الرئيسية » الآثار والتنقيبات » الحفاظ على الموروثات المعمارية في مدن اقليم كوردستان العراق (قلعة اربيل انموذج)(الحلقة الثانية)

الحفاظ على الموروثات المعمارية في مدن اقليم كوردستان العراق (قلعة اربيل انموذج)(الحلقة الثانية)

الاساليب المتبعة في الحفاظ على الموروثات المعمارية يتم وفق الاساليب الآتية: الترميم ويتمثل باصلاح التصدعات وسد الثغرات والاجزاء المتضررة في المباني التراثية بشرط ان تكون هذه الاضافات والاصلاحات متناسبة مع الهيكل الاصلي للمبنى من حيث تصميمه والمواد الانشائية المستعملة حيث انه من الضروري ان يكون هناك انسجام بين القديم والحديث وعمليات الترميم ويمكن استخدام مواد انشائية حديثة في اضافة جدران الهيكل الاصلي وبعض الاجنحة المفقودة والاجزاء الكبيرة المتضررة او الساقطة اعادة البناء وهي تشمل كل الاجراءات المتعلقة باكمال الاجزاء المندثرة للمباني التراثية والتي لايمكن ترميمها وارجاعها الى شكلها الاصلي وان عملية البناء تستنبط من الصور والتقارير او من اسس معينة او ابنية معاصرة شبيهة له لتظهر في صورة مطابقة للاصل ولاتعني اعادة البناء جميع الابنية القديمة بذات الاسلوب بل قد تقتصر على الابنية المهمة ذات القيمة التراثية التاريخية الاعلى.
الصيانة ان اكثر الاحياء القديمة الاثرية والتاريخية تعاني من مشاكل كثيرة تقتضي المعالجة حيث تتطلب صيانة الاجزاء المتصدعة منها وهذه العملية اصبحت اليوم تماثل عملية تخطيط البيئة التاريخية والاثرية باجراءات معينة حيث يتم عن طريق مساعدة السكان القيام باصلاح بيوتهم وتوفير الخدمات الاساسية لهم من خلال المشاركة الفاعلة في تطوير المستويات الطبيعية للبيئة وينبغي ان تعتبر الصيانة بأنها عملية تحديث وليس الاهتمام ببضع بنايات وفي حالات معينة قد تشمل مناطق مدنية باكملها او اقسام معينة لها قيمة تاريخية ومعمارية عالية وقد تكون الصيانة لمناطق محدودة ضمن المدينة نظراً لقيمتها الجمالية والبيئية والسياحية وينبغي في عملية الصيانة مراعاة مايأتي:
1-احترام كل ماهو اصيل في البناية.
2-توثيق كل اعمال الصيانة الجديدة.
3-يجب ان تكون المادة المستعملة في الصيانة قابلة للتمييز بينها وبين المادة الاصلية. تمويل برامج الحفاظ تتولى السلطات المختصة عادة رصد الاموال المطلوبة ضمن ميزانياتها فعملية تمويل برنامج الحفاظ تعتبر المرحلة النهائية بعد تحديد المسوحات والاولوليات والمناطق ذات القيمة التاريخية والاقتصادية والاجتماعية , حيث يتطلب الامر المباشرة في برنامج العمل لتنفيذه , ان رصد الاموال يعني توزيعها ومن محاور ثلاثة وهي:
1-مجالات البحوث التعلقة بالبرنامج
2-الجوانب التعميمة للمشاريع
3- العمليات التنفيذية وعلى الرغم من ان عملية الحفاظ على الموروث هي من واجب السلطة التخطيطية الا ان مبدأ المشاركة العامة امراً ضرورياً في هذه العملية من الناحية المادية والعلمية والعملية عن طريق توفير المساعدة قدر الامكان والامتناع عن تخريب هذه الموروثات، وان عمليات الحفاظ والصيانة والترميم تعتمد على الوسائل المستخدمة التي تتفاوت حسب البلدان من حيث الايدي العاملة ورؤوس الاموال الموجهة لخدمة المشروع , فتعتمد اذن على الوضع الاقتصادي للبلد وسياسته وبرامجه التنموية . وفي العراق فان مهمة الحفاظ على المنشآت ذات القيمة التاريخية موزعة بين الوزارات ودوائرها المختصة فضلا عن مالكي المنشآت القديمة , وفق مايأتي: ” المؤسسة العامة للاثار والتراث التابعة لوزارة الاعلام ” امانة بغداد التي تقوم بتنفيذ المشاريع في بغداد ” وزارة التخطيط ” وزارة الاوقاف ” المؤسسة العامة للسياحة ” المركز الاقليمي لصيانة الممتلكات الثقافية في الدول العربية
الحفاظ على قلعة اربيل :
اهمية قلعة اربيل بالنسبة لمدينة اربيل:
تعتبر قلعة اربيل بشكلها البيضوي النواة الاساسية التي نمت حولها مدينة اربيل , اذ تبلغ مساحة القلعة حوالي 60000م2 ويبلغ ارتفاعها حوالي 35 متراً, وقد نمت مدينة اربيل حول القلعة على شكل حلقات مبتدئة من القلعة وتخترقها شوارع شعاعية تشكل المحاور المؤدية الى مركز المدينة ومنه الى ضواحيها والى المدن المجاورة وتمتاز القلعة بتنويع استعمالات الارض متمثلة بالدور السكنية والابنية الحكومية التي كانت تستخدم كدوائر ومؤسسات رسمية والتي ظهرت فيما بعد في اسفل القلعة مكونة نسيج مدينة اربيل الجديدة بعد ان كانت هذه الابنية تحتل المساحة الواقعة في المدخل الرئيس للقلعة والمتمثل بالباب الجنوبي لها , وهذه الابنية يمكن اعتبارها المركز المدني للقلعة فقد كانت قلعة اربيل شبه مدينة كاملة فيها اسواق وجامع للصلاة ومدرسة سميت بمدرسة القلعة وقد اصبحت القلعة المقر الرسمي , ولابد ان نذكر ان استعمالات الارض التي بدأت تكون مدينة اربيل على مر السنين ماهي الانفس استعمالات الارض الرئيسة التي تألفت منها ابنية القلعة ((مدينة اربيل القديمة)). اهمية استعمالات الارض في المدينة وتأثرها بالقلعة: ان للقلعة تأثير كبير على توزيع استعمالات الارض في مدينة اربيل خاصة في المركز القديم المحاذي للقلعة , ويتضع ذلك التأثير في المنطقة المحصورة بين القلعة والطريق الخلفي الاول (سوران) وتشير الكثافة السكانية وقلة الاراضي المفتوحة فيها الى تأكيد استغلالها بشكل مكثف من اجل ان يكون السكن قريباً من القلعة وتقل هذه الكثافات في المنطقة المحصورة بين الطريقين الحلقي الاول والثاني (الهلالي) التي تميزت بالاستعمال المختلط بما فيها الاستعمالات الادارية والتجارية والصناعية والترفيهية (وتشير الكثافة العالية للسكان والشكل الحلقي للاستعمالات المختلفة ضمن المركز القديم للمدينة والمناطق المجاورة لها الى بقايا رمزية شكل من اشكال الاعتماد على القلعة باعتبارها مركز الانشطة الرئيسة للمدينة على عكس التراكمات الاخرى فقد لا نجد بالضرورة اعتمادها على القلعة بقدر اعتمادها على التراكمات الحلقية الاولى القديمة للقلعة) وهكذا يتلاشى تأثيرها كلما ابتعدت عن القلعة ويمكن دراسة اهم استعمالات الارض من خلال ما يأتي:
1 – المنطقة التجارية:
ان انشاء السوق في اسفل القلعة وعند باب الجنوبي كان بداية لظهور منطقة تجارية في مدينة اربيل والتي لا تزال قائمة على هيئة اسواق حتى اليوم ويكون تشييدها كنواة للمنطقة التجارية في عموم اربيل والتي اعتبرت منافساً قوياً للمنطقة التجارية بالقلعة, كما يعتبر نشوء وتطور المنطقة التجارية في اسفل القلعة بداية لنمو وتطور مدينة اربيل بعد ان استنفذت القلعة كل امكانيات التوسع حتى بدأت هذه المنطقة تحاط بمناطق سكنية جديدة من شرقها وغربها وجنوبها.
2-المنطقة السكنية :
ان للقلعة تأثيرا اخر على مدينة اربيل من حيث نمط واشكال المناطق السكنية التي ظهرت في اسفل القلعة واصبحت تكون بنية مدينة اربيل الجديدة ويمكن ان يكون لنشوء هذه المناطق السكنية الجيدة السبب في الزيادة التي حصلت في حجم سكان القلعة والثاني الهجرة من القرى المجاورة الى مدينة اربيل مما ادى الى ظهور ثلاث مناطق سكنية جديدة هي خانقاه وتعجيل وسعدوناوه.. ان القلعة هي نواة لمناطق سكنية جديدة , وقد بدأت هذه المناطق تأخذ استدارة القلعة بالتدريج بعد ان بدأت الشوارع الحلقية تحيط بها الواحدة بعد الاخرى.
جـ- المركز المدني:
لقد كان لقلعة اربيل مركز مدني يضم مجموعة من الدوائر الحكومية يسمى “السراي” والذي كان موقعه المدخل الرئيس للقلعة وقد خدم المركز المدني للقلعة (مدينة اربيل) حتى بداية القرن ولكن بعد ان توسعت المدينة وتعقدت امورها الادارية والسياسية ظهرت الحاجة الى انشاء مركز مدني جديد لها في اسفل القلعة يحل محل المركز القديم ولقد وقع الاختيار على موقع في غرب القلعة لا يبعد سوى (200) متر تقريباً عن حدودها.
د- شبكة الطرق:
تاثر شكل شبكة الطرق في مدينة اربيل وعلى الاخص شوارعها الرئيسة بهيكل القلعة فمنذ بداية القرن الحالي بدأت المنطقة التجارية بالنمو والتوسع كما ان ظهور المناطق السكنية الجديدة حول القلعة ادى الى فتح شارع حلقي بعرض 15 متراً وبطول 1.5 كم يحيط بالقلعة آخذاً شكلها البيضوي.
لقد حدد هذا الشارع اساس شبكة الطرق لمدينة اربيل ومنه بدأت مجموعة من الشوارع الحلقية ومجموعات اخرى من الشوارع الشعاعية تخترق اجزاء المدينة لتربطها بالمدن والقصبات المجاورة لها.
2-3 المظاهر العمرانية والاجتماعية والاقتصادية للقلعة:
أ- المظاهر العمرانية:
يتضح من دراسة قلعة اربيل ان الطابع السائد فيها هو الطابع السكني الذي يتمثل بالبيوت القديمة اذ يبلغ عدد الدور فيها (502) دار وعدد الدكاكين فيها (7) فقط وفيها مستوصف صحي وثلاثة جوامع ومن ضمنها الجامع الكبير الذي يتوسط القلعة وتتميز الدور السكنية بصغر مساحتها اذ يبلغ متوسط مساحة الدار (140) م2 لكل دار في حين بلغت الكثافة السكانية فيها (418) شخصاً للهكتار الواحد علما ان معظم الدور بحالة رديئة كما انها مزودة بنظام خدمات متخلف قياساً بشبكة الخدمات في مدينة اربيل وبشكل عام فان البيئة رديئة جدا وتحتاج الى انظمة اكثر حداثة واعمال اكثر جدية.
ب- المظاهر الاجتماعية والاقتصادية:
بلغ عدد سكان القلعة (4.272) الف نسمة في حين بلغ عدد اسر الساكنين في القلعة حوالي (654) اسرة لاشتراك اكثر من اسرة في دار سكنية واحدة وان متوسط حجم الاسرة هو (6.5) شخص وقد تخلى الكثير من سكانها عن السكن فيها لرداءة الحالة الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية وكبيئة سكنية فان قلعة اربيل لا تخلو من مشاكل وهي (حجم الاسرة وكثرة عدد الاطفال وعدم وجود اماكن مخصصة للتسلية وانخفاض المستوى الثقافي لارباب الاسر) ويمتاز سكان القلعة بكثرة تغيير محل السكن اكثر مما يفعل الساكنين في اسفل القلعة وغالباً ما يكون التغيير داخل القلعة نفسها واخيرا فان القلعة لا تتوفر فيها الكثير من البنى التحتية الاجتماعية مثل دور الحضانة ورياض الاطفال والمدارس وهذا يعكس مستوى الدخول الواطئة لقاطني تلك المنطقة التاريخية.
2-4 الحفاظ على قلعة اربيل
ان الهدف الاساسي للحفاظ على القلعة ينطلق من القيمة التاريخية والاثرية للقلعة فقد اكدت تقارير المختصين على ضرورة الحفاظ الكلي عن طريق الصيانة العامة للقلعة كما اشار بعض المختصين الى ضرورة الحفاظ الجزئي عن طريق صيانة قسم من الدور السكنية ولا بد من الحفاظ على هوية القلعة لاهمية شكلها المعماري والتاريخي واهمية تعريف الاجيال اللاحقة بتراث المدينة ونسيجها الحضري لانها من اقدم المواقع التاريخية النادرة التي تروي الكثير عن قدم الحضارة البشرية ولهذا لا بد من صيانة المنطقة برمتها وخاصة الحالة العمرانية رغم الكلف الباهظة الثمن وصعوبة التنفيذ.
بالرغم من ان للحفاظ اهمية كبيرة ضمن شروط الحد الاعلى لكنه من الممكن اعتماد مبدأ اعادة التأهيل الى جانب الحفاظ بعد ان تتهيأ دراسات شاملة للحالة الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة لتحديد شكل الحفاظ او اعادة التأهيل.
حيث ان للمواقع الاثرية والابنية التراثية التي تشغل مساحة اقل من المساحة التي تشغلها قلعة اربيل تأثير اقل نسبياً على المدن التي توجد فيها ولهذا فلا بد من خلق تناسق وتآلف بين المواقع الاثرية والابنية التراثية من جهة وبين الابنية الحديثة التي تشيد وفق مفاهيم معمارية من جهة اخرى وان استخدام احدث واحسن المفاهيم المستعملة في تخطيط المدن والهندسة المعمارية في الصيانة والحفاظ على تلك المواقع والتي يجب ان تنسجم مع واقع المدن التي تقع فيها هذه المواقع والابنية ووصفها الاقتصادي والاجتماعي والضوابط المعمول بها من قبل المؤسسات المعنية لصيانة هذه المواقع من التدهور وتعمل بكفاءة.
ومن خلال زياراتي للقلعة قبل سنوات ولعدة مرات يتضح لي انها كيان او نسيج رائع يتألق في سماء المدينة ومن الممكن ان تتجه نحوها دراسات اجتماعية وعمرانية للحفاظ على اجزاء منها وتحوير الاجزاء الاخرى والسيطرة على قسم منها ليكون بمثابة مركز رعاية مرتبط بالجهات المسؤولة لصيانة القلعة ككل. ولا بد ان يبقى هذا الكيان المتميز بطابعه القائم وازقته الملتوية كمنطقة جغرافية تاريخية اثرية تذكر الاجيال بفعل اجدادهم وطيبة اهالي تلك المنطقة والشد في نسيجها الاجتماعي ومن ثم من الممكن ان تعود الى الوطن بمردود اجتماعي واقتصادي عال باعتبارها ضمن حدود السياحة الصيفية التي يؤول اليها اغلب المواطنين في العراق والمصطافين من الدول المجاورة وحينها قد تمتد بآثارها عالمياً ومن هذا نرى ان:
1- يختار نخبة من سكان القلعة للبدء بحملة توعية للمحافظة واللجوء الى مساندتهم وتعاونهم بالتوجه نحو عمليات صيانة مرافقها الرئيسة بطابعها الحالي.
2- العمل على حجز عدة قطع او مجموعة دور وفرض طوق حولها للمحافظة عليها وفق تصميمها المتميز.
3-الحد من ارتفاع الابنية المحيطة بها او وضع قوانين مشددة تحرم بناء العمارات القريبة منها ودفعها الى مناطق بعيدة.