبل الاشتراكي العادل للبشرية هو في نهوض الموديل الناجح الذي يعيد فتح الآفاق امام المشروع التاريخي والذي ضحى ملايين البشر من اجل تحقيقه …. مع ذلك لا تقل البورجوازية الصينية الجديدة في أنانيتها وابتذالها عن البورجوازيات الكومبرادورية والطفيلية في بلدان العالم الثالث المعاصرة ، رغم انها لا تحتل حتى الآن واجهة المسرح السياسي لكنها لا تُعدَم الوسائل (بالإفساد ضمن وسائل أخرى) للتأثير على القرارات.ويبدي شباب الطبقة الوسطى المزدهرة مظاهر “الأمركة” .. ففي الوقت الذي كان فيه أبناء العمال يذهبون فيما مضى للاتحاد السوفييتي لتعلم صناعة محركات الطائرات ، فان أبناء الطبقة الوسطى الجديدة يذهبون للولايات المتحدة لتعلم “إدارة” الفنادق! . .. سيحدد المستقبل مدى صوابية السياسات التي اتبعت في العقود الاخيرة من منظار التحول اللاحق تحو الاشتراكية ..
إن النجاحات التي تحققت خلال ربع القرن الاخير ـ النمو الاقتصادي المتوازن وغير العادي، والنمو الحضري الضخم (انضمام 200 مليون نسمة لسكان الحضر ،واستيعاب التكنولوجيا بشكل فائق لم تكن قد تتحقق بدون الثورة وميراثها الكفاحي الضخم. ” الصين بلد فقير لا نرى فيه سوى عدد قليل من الفقراء” والصين تطعم 22 % من سكان العالم مع أنها لا تمتلك سوى 6 % من الأراضي القابلة للزراعة في الكوكب، وهذه هي المعجزة الحقيقية!…. بالطبع انها المعجزة الحقيقية اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان الصين بدأت من مستوى تطور اكثر تخلفا من روسيا اكتوبر 1917.
نقلت الثورة الصينية مجتمع هذه البلاد إلى الحداثة، والمجتمع الصيني مجتمع حديث بحق، ويتضح هذا من جميع مظاهر تصرف مواطنيه. ويعيش الصينيون حاضرهم، غير متأثرين بتلك الأنواع من الحنين إلى ماضٍ أسطوري معادٌ تشكيله، وهم لا يعانون من مشاكل “الهوية”. ويمتلك كادحو الصين الثقة الكبيرة بالنفس، ويعرفون أن نضالاتهم تؤتي ثمارها، وقد تخلصوا لدرجة كبيرة من مواقف الخضوع .. فالمساواة قيمة مهمة من الأيديولوجية العامة في الصين الشعبية . وفي الصين لازال الحصول على الأرض أحد الحقوق الأساسية المُعترف بها ويدرك الحزب الشيوعي أن التخلي عن هذا الحق يعني تحويل الأرض إلى سلعة ..
من جديد الثورة الصينية ثورة شعبية اشترطت المسار الموضوعي الكامل للتطور الاجتماعي في الصين . وعندما يشار لها يأتي ذكر (ماركس ، انجلز ، لينين ، ماوتسي تونغ ، دينغ هسياو بنغ … ). وماوتسي تونغ هو زعيم المرحلة الأولى في تاريخ الحزب الشيوعي الصيني وحقق انتصار الثورة الديمقراطية الصينية الجديدة بفضل إظهاره لدور الفلاحين بشكل رائع وعارض طريق النزعة الإصلاحية. حتى بعد تأسيس الصين الجديدة، ظل يتمسك بجعل الصراع الطبقي مركز ثقل أعمال الحزب ، وطبق الماركسية بصورة مرنة. ودينغ هسياو بنغ هو المرشد والاب الروحي لكل التحولات الاقتصادية اللاحقة والمتواصلة حتى الآن… لقد اكد الحزب الشيوعي الصيني لاحقا ان المسارات الموضوعية للتطور الاجتماعي في الصين لا تأتي بالقفزات الكبرى والثورات الثقافية او المغامرات التي تحمل طابع التسريع القسري في تحقيق التقدم الاجتماعي.
يتطلع شعبنا العراقي في نضاله الصعب العنيد المتعدد الاوجه الى المزيد من دعم وتضامن الشعب الصيني والحزب الشيوعي الصيني وكل قوى السلام والقوى والحركات التقدمية والديمقراطية في العالم لدحر الارهاب والطائفية السياسية ، وازالة تركة الدكتاتورية والاحتلال، واستعادة السيادة الوطنية الكاملة، وارساء مقومات دولة المؤسسات والعدل والقانون، وبناء العراق الديمقراطي الفيدرالي الموحد… وفي سبيل النضال المشترك من اجل التحرر والديمقراطية والتقدم الاجتماعي، وإعلاء قيم التقدم الاجتماعي والديمقراطية الحقة .
كل الفخر والاعتزاز لنضال الحزب الشيوعي في الصين الشعبية اليوم لبناء اشتراكية خالية من الشوائب البورجوازية والشحنات السلبية والعقائدية الجامدة!..