الرئيسية » مقالات » سوريا والإمعان في القمع والطغيان والاستعداد للحرب !

سوريا والإمعان في القمع والطغيان والاستعداد للحرب !

بادرت العديد من منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني وشخصيات سياسية واجتماعية وطنية إلى إصدار بيانات إدانة واحتجاج تعلن فيها أن النظام السوري نفذ موجة جديدة من الاضطهاد ضد منظمات وشخصيات المجتمع المدني وحقوق الإنسان في سوريا. فالقضاء السوري غير المستقل والخاضع للسلطة التنفيذية وأجهزة الأمن السياسي أصدر في الأيام الأخيرة عدداً من الأحكام السياسية ضد العديد من مناضلي حقوق الإنسان والعاملين في سبيل بناء مجتمع مدني عقلاني في سوريا , فأضاف بذلك عدداً آخر من سجناء الرأي والعقيدة إلى من كان يركن منذ سنوات وأشهر في زنزانات وسجون النظام السوري دون وجه حق ويواجه شتى أساليب وأدوات التعذيب النفسي والجسدي. كما أن هناك عدداً آخر من نشطاء حقوق الإنسان ينتظر دوره لتصدر تلك المحاكم عليه أحكامها الجائرة المنافية لكل الأسس والمبادئ والقواعد القانونية الدولية والإقليمية والمحلية. والنظام السوري مشغول منذ سنوات بثلاث مسائل تعبر عن طبيعة هذا النظام الاستبدادي وتشكل جوهر سياسته في المرحلة الراهنة , وأعني بها:
1. مكافحة ومطاردة واعتقال العناصر والجماعات الديمقراطية التي تدعو إلى إقامة المجتمع المدني وممارسة الحياة الدستورية ومنع إقامة أو تشويه منظمات المجتمع المدني , باعتبارها منظمات تهدد النظام السياسي الاستبدادي السوري. وطاحونة الاعتقالات وإصدار الأحكام تعمل دون توقف. كما أنها تقوم بمطاردة الكُرد الذين يطالبون بحقوق متساوية مع بقية المواطنين السوريين ومنحهم الجنسية السورية بدلاً من تسليط الإرهاب والقمع عليهم وزجهم المتواصل في السجون وإصدار الأحكام القاسية بحقهم.
2. تنشيط التحالف السياسي بين إيران وسوريا للتدخل في الشئون الداخلية لدول المنطقة , وبشكل خاص في كل من العراق ولبنان وفلسطين بشكل خاص. ويبدو أن هذا التحالف دخل مرحلة جديدة من عمليات التسليح الإيراني لسوريا الذي يمكن أن يورط سوريا بحرب جديدة مع إسرائيل يمكن أن تقود المنطقة بأسرها إلى جحيم جديد تكون محصلته النهائية المزيد من الموت والدمار والخراب لسوريا وللعديد من دول المنطقة , وربما احتلال جديد لأراض عربية جديدة , بدلاً من العمل الجاد مع المجتمع الدولي والأمم المتحدة والجامعة العربية لتحرير الأراضي المحتلة في الجولان من قبضة دولة إسرائيل المحتلة.
3. التدخل الفظ والشرس مع إيران في الشئون الداخلية للدول العربية والمشاركة في تسليح وتمويل القوى والنشاطات الإرهابية في العراق ولبنان وفلسطين والتي تؤدي إلى موت المزيد فيها. وهي لا تريد , رغم كل المناشدات, الكف عن هذه الأفعال المنافية للأخوة والجيرة والقانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان.
إن ممارسة هذه السياسات الثلاث تكلف النظام السوري المزيد من الموارد المالية وتدفع به إلى الارتهان الفعلي للنظام الإيراني الذي أصبح الممول الرئيسي لسوريا , بعد أن كانت السعودية , وأصبح المزود الرئيسي والدافع المباشر لفاتورات شراء الأسلحة الروسية الحديثة. كما أنها , وبشكل خاص , أنست النظام السوري المشاكل الفعلية التي يعاني منها الشعب السوري والتي تزيد من غضب واحتجاج الفئات الاجتماعية الكادحة والفقيرة , على حد اعتراف بشار الأسد بذلك. فسوريا تعيش تضخماً مستمراً وارتفاعاً كبيراً في أسعار السلع والخدمات والإيجارات , والبطالة آخذة هي الأخرى بالازدياد , كما نمت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر. وأصبحت سوريا إحدى الدول المتميزة والمتقدمة في ممارسة الفساد المالي والإداري والحزبية الضيقة الجائرة.
إن الوضع في سوريا لم يعد يطاق من جانب المزيد من الناس. ومما يزيد في الطين بِلةً تلك الهجرة الواسعة من العراق إلى سوريا بسبب الأوضاع الاستثنائية السائدة في العراق واستمرار الإرهاب الذي تساهم سوريا في تمويله وتنشيطه. وسوف لن تمر فترة طويلة حتى تبدأ قوى الإرهاب لتقض مضاجع الحكام السوريين لأنهم فتحوا الأبواب على مصراعيها أمام قوى القاعدة وقوى النظام الصدامي لتعمل في سوريا من أجل تخريب العراق ونشر الفوضى والموت اليومي. إلا أن أي انتصار لهؤلاء في العراق سيزيد من نشاطهم الإرهابي في سوريا ذاتها. والتفجيرات الأخيرة في سوريا تؤكد ذلك.
وأمامنا ما تنفذه الجماعة الإرهابية المسماة فتح الإسلام في مخيمات نهر البارد من خراب وموت ودمار في طرابلس بلبنان. وهي ليست بعيدة بأي حال عن التحالف السوري الإيراني , كما أنها ليست بعيدة عن التزود بالأسلحة من قوى سياسية مسلحة ومتطرفة في لبنان أيضاً.
علينا أن ننتبه إلى الحقيقة التالية: كانت المعارك الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل , التي حولت جنوب لبنان ومناطق من بيروت إلى خرائب , إضافة إلى الشهداء والقتلى اللبنانيين الذين سقطوا في تلك المعارك, كانت بالنسبة لإيران وسوريا بمثابة تجربة لحرب محتملة ضد إسرائيل , أي أنها تجربة لمعرفة قدرات إسرائيل التدميرية ومدى قدرة سوريا وحزب الله وإيران على مواجهة ذلك وضرب إسرائيل بأمل إزالتها من الخارطة! إن هذه السياسة تعبر عن مغامرة قاتلة لا يجوز السير بها , ينبغي منع وقوعها لأنها ستعني نشوب حرب واسعة ومدمرة في المنطقة , كما أن علينا أن نقدر بأن العالم الغربي سوف لن يقف مكتوف اليدين إزاء مثل هذه الحالة. وإذا كانت الولايات المتحدة هي الدولة الرئيسية التي تقدم الدعم الكامل لإسرائيل وتعمل على وفق قاعدة “أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً” , فأن سياسة إيران وسوريا وحزب الله في لبنان ستقود إلى جعل أوروبا كلها تعمل على وفق هذه القاعدة. وهي لا تعيدنا إلى المربع الأول حسب , بل وستساهم في حصول عواقب وخيمة على منطقة الشرق الأوسط بأسرها.
إن إخراج المحتلين الإسرائيليين من مرتفعات الجولان بطريق التفاوض يتطلب من النظام السوري تغيير نهجه بالكامل وجذرياً , إذ لا يمكن تحقيق ذلك دون أن يتمتع الشعب السوري بحرياته ودون أن يستند الحكم في سوريا إلى قواعد الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المواطنة وقوة التأييد الشعبي , ودون أن يطلق الحكم القائم سراح جميع المعتقلين السياسيين من نشطاء حقوق الإنسان والمجتمع المدني والمعارضة , ودون أن يكف بالتدخل في شئون العراق ولبنان وفلسطين الداخلية , ودون أن يكف عن التحالف مع نظام سياسي يقوم بتصدير الثورة الإسلامية الإيرانية إلى باقي الدول العربية والإسلامية. إن سوريا ستكون آجلاً أو عاجلاً أمام مفترق طرق , إما أن تسلك طريق السلامة أو أن تسلك طريق الندامة , وعليها أن تسير في الدرب الأول قبل فوات الأوان , إذ أن التاريخ لن يرحم من يتأخر في وعي الواقع والتعامل العقلاني معه.
29/7/2007 كاظم حبيب