الرئيسية » الملف الشهري » من تاريخية الجمهورية الأولى: ثورة 14 تموز وردود الفعل الإقليمية والدولية الأولى

من تاريخية الجمهورية الأولى: ثورة 14 تموز وردود الفعل الإقليمية والدولية الأولى

جاءت ثورة 14 تموز في خضم الصراع العالمي الحاد بين قوى التحرر والمراكز الرأسمالية العالمية وضمن زمنية سيرورات (الحرب الباردة).. وفي مرحلة صيرورات الإرتقاء للحركتين الوطنية والقومية في منطقة الشرق الأوسط وعموم البلاد العربية، بإرتباطها الضمني مع حركة التحرر التي اجتاحت العالم بعد الحرب الكونية الثانية وإنتشار الفكر الديمقراطي التحرري. إذ جاءت بعد سلسلة من الأنتصارات لهذه الحركات في عالم الأطراف: الثورة الصينية والحربين الكورية والفيتنامية.. ومن ثم المصرية عام 1952، والتغيرات التقدمية في سوريا عام 1954، وانطلاق الثورة الجزائرية في ذات العام، وأخيرا قيام الجمهورية العربية المتحدة (ج.ع.م).
تعرضت، تاريخياً، الاقطار العربية والشرق أوسطية عامة لأهميتها، إلى مطامع القوى الكبرى وأمست ميداناً لصراعها العلني والمستتر وخاصةً منذ القرن السادس عشر ولحد الآن. كان العراق منذ حضاراته الأولى وفجر التاريخ، أحد البلدان الرئيسية التي شهدت تغلغلا أجنبياً. وأخذت هذه الأهمية وذلك التغلغل تتصاعد وتائرها نتيجة جغرافيته السياسية وكنائزه الطبيعية، حتى جاء القرن التاسع عشر” بالشكل الذي عزز المصالح البريطانية في العراق التي أخذت أبعادها إتساعاً وترسيخا ًخلال حقبة تاريخنا المعاصر، خاصةً وأن ظروف ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، قد خلقت مزيداً من المصالح في منطقة الشرق الأوسط عموماً. وكان العراق مرتكزاً رئيسياً في استراتيجية القوى الغربية وفي ظل مجموعة المعاهدات والأحلاف التي شكلت أبعاد تلك الاستراتيجية وأهدافها. ومن هنا يبرز مبعث الصدمة التي تعرضت لها بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، جراء قيام ثورة 14 تموز1958. إن هناك ترابطاً بين ما حدث في العراق وبين التطورات التي شهدتها المنطقة على أثر ذلك”، وما حملت من نذر شؤوم للمراكز الرأسمالية على وجه الخصوص. وهذا ما أكدته أحدى مذكرات وزارة الخارجية البريطانية المؤرخة في 15/7/1958، عن الوضع في الشرق الأوسط، الذي يسير “بصورة خطيرة وبسرعة غير متوقعة… في الوقت نفسه أن الثورة في العراق قد سببت تدهوراً سريعاً في الوضع اللبناني…الثورة العراقية قد ألقت الآن الشرق الأوسط في هيجان… والأحداث في العراق سببت بطبيعة الحال قلقاً ليس فقط في لبنان، ولكن أيضاً في النصف الآخر من الإتحاد العربي…”.
“لقد أحزنت الأحداث الدامية التي وقعت في بغداد العالم الحر بشكل عميق… وقد حدث ذلك بثورة قامت بها عناصر معينة من الجيش كانت تعمل لصالح قوى أجنبية… ونتيجة لهذه الثورة المهيأة من قبل الناصرية والشيوعية، تزعزعت وضعفت بشكل خطير مصالح وأمن الأعضاء الإقليميين لميثاق بغداد، أي تركيا وإيران والباكستان، وقد تعرض العالم الحر قاطبة لخطر الشيوعية أكثر من السابق…”.
أدت هذه التطورات السريعة والمفاجئة لثورة 14 تموز، إلى تغيرات بنيوية في الخريطة الجيو/سياسية لدول المنطقة، والاجتصادية لواقع العراق، وإنعكاسات مساراتهما على الصعيد الدولي، التي عكست، في إحدى جوانبها، صور تنافس وتصادم المصالح بين القطبين الأرأسيين المتناحرين (الاشتراكي والرأسمالي) من جهة، وكذلك الصراع بين المراكز الرأسمالية ذاتها من جهة ثانية، في منطقة الشرق الأوسط، حيث العراق قلبه من الناحية الاستراتيجية ببعديها الاقتصادي والسياسي وبالتالي أهميته العسكرية. كما قلبت الثورة موازين التخطيط الاستراتيجي المستقبلي لمصالح هذه المراكز التي باتت حكوماته في حالة إنعقاد دائم ورفعت من حالة الاستعدادات الحربية لقواتها المسلحة، خاصةً في قواعدها الخارجية وتحركت دواليب عملها الدعائي، وعم الذعر في الأسواق المالية.
لقد تجلت الصدمة في ردود الأفعال الأولى إزاء ما حدث، على السواء بين معسكرين كبيرين:
– الأول: ضم الدول المؤيدة للثورة والتي مثلتها آنذاك ج.ع.م ودول المعسكر الاشتراكي والعديد من دول الانحياز وكذلك الكم الكبير الصامت من شعوب المنطقة وعالم التحرر والقوى المستقبلية.
– الثاني: ضم الدول والقوى المناهضة للثورة، في المنطقة وخارجها، وشملت القوى المتضررة من هذا التغيير المراكز الرأسمالية، وخاصةً الولايات المتحدة وبريطانيا، والدول الإقليمية لحلف بغداد، والأردن وتلك التابعة التي لم تبلور ذاتها التحررية.

سيقف الباحث عند تحليل أحداث اليوم الأول للثورة في العراق وتفكيك ردود الأفعال الدولية وطبيعة الموقف المقترح لمواجهتها ، على ذلك التباين الشاسع بين منظومة كل معسكر وموقفه إزاء ما حدث وفلسفة الاختيار لحل هذه الأزمة الجديدة، سواءً:
على صعيد الاعتراف بالنظام الجديد أم مجابهته؛ في تحديد المسار القادم أو تحجيمه؛ في البحث عن مضمونه الاجتماعي وتوجهه السياسي؛ في ماهية القوى القائدة له وطبيعتها؛ في دوره من الصراع بين القطبين الأراسين في النظام العالمي آنذاك؛ في مدى التأثير على استراتيجية كل منهما لواقع الشرق الأوسط وما جاورها؛ وعلى واقع حركة التحرر العربية ودول المنطقة ؛ في الحرب الباردة وتكيفها للمتغير الجديد؛ على الصراع العربي- الإسرائيلي … الخ.
لقد أستبشرت مجموعة المعسكر الأول فيما حدث من مفاجأت في العراق، ومن تغيير جوهري في النظام، الذي أصبح حقيقة واقعة مُسلم بها. إذ راقبت، بعض قواه العالمية التأثير (الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية)، الوضع عن كثب وأعلنت رفضها لأي تدخل عسكري في المنطقة ، ودعت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى سحب قواتها منها.. وإستُكمل هذا التحرك بالإعتراف الرسمي بالنظام الجديد في الفترة ما بين16-19 تموز. في حين ترجمت الدول الأقل تأثيرا، موقفها من خلال الاعتراف بالنظام الجديد منذ اليوم الأول والاعلان عن المساندة المعنوية والمادية المحدودة، ومثال على ذلك ج.ع.م التي اعترفت بالنظام منذ اليوم الأول بعد أعتراف حكومة الثورة بها.. أعقبها توالي الإعترافات من اليمن وتونس والسودان وبقية الدول العربية، ثم دول عدم الانحياز الكبرى: يوغسلافيا والهند واندنوسيا- سوكارنو. لعبت هذه الخطوات الدبلوماسية والمناورات العسكرية لدول حلف وارشو، دوراً كبيرا في كبح نية التدخل العسكري وغزو العراق من قبل دول حلف بغداد، وبالتحديد تركيا، وبعض المراكز الرأسمالية العالمية.
لعبت العربية المتحدة، في أحدى قممها الزمنية النيرة، قبل إشتداد صراعها ومن ثم عدائها لثورة 14 تموز، دوراً كبيراً في إسناد الجمهورية الوليدة، لدوافع عديدة فرضتها من جهة طبيعة الصراع الذي كان مشتداً أواره في المنطقة بين أقطابه المتناحرة، بين تلك المتحالفة مع الغرب والدول الأخرى الطامحة للاستقلال والتحرر وتحقيق الذاتين القومية والوطنية، وبالأخص بين عراق نوري السعيد، ومصر الناصرية؛ ومن جهة ثانية مثلت الثورة العراقية إضافة نوعية جديدة لحركة التحرر الوطني في المنطقة وبالتالي تعديل موازين القوى لصالحها ؛ ومن جهة ثالثة تحقيق الناصرية لبعدها الأنوي وتوسيع شعبيتها التي ترامت في الانتشار في العالم العربي باعتبارها قطب التحرر فيه. تجلى هذا الإسناد للعربية المتحدة من خلال:
– الإعتراف المبكر بالنظام الجديد؛
– إعلانها حالة التأهب القصوى للقوات المسلحة في كلا الإقليمين؛
– واعتبار أي عدوان على العراق، عدواناً على ج.ع.م وستطبق إلتزاماتها على وفق ميثاق الضمان الجماعي العربي؛
– التأييد الكامل للثورة من خلال إعادة بث جهازها الإعلامي لكل ما يصدر عن العراق؛
– “توجيه عدد من النصائح إلى قادة الثورة الجدد…”؛
– أمدت الوحدات العراقية قرب الحدود بالأسلحة والذخيرة لمنع أو عرقلة الزحف المتوقع من قوات الاتحاد الهاشمي في الأردن؛
– حث دول المعسكر الاشتراكي والدول المتحررة على تأييد الثورة والاعتراف بها.

في الوقت نفسه كان الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية وبقية دول منظومة الكتلة الاشتراكية تراقب الوضع عن كثب، وأعلن الزعماء السوفيت رفضهم الشديد لأي تدخل في منطقة الشرق الأوسط عامةَ والعراق خاصةً. وقد أصدروا بياناً في 16 تموز أعلنوا فيه اعترافهم الرسمي بالنظام الجديد، من خلال رسالة خروشوف السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفيتي للزعيم قاسم . كما دعا البيان الولايات المتحدة لسحب قواتها من لبنان، وهم يحتفظون بحقهم لاتخاذ الاجراءات الضرورية للمحافظة على السلام والأمن في المنطقة. آنذاك إعتمد السوفيت سياسة الحربين النفسية والسياسية في البدء.. وكان يُتوقع ارسال مساعدات وقوات ومتطوعين عبر سوريا وهذا ما أشارت إليه الوثائق البريطانية وحلف الأطلسي. إذ ” بعثت السفارة البريطانية برقية لاحقة في اليوم التالي، 17تموز، ذكرت فيه أن البيان الذي أصدرته الحكومة السوفيتية:
1- يعبر عن السخط من التدخل المسلح للولايات المتحدة في لبنان ويرفض تبريراتها أزاء ما أقدمت عليه.
2- ينص على أن الأعمال الأولى للحكومة العراقية الجديدة، هي مزيد من الدليل على أن الشعب العربي قد عقد العزم على تحقيق التحرر من الاستعمار وعلى تطوير اقتصاده الوطني.
3- يلاحظ أن الحكومة العراقية قد عبرت عن عزمها وتصميمها على التقيد بمبادئ باندونغ وميثاق الأمم المتحدة والانسحاب من حلف بغداد.
4- يعلن أن قد خطط ليس فقط ضد لبنان، وإنما ضد كل الأقطار العربية المحبة للحرية.
5- يدعي أن تدخل الولايات المتحدة قد أوضح بما لا يقبل الشك، أن حكومة الولايات المتحدة رفضت المقترح السوفيتي في 11 شباط 1957 بشأن عدم التدخل، حتى تبقى يدها حرة.
6- ينص على أن مجلس الأمن والجمعية العامة، يجب أن يتخذا الإجراءات الفورية والحاسمة لإيقاف العدوان وحماية الاستقلال الوطني للدول العربية.
7- يختم البيان على النحو الآتي: إن الحكومة السوفيتية، تناشد على وجه السرعة حكومة الولايات المتحدة لإيقاف تدخلها المسلح في الشؤون الداخلية للدول العربية، وسحب قواتها من لبنان فوراً. إن الاتحاد السوفيتي لا يستطيع أن يبقى غير مبال أزاء ما يجري من أحداث تخلق تهديداً جدياً في منطقة محاذية لحدوده، وهو يحتفظ بحقه في إتخاذ الإجراءات الضرورية للمحافظة على الأمن والسلام”.
وأقترح الاتحاد السوفيتي في 30 تموز، دعوته ” لعقد اجتماع لرؤساء الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وبريطانيا (وفرنسا) والهند بإشتراك هيئة الأمم المتحدة لمناقشة الوضع في منطقة الشرق الأوسط وانسحاب القوات الامريكية من لبنان والبريطانية من الأردن “. ويُترجم هذا الإقتراح، الذي رفضه الغربيون بإستثناء فرنسا ديغول، في بعض جوانبه، الاهتمامات السوفيتية بالقضية العربية والدفاع عنها، وهو بذلك يكسب رصيداً لا يستهان به في الشرق الأوسط، خاصةً لدى الحركات السياسية الديمقراطية واليسارية، الوطنية منها أو القومية. ولذا إذا كان يمكن أعتبار 1956عام الدخول الواسع للاتحاد السوفيتي إلى الساحة السياسية في الشرق الأوسط عبر البوابة المصرية. فإن عام 1958 كان عام تثبيت مكانة الاتحاد السوفيتي في المنطقة، الذي تعزز بانتصار ثورة تموز، التي تحولت إلى رمز للتطور السياسي بين دول المنطقة والنزوع نحو التحرر.
لقد سبق وأن وجه الاتحاد السوفيتي، مذكرة إلى الحكومة التركية في 18 تموز ” جاء فيها بأن هناك استعدادات واسعة النطاق في تركيا للقيام بهجوم ضد العراق وحذر في مذكرته من الاعتداء على العراق. فردت الحكومة التركية في 22 تموز مؤكدة أن أعمال تركيا هي دفاعية بطبيعتها. إلا أن الحكومة السوفيتية بعثت بمذكرة أخرى في 24 تموز حذرت فيها تركيا مجدداً من القيام بتحركات عسكرية ضد العراق، وقد أتضح أخيراً بأنه كان في نية تركيا التدخل العسكري في العراق إلا أن موقف الاتحاد السوفيتي حال دون ذلك “.
لم يكتفي الاتحاد السوفيتي بالطرق الدبلوماسية، لوقف اندفاع دول حلف بغداد لغزو العراق، بل أخذ يلوح بالقوة العسكرية، إذ أعلن أن القوات البرية والجوية والبحرية السوفياتية ستقوم بمناورات عسكرية في المناطق الجنوبية المتاخمة للحدود الإيرانية والتركية من جهة وقيام دول حلف وارشو بمناورات في بلغاريا بالقرب من الحدود التركية. وأصدرت وزارة الدفاع البلغارية بيان جاء فيه: “طبقاً لخطة التدريب القتالي المقررة لجيش بلغاريا الشعبية سيطبق تمرين عسكري للقوات الأرضية والجوية والبحرية يوم 18 تموز1958 وقد وضعت فرقة جوية سوفياتية بإمرة مارشال القوة الجوية سيكو لتساهم في التمرين مع جيش بلغاريا الشعبي … وفي 3آب/اغسطس 1958 صدر بيان مشترك عن الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية بشأن الموقف في اللشرق الأوسط كرر فيه الطرفان الدعوة إلى عقد اجتماع لرؤساء وزارات الدول الكبرى لبحث الأزمة. وشدد البيان على سحب القطعات الأمريكية والبريطانية فوراً من لبنان والأردن. ولقد عززت البيانات التي صدرت من الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية موقف قيادة الثورة في العراق وأفهم العالم بأن أية محاولة للتدخل ضدها ستؤدي إلى تصادم مسلحح بين الشرق والغرب وبالتالي إلى حرب عالمية ثالثة تلعب بها الاسلحة المدمرة دوراً حاسماً”. (التوكيد منا-ع.ن)
لعب الموقف السوفيتي الحدي والمبدئي، دورا مهماً في كبح إحتمالات التدخل التركي من جهة, ومن جهة ثانية أثر على الرؤية البريطانية وأقنعها بأن رد السوفيت سيكون عنيفاً وقد يطور الحالة إلى حرب واسعة النطاق ستضر بالمصالح البريطانية. ” ويبدو من اسباب هذا التغيير ليس فقط عدم رغبة الأمريكان في تصعيد الموقف أو الأزمة في الشرق الأوسط التي ظهرت جليا عبر عدم تشجيع تركيا على اتجاه ارتكاب أي حماقة في العراق، بل يبدو أيضاً نتيجة الرسالة الشديدة اللهجة والتهديد والوعيد الذي تضمنته الرسالة المهمة جداً التي بعثها نيكيتا خروشوف إلى هارولد ماكميلان رئيس وزراء بريطانيا يوم 19 تموز عبر السفارة البريطانية في موسكو”. ( التوكيد منا-ع.ن)
كما بدأت الصحافة السوفيتية ووسائل الإعلام، بالتلميح إلى حملات التطوع لشباب دول حلف وارشو، وتسجيل أسمائهم للسفر الى العراق، إذا تم غزوه خارجياً. رافق ذلك قيام مظاهرات صاخبة تأييداً للثورة. كما أطلق الاتحاد السوفيتي في 20 تموز تحذيراً جديداً، حذر فيه الدول الغربية من مغبة تدخلها في الشؤون العربية ونبه حكومات ألمانيا الغربية وإيطاليا وإسرائيل إلى ما يحدث لو استخدمت أراضيها وأفضيتها الجوية لنقل الغاصبين، على حد تعبير البيان، الذي ألمح إلى أنه ما لم تتوقف الولايات المتحدة عن المضي في تنفيذ نية التدخل المسلح ضد الثورة العراقية فإن المتطوعين منه ومن الأقطار الاشتراكية الأخرى سيتوجهون إلى منطقة الشرق الأوسط.
ورغم الهدوء النسبي وأستقراره في العراق والمنطقة عموماً.. وإرتداد نوايا التدخل من دول حلف بغداد لجملة من الأسباب الخاصة به الدولية والداخلية، أستمر الاتحاد السوفيتي بإرسال القوة العسكرية إلى البحر المتوسط، إذ أرسل بعد مرور شهر واحد على قيام الثورة ما مجموعه 106 غواصات و35 مدمرة، بغية تعزيز الأمن الخارجي لحركة التحرر في العراق ولبنان والعربية المتحدة. كان موقف الاتحاد السوفيتي هذا، كما تشير الوثائق السرية البريطانية، سبباً أرأسياً في أنشقاق دول الحلف الأطلسي، حول ماهية الإجراءات العملية الواجب إتخاذها من قبله أزاء الوضع الجديد الذي نشأ على ضوء الثورة العراقية.

عوامل نجاح الثورة وكبح التدخل:
تفاعل العامل الخارجي المؤيد للثورة، مع العوامل الداخلية التي قامت بها السلطة الجديدة، وكونتا عوامل سببية مشتركة أدت في نهاية المطاف إلى إستقرار الوضع وكبح جماح التدخل الخارجي. كما يمكن النظر إلى هذه العوامل من حيث أهميتها ونسبية قوتها التأثيرية والقول إنها كانت نتيجة تفاعل عوامل أرأسية وأخرى رئيسة ساهمت كليهما، بالتكامل الجدلي، بصورة حاسمة في كبح فكرة التدخل الخارجي ووأد الثورة، سواءً عِبرَ الغزو الخارجي، أو الثورة المضادة في الداخل، رغم التلويح بإستخدام القوة وذلك عندما طلبوا تسهيل مغادرة الجنود والرعايا البريطانيين لأن مثل هذه الخطوات غالبا ما تتخذ قبيل الإقدام بعمل عسكري.. وهذا ما فسرته حكومة الثورة على الأقل . وهو تفسير يحمل بذرة الوجاه فيه.
وعليه وحسب معيار الأهمية النسبية والقوة التاثيرية يمكن أن نوعز اسباب نجاح الثورة إلى جملة عوامل متداخلة هي:

العوامل الأرأسية:
– عمق وسعة التأييد الشعبي الذي غطى مساحة العراق: جغرافياً واجتماعيا وقومياً؛
– القضاء على أقطاب الحكم الثلاثة الكبار، الملك وولي العهد والسعيد ؛
– موقف الإتحاد السوفيتي والكتلة الإشتراكية؛
– موقف الجمهورية العربية المتحدة.
هذه العوامل مجتمعة أسقطت إمكانية تبرير التدخل وكبح جماح الغزو المزمع، بالتفاعل الجدلي المتزامن مع جملة من العوامل والإجراءات الداخلية والخارجية، منها:

العوامل الرئيسية:
– الإنقسام في المواقف بين دول حلف بغداد نتيجة تضارب المصالح ثم الرؤى؛
– الكفاءة والسرية في التحضير والإعداد للثورة؛
– السرعة الخاطفة في إنجازها؛
– السيطرة المبكرة على الفرقة الثالثة وإعتقال قائدها المناط به حماية بغداد؛
– إعتقال رئيس أركان الجيش والسيطرة على معسكر الرشيد؛
– الإحباط والإجهاض الفوريين لحركة الثورة المضادة في معسكرات الديوانية والمسيب والناصرية والسيطرة على مقر الفرقة الثانية في كركوك؛
– سرعة تجاوب كتل حركة الضباط الأحرار وسيطرتهم على وحداتهم وتأييدهم للثورة؛
– إنعدام وجود شخصية بارزة من الحكم السابق، تقود حركة الثورة المضادة؛
– النشاط السياسي الواعي الذي عبرعنه البيان الأول والمقابلات مع الدبلوماسيين الاجانب وتهدئتهما لهم؛
– الإعلان عن تطمينات الثورة للغرب حول تدفق النفط إلى الأسواق العالمية؛
– عدم وجود شخصية يسارية رديكالية في مجلس الوزراء ؛
– تأكيد الثورة على إحترام ميثاق الأمم المتحدة ومؤتمر باندونغ والاتفاقيات الدولية المبرمة مع كافة الدول؛
– الخطاب السياسي الهادئة للثورة والمتسم بالحيطة والحذر، الخالي من العداء اللفظي للغرب ومصالحه؛
– عمق التأييد الشعبي الذي أحاطته شعوب البلدان العربية ودول الجوار للثورة، وتعاطف حركات التحرر والقوى التقدمية في العالم معها؛
– دعوة قيادة الثورة لبعض شيوخ العشائر والاقطاعيين الكبار إلى المجيئ إلى بغداد، بغية إغلاق منافذ تحركهم المحتمل ضد الثورة؛
– حجز بعض الشخصيات المحورية السياسية الحاكمة وبعض كبار ضباط الجيش ؛
– هيأت الثورة الظرف لبروز عدم الرضى والسخط ضد النظام السابق ونخبته السياسية ، مما كبح فرص المقاومة لمن ممكن أن يقاوم؛
– تخوف الحكومات الغربية من أن يؤدي غزو العراق إلى تقوية نفوذ القوى الرديكالية وخاصةً اليسارية في عموم الشرق الأوسط والعراق على الأخص؛
– الإعترافات المبكرة والسريعة من بعض الدول بالنظام الجديد؛
– التحذير الذي أطلقه السفيران الأمريكي والبريطاني لحكومتيهما، بضرورة أما القيام بإنزال كاسح وسريع وبقوة متفوقة كثيراً، وإلا ستؤدي إلى حدوث خسائر كبيرة في الأرواح لرعايا الأمريكان والاوربيين.
أثمرت هذه العوامل مجتمعة، وما افرزته ردود الفعل الدولية، المؤيدة للثورة أو المعارضة لها ، في حل واحدة من أهم المعاضل التي كانت في مركز تفكير اللجنة العليا للضباط الأحرار.. إلا وهي كبح التدخل الخارجي المحتمل، والذي من أجله أرسلت صديق شنشل إلى جمال عبد الناصر للإستفسار منه عن مدى جدية التدخل الخارجي وإمكانية تنفيذه. كما أرسل عبد الكريم قاسم لعبد الناصر، رسول منه وبإسمه الشخصي، من خلال الحزب الوطني الديمقراطي ( محمد حديد وحسين جميل كلٌ على إنفراد). وكلف الحزب الشيوعي، الذي اوفد ( في البدء عامر عبدالله ومن ثم بمعية سلام عادل)، لمعرفة موقف الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية وللإستفسار منهما عن إمكانيات مساندة الثورة عند نجاحها من خلال كبح محاولات التدخل الخارجي المحتمل. وهذا ما وقفنا عنده مطولا في الكتاب الأول.

في الجانب الآخر كانت منظومة الدول الغربية وحلف بغداد ومن يدور في فلكه من دول المنطقة قد أصيب، كما قلنا، بصدمة كبيرة إختلفت نسبتها بين دولة وأخرى، مما أجبر أحد قادتها المتشائمين الكبار، على وفق منطقهم النفعي، من القول: ” سوف نفتح صندوق كل الشرور. ولكن علينا أن نفتحه وإلا فإن البديل مواجهة كارثة كاملة…”، طالما أن الثورة، أوصلتهم، حسب مذكرات آيزنهاور، “… إلى مفترق الطرق. فمنذ سنة 1945 وسياستنا تقوم على ضرورة الوصول إلى منابع البترول وضمان سيطرتنا عليها بدون أية عوائق من جانب أي طرف. وأن يتحقق ذلك سلمياً إذا أمكن. والآن فإن علينا أن نناضل لكي نمنع ناصر من السيطرة على هذا المورد، وإلا أعطيناه المال والنفوذ والقوة التي يتمكن بها من تدمير العالم الغربي. لقد كان علينا في نقطة ما على الطريق أن نواجه هذه المشكلة، وقد وصلنا إلى هذه النقطة الان “، يعني يوم 14 تموز1958.
كان لثورة 14 تموز عواقب وخمية على هذا المعسكر، الذي أخذ يبحث عن كل السبل الممكنة لإجهاض صيرورة الثورة من خلال التدخل المباشر وإعادة عجلة التاريخ إلى ما كانت عليه في العراق وإعادة رسم الشرق الأوسط على وفق رغبات المصالح الأمريكية التي تقوم خطتها ، حسب وليم قاندت، إستناداً إلى مقابلات خاصة أجراها مع كبار المسؤولين الأمريكيين: ” على تدخل واسع عُهد فيه إلى تركيا غزو الأراضي السورية وإلى إسرائيل ضرب ج.ع.م. وضم الضفة الغربية. كما عهد إلى القوات البريطانية إحتلال الأردن والعراق “.
كما كان من نتائج الثورة على دول هذا المعسكر هو:
– الوهن غير المعلن لفعالية دوله، نتيجة التناقضات الثانوية بينها وتعارض مصالحها، خاصةً بين قطبيه الرئيسيين: بريطانيا والولايات المتحدة، التي رغبت في الاستحواذ على عموم المنطقة، وتجلى ذلك عندما رفض آيزنهاور مساعدة بريطانيا لإستعادة وضعها في العراق، مما أدى إلى أن يتأثر البريطانيون بالقرارات المتخذة في واشنطن أكثر من تأثرهم من سياسة عبد الناصر أو السوفيت.
– كما أنخفضت حدة تأثيرات حلف بغداد وضمور فعاليته ومن ثم تلاشي وجوده لاحقاً.
– أصبح (مبدأ ايزنهاور) في مهب النسيان والإضمحلال.
– والأهم هو ضمور مكانة ودور بريطانيا في الشرق الأوسط عامة، وركوعها لإرادة واشنطن وسياستها بعد خروجها مهزومة من حرب السويس خاصةً. إذ كانت ثورة تموز المسمار الأخير في نعشها الذي أرخ لإفول أمبراطوريتها. لهذا السبب رفضت، بدورها أن ” تنفرد تركيا في دخول الأراضي العراقية وتتولى إسقاط ثورة 14 تموز بمعونة أمريكية فذلك سيؤدي في نظر لندن، إلى تصفية النفوذ البريطاني في العراق وإنتقاله كلياً ضمن الساحة الأمريكية-التركية. وقد كان الدور الموكل إلى تركيا في خطة التدخل الشامل التي أتفق عليها ينحصر في سوريا، لذلك رأت بريطانيا أن منع قواتها من دخول العراق وإيكال هذه المهمة إلى القوات التركية ينطوي على نوايا أمريكية مريبة بالنسبة للمصالح البريطانية “.
وإستمر هذا الخلاف الثانوي بينهما حتى بعد فشل التدخل المباشر. ليبرز ثانيةً في خططهما في كيفية إحتواء الثورة. إذ سعت بريطانيا في البحث عن طريق آخر لإستعادة نفوذها في العراق خارج إطار العلاقات الثنائية المباشرة مع الولايات المتحدة، وحتى خارج نطاق ساحة التحالف الغربي. وبعد فشل القوى التي تعتمد عليها.. إلتجأت إلى الحفاظ على مصالحها من خلال الضغوط الدبلوماسية، والشراكة الثانوية مع الولايات المتحدة، التي بدورها إخطت لذاتها إتجاه آخر ورمت بكل ثقلها المادي والعسكري ونفوذها الدولي وقوة ضغطها الدبلوماسي، وراء مسألة امكانية احتواء النظام داخليا. وعندما عجزت عن ذلك، كما هو الحال بالنسبة لبريطانيا، قررت ذبح الثورة مادياً وإخراجها قسراً من مسرح الأحداث عبر إثارة الإضطرابات وتبنيها للإنقلابية العسكرية التي طبقتها في أمريكا الاتينية وضد إيران مصدق. وهذا ما تم لها لاحقاً في انقلاب شباط 1963.
وبغية تحقيق هذه السياسية وإستكمالاً لها، أعادة الولايات المتحدة منذ نهاية عام 1958، النظر في صيغ وأطراف تحالفاتها في المنطقة. إذ تلاقت مصالحها وخططها الاسترايجية في الاستيلاء على المنطقة، مع سياسة وطموح مصر الناصرية التي ناهضت في تلك الفترة الفكر اليساري (والشيوعي بالتحديد)، ومن أجل حل معضلتها الاقتصادية من خلال تصدير القوة العاملة إلى العالم العربي وتوظيف عوائدها وتوسيع أسواق صادراتها، عِبرَ تبنيها للحركة القومية بصيغتها الناصرية.

أما على مستوى دول حلف الأطلسي فتشير الوثائق البريطانية، إنها كانت تتابع الوضع في العراق بالكثير من القلق المقترن بكيفية التصدي للثورة، ومعرفة مدى أمكانية التدخل المباشر من عدمه، والموقف من الاتحاد الهاشمي ومدى شرعيته، وعن طبيعة الثورة ومدى مساهمة قوى اليسار فيها، وتحديداً الشيوعيين وكذلك الناصريين. إذ كان الحلف، يعتقد أن ” هناك دليل كافي على مساهمة الشيوعيين الفعالة في الانقلاب إلا أنه لا يبدو واضحاً فيما إذا كانوا هم أم الجمهورية العربية المتحدة هو المحرك الرئيسي وراء الانقلاب “. في حين لم تفصح الثورة آنذاك عن بروز أي توجه سياسي يوضح ماهيتها ونواياها والقوى المحركة لها. قدر أنها كانت عملاً داخليا بحتاً قاده وطنيون عراقيون حسب، ولم يشارك فيها أية قوة من خارج المجموعة المنفذة، بل ولم يعرف بموعد الثورة وساعة الصفر فيها سوى قلة قليلة جداً من السياسيين العراقيين.
في الوقت نفسه أصابت عدوى القلق قادة مجموعة الدول الإسلامية في حلف بغداد، الذين عبروا عن ذلك في رسالتهم الموجه إلى الرئيس الأمريكي، يوم 16 تموز من كونهم “… يراقبون بدقة فيما إذا كان مبدأ آيزنهاور يعمل بدقة أو لا يعمل إزاء هذا الوضع ، وحيث أن العمل الذي تم إتخاذه من قبل الولايات المتحدة للحفاظ على الاتحاد العربي, واستقلال لبنان ووحدته التي تعرض الآن إلى الخطر بسبب الأفعال الهدامة… فإن ذلك لا يعني فقط كونه مؤشراً حول تأكيد ضمان الدفاع عنا في حالة الضرورة، وإنما أيضاً يؤشر الإصرار على تحجيم وإضعاف الاتحاد السوفيتي وحليفه مصر.
لهذا السبب فأن تركيا وإيران والباكستان تجد من الضروري بعد القرار الحميد الذي أتخذته صديقتهم وحليفتهم الولايات المتحدة لضمان إستقرار لبنان وسلامته ووحدته، وأنه من المهم جداً بالنسبة لهم أن يشمل مبدأ آيزنهاور حماية الاتحاد العراقي الأردني… إن تركيا وإيران والباكستان تدعو الولايات المتحدة إلى الاستمرار على اتخاذ كل ما هو ممكن بهذا الشأن وما يتطلبه الوضع “. ويبدو أن هذا الموقف كان، في بعض جوانبه، متأثراً بدرجة كبيرة بما أظهره الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية من موقف ومن تهديده بالتدخل في حالة التحرش بثورة العراق وغزوه. وهذا ما تؤكده الوثائق البريطانية التي تقول أحدها: ” إن رد الفعل الروسي سواء بشكل تهديدات او القيام بعمل أكثر عنفاً، يجب أن نتوقعه بشكل مؤكد… “.
وتأسيساً على ذلك يتضح وبشيء من التفصيل، من دراسة وتحليل الوثائق البريطانية، مدى التناقض والتعارض في المواقف بين الدول الأعضاء في حلفي بغداد والأطلسي، سواءً في ماهية وطبيعة الموقف الذي يجب إتخاذه إزاء الثورة والذي تراوح بين التدخل المباشر في البدء.. حيث كانت تركيا الأكثر تحبيذا وحماساً لها, بما يتناغم وأطماعها منذ انقلاب كمال آتاتورك عام1923، وبين التدخل في دول الجوار تطبيقاً لمبدأ آيزنهاور بحجة حمايتها، وللتأثير على الوضع الداخلي العراقي ومن ثم البحث عن مبرر لإحتلاله إن أمكن، من خلال ربما حركة مناهضة متوقعة، وما يفرزه الوضع الدولي. وهذا ما قامت به الولايات المتحدة عند إنزال قواتها في لبنان وبريطانيا في الأردن.
وتأسيسا على ذلك تمخض عن الثورة حالة تفكك في حلف بغداد.. خاصةً عندما رفضت الولايات المتحدة الإنضمام إليه رسمياً كعضو كامل العضوية كما طالبت دول الحلف. لكن الولايات المتحدة حاولت إعادة النظر في استراتيجيتها بغية إنفرادها بالهمينة على المنطقة ولتصبح المقرر الأول فيها. “… وهكذا بدأ التفكير بتنظيم حلف دفاعي جديد بإسم منظمة (الحزام الشمالي) يحل محل ميثاق بغداد مقره أنقرة وعلى الرغم من أن العراق لم يعلن انسحابه من الحلف فقد اعتبرته الدول الأعضاء في الحلف العراق خارجاً منه فتقرر عقد اجتماع في لندن حسبما هو مقرر أصلا لبحث الموضوع يوم 27 تموز وسعت بريطانيا لاقناع الأمريكان بالإنضمام إلى الحلف الجديد بعد انسحاب العراق من حلف بغداد أو ربط الحلف الجديد بحلف شمال الأطلسي… وهكذا دخلت الولايات المتحدة بتعهد يتضمن الدخول مع دول الميثاق في ترتيبات الأمن الجماعي طبقاً لمبدأ آيزنهاور دون الدخول في الحلف… ” .
كما تناقضت مواقف الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي، في طبيعة المشاركة في تنفيذ الإجراء المتخذ الذي لم يستطيعوا التوصل إليه في اليومين الأولين للثورة. فهل سيتم بصورة جماعية من قبل دول حلف بغداد ومساعدة الدول الأخرى؟ أم سيكون ثنائي من بريطانيا والولايات المتحدة؟ أو بريطانيا والأردن؟ أو يكون إنفرادي حيث ستقوم تركيا بالتنفيذ؟ أو الأردن بمشاركة القوة العراقية المرابطة هناك ( رتل الهادي)؟ أو القوات البريطانية في الحبانية والشعيبة وبمساندة قواتها المرابطة في قبرص وتلك التي وصلت الأردن؟ وعلى خلفية هذه التناقضات وما أفرزه الموقف الدولي.. اجتمعت دول حلف الأطلسي في يوم 15 تموز لمناقشة الوضع الجديد في العراق وتأثيراته الإقليمية والدولية. وفي خضم دراسة الإحتمالات وأولويات العمل الواجب إقراره، إنقسم الأعضاء، بصورة عامة، إلى مجموعتين هما:
– الأولى: عارضت بقوة التدخل المباشر وطالبت بالتريث والإنتظار لحين جلاء الموقف و توفر المعلومات الدقيقة والصحيحة عن الوضع الداخلي في العراق وتطوراته. وتزعمت اليونان هذا الموقف ولامت الغرب على فشل سياسيته في الشرق الأوسط، وطالبت أن يكون حل الأزمة فيه عبر الأمم المتحدة؛
– الثانية: وهي التي تزعمتها تركيا وأمريكا وبريطانيا، التي طالبت بالتدخل المباشر فوراً، بغية عدم سريان (عدوى الثورة) إلى دول الجوار، وخاصةً النفطية منها. لكن أُحبطت هذه الفكرة، خوفاً من المجابهة الذرية مع المنظومة الاشتراكية. ومما ساعد على إلغاءها أن كل من الولايات المتحدة وبريطانيا لم يستشيرا حلفائهما الأوربيون بقراراتهما الخاصة في التدخل المباشر في كل من لبنان والأردن، بل حتى إنهما لم يخبروهم بذلك، مما أثار حفيظتهم وخاصةً فرنسا، وكذلك بالنسبة لدول الكومنولث التي عاتبت بريطانيا على عدم مشاورتها أو على الأقل إخبارها.
لم تصدق بريطانيا ما حدث في العراق، الذي مثل المرتكز الأرأسي بالنسبة لاستراتيجيتها في المنطقة، خاصةً منذ نهاية اربعينيات القرن المنصرم عندما عزمت على ” إنهاء وصاياتها التي دامت ما لايقل عن قرن من الزمن، على بعض أرجاء العالم. فحكومة جلالة الملك تواجه أزمة مالية ولهذا فإنها لن تتمكن من تحمل أعباء مقاومة المد الشيوعي في كل من تركيا واليونان والتي تقدر مالياً بخمسين مليون دولاراً وتخشى بريطانيا في الوقت نفسه أن يتمكن الشيوعيون من فرض سيطرتهم… وكان على الولايات المتحدة الأمريكية أن تبادر إلى سد الفراغ قبل أن يسبقها الإتحاد السوفيتي إلى ذلك… “. ومن ثم تبنت مشروع الإنسحاب من مناطق ما أطلق عليه (شرق القناة) والتركيز على العراق وبعض بلدان الخليج الفارسي بصدد المسألة النفطية. وترجمت ذلك بعقد جملة من الاتفاقيات الثنائية والجماعية، الاقتصادية و العسكرية لدول المنطقة.
وحال سماع الحكومة البريطانية بالثورة في العراق، حتى أستنفرت ذاتها وعقدت خلال يومي 14 و15 تموز ثلاثة اجتماعات طارئة لها، وأتصل خلالها رئيس الوزراء بالرئيس الأمريكي مرتين.. كما تحركت بريطانيا على أكثر من إتجاه في معالجتها للوضع، وأعدت أكثر من خطة عسكرية إحتمالية، تراوحت بين التدخل المباشر المنفرد أو الثنائي، وبين إمكانية إستخدام ما يمكن إستخدامه من داخل العراق، مثل القوة الجوية البريطانية في الحبانية والشعيبة وحتى القوة الجوية العراقية التي لم تساهم بالثورة، وبين إمكانية إحتواء النظام الجديد في حالة فشل الخيارين الأولين. وكانت سياستها إزاء الوضع الناجم عن ثورة 14 تموز يتسم بالرعب من جهة وعدم الوضوح الكامل من جهة ثانية.. لأنهم حتى قرار إنزال قواتهم في الأردن حسب تعبير رئيس الوزراء البريطاني “قد تم بعد تفكير حذر جداً في هذا الجانب… أنه لم يكن قراراً اتخذ بوضوح 100%، لكنه قرار توصلنا إليه بعد موازنة كبيرة بين الطروحات والطروحات المضادة… “. وهذا الموقف ينعكس هو الآخر على جملة الإجراءات، الآنية، التي إتخذتها الحكومة البريطانية ضد الثورة، بغية خلق أجواء مساعدة لها، فيما إذا حصل لاحقاً إتفاق غربي على إجهاضها من خلال الاحتلال المباشر، ومن جملة تلك الإجراءات المتخذة:
– تجميد أرصدة العراق في البنوك البريطانية ؛
– عرقلة إستلام ممثل العراق الجديد منصبه في الأمم المتحدة؛
– ممارست الضغوط على حلفائها في عدم الإعتراف بالنظام الجديد؛
– غلق السفارة العراقية وإعتبارها من الممتلكات الأردنية؛
– تعاملها مع المحلق العسكري للنظام الملكي( طارق العسكري) بإعتباره يمثل البعثة العراقية لديها.
– الإنزال العسكري لبعض من قواتها في الأردن، بغية إستخدامها إذا سنحت لها الظروف للتدخل لإجهاض الثورة وعلى الأقل دعم الأنظمة الموالية لها في المنطقة.
إن الهدوء في الخطاب السياسي لحكومة الثورة حول إحترامها وإلتزاماتها وتعهداتها الدولية.. مثل الأساس والمقياس للإعتراف الدبلوماسي بها. وفوت الفرصة على القوى الخارجية المناهضة، مما ألزم الحكومة البريطانية، وغيرها، على الإعتراف الكامل بالنظام الجديد. لكن هذا الإعتراف، الذي جاء متأخراً نسبياً، لا يعني إستحسانها بالثورة وحكومتها، بل يعني في أحد جوانبه، حرصها على [حماية مصالح المملكة المتحدة والمحافظة عليها]، كما يعني “… فإن الامتناع عن الإعتراف لمدة طويلة لربما دفع النظام بإتجاه الشيوعية (إقرأ: الجذرية-ع.ن) أو ناصر على الأقل، فأنه يقلل من قابليته على مقاومتهم … ” .
ولابد من التوكيد على أن بريطانيا كانت عاجزة عسكرياً وسياسياً من القيام بعمل منفرد وسريع في العراق، على غرار ما تم لأمريكا في لبنان، مما أجبرها بالتفاعل مع عوامل أخرى، على التخلي عن فكرة غزو العراق، مقارنةً بما قامت به عند إحتلالها الثاني له عام 1941 وإجهاض حركة مايس. هذا الظرف أجبرها على تكييف استراتيجيتها مع الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. لذا كان إحتلالها للأردن منفرداً. وحتى هذا العمل لم يتم إلا بعد حصولهاعلى ضمانات ووعود بالمساعدة العسكرية والسياسية والإعلامية من الولايات المتحدة.. وفي هذا يكمن سر بريطانيا في إلحاحها على مشاركة قوات أمريكية، ولو رمزية، مع قواتها في الأردن. وأنتهت الأيام الأولى للثورة بأحداثها المثيرة وبريطانيا لا تعلم بالضبط ماذا يحصل بالعراق على وجه الدقة .. لذا جاءت الكثير من وثائقها وهي معتمدة على الإشاعة أكثر مما على الوقائع.

وعربياً.. كان من ردود الأفعال التي حدثت أن لبنان كميل شمعون قد جدد طلبه يوم 14 تموز من الولايات المتحدة بتطبيق مبدأ آيزنهاور وذلك بإرسال القوات الأمريكية إليه لمواجهة الانتفاضة الشعبية ضد نظام حكمه.. وهذا ما تم فعلاً بعد نجاح الثورة. في حين كانت الولايات المتحدة تمانع قبل هذا التاريخ، من ارسال قواتها إلى لبنان.
أما موقف الأردن، العضو في الاتحاد العربي الهاشمي، فقد تخوف من عواقب الثورة العراقية إذ طلب الملك حسين من الولايات المتحدة وبريطانيا إرسال قوات عسكرية لحمايته. وبعث و بضغوط بريطانية مؤيدة، من دول حلف بغداد الاعتراف به بإعتباره أصبح رئيساً لدولة الاتحاد العربي الهاشمي بوصفه وريث الملك فيصل الثاني. وحاول أرسال هذا الرأي إلى قادة الجيش العراقي السابقين وقيادة القوة الجوية العراقية، بعد أن تسربت إليه معلومات غير صحيحة من أن هؤلاء القادة فوجئوا بالثورة، (لكن الوقائع تدلل على تأييدهم للثورة منذ الساعات الأولى وصاروا يتسلمون الأوامر من حكومة الثورة) لذا طلب منهم عدم تنفيذ الأوامر الموجه لهم من قادة الثورة باعتباره أصبح الرئيس الشرعي والدستوري للاتحاد الهاشمي. كما أبدى إستعداده لتحمل المسؤولية المترتبة على ذلك بعد مقتل رئيس الإتحاد الملك فيصل الثاني وولي العهد ورئيس الوزراء نوري السعيد، إذ كان الملك حسين يعول على نجاة أحدهم لأجل التحرك العسكري لإحتلال العراق، وليكرر ما حدث في الأمس القريب في حركة مايس 1941.
” وجرت إستعدادات للتدخل في العراق. وأعد الملك حسين حملة عسكرية بقيادة الشريف حسين بن ناصر للقضاء على الثورة… وكان السفير الأردني في لندن قد حضر إلى وزارة الخارجية البريطانية مساء يوم 14 تموز وإلتقى السير دبيلو هيتر وتحدث إلى الملك حسين بالهاتف وأبلغه أن الملك عازم على تحمل مسؤولياته باعتباره رئيساً للإتحاد الهاشمي وعليه أن يستعيد النظام في العراق. وكان الملك واثقاًوعازماً على اتخاذ كافة الإجراءات المفتوحة أمامه… “.
كما ” قام الملك حسين بمفاتحة الولايات المتحدة وبريطانيا حول الضمانات التي تؤكد على تقديم الدولتين للمساعدات العسكرية إذا ما وجد الملك ذلك ضرورياً للحفاظ على وحدة واستقلال الاردن… “. ولهذا حاولت السلطات الأردنية السيطرة على رتل الهادي (اللواء المدرع السادس) العراقي المعسكر في أراضيها ومحاولة أستخدامه لضرب الثورة بمعونة بعض العشائر العربية. لكن هذه المحاولة باءت بالفشل نتيجة وعي وتماسك الضباط الأحرار في الرتل وسيطرتهم عليه، ورفضهم الإنصياع إلى الأوامر الأردنية ونفذوا طلب حكومة الثورة بالإنسحاب إلى داخل الأراضي العراقية بعد يومين من قيام الثورة، والتي كانت تصلهم عبر الإذاعة العراقية لإنقطاع صلتهم بالعالم الخارجي وتطويقهم من قبل القوات الأردنية. . كما حاول الأردن إستخدام الضغوط الدبلوماسية على كافة السفارات العراقية والطلب منها عدم الخضوع لأوامر حكومة الثورة والعودة إليها.. وساهمت، مع بريطانيا، على عرقلة قبول مندوب العراق الجديد الذي عينته حكومة الثورة، في الأمم المتحدة، والتمسك بالمندوب السابق الذي أحالته على التقاعد.
وفي الوقت ذاته وبتاريخ 18 تموز ” بادر وزير الخارجية الأردنية في حكومة الاتحاد العربي إلى إرسال برقية مطولة إلى وزارة الخارجية البريطانية… يطلب فيها من بريطانيا تقديم المساعدة العسكرية والاقتصادية والسياسية لتمكين حكومة الاتحاد العربي على سحق الثورة وإستعادة الموقف إلى وضعه القانوني الطبيعي في القطاع العراقي باعتبار أن الحكومة العراقية السابقة طرفاً في ميثاق بغداد… وقد أيد الملك وذكر في مذكراته طلب بلاده للقوات من بريطانيا والولايات المتحدة “.
وكانت بريطانيا تأمل من ارسال قواتها إلى الأردن في ليس الإستعداد لمهاجمة العراق إذا سمحت الظروف فحيب، بل من أجل حماية النظام في الأردن ومنع قيام حركة عسكرية مشابه لما قام في العراق، حيث كانت تتوقع ذلك في الأردن من جهة، ومن جهة ثانية سيشجع هذا التدخل قوى الثورة المضادة في العراق كي تتحرك هي الأخرى لإستعادة النظام السابق. وأخيرا سيحجم هذا التدخل من حدة حركة التحرر في المنطقة وخاصةً العربية منها.
في الوقت نفسه كانت حكومة الثورة تتابع هذه التحركات فأعلنت انسحابها يوم 17 تموز من الاتحاد العربي الهاشمي. ووعى الأردن هذه الحقيقة بعد أسبوعين من نجاح وتوطد النظام الجديد ” فأصدر الملك حسين ملك الأردن مرسوماً في الأول من آب أعلن فيه أن الإتحاد العربي الهاشمي بين العراق والأردن لم يعد له وجود… “، بعد خيبة الأمل التي أنتابته من الإعتراف السريع بالنظام الجمهوري من قبل بريطانيا ودول حلف بغداد. وقد اعترف الأردن بالنظام الجمهوري في الأول من تشرين الأول عام 1960 وصدر بيان ” في عمان اوضح فيه أن هذا الإعتراف جاء نتيجة رغبة شخصية من الملك حسين بعد أن تأكد أن عبد الكريم قاسم أدان مقتل الملك فيصل الثاني. ونقلت الصحف ووكالات الأنباء بأن هاشم جواد أبدى أسفه على من قتل في يوم 14 تموزخلال اجتماعه بالملك حسين وسئل هاشم جواد بعد عودنه إلى بغداد عن ذلك، فنفى تلك الأنباء وسئل عن قول عبد الكريم قاسم [ إننا قمنا بثورة ولم نستهدف أشخاصاً بل كنا نريد أن نزيل نظاماً وكل من وقف بوجه هذه الثورة قرر الشعب مصيره يوم الثورة المباركة]. قال جواد أنا بطبيعة الحال لا استطيع أن أعبر أحسن مما قاله سيادة الزعيم عن طبيعة الثورة “.
من ناحية أخرى أربك نجاح الثورة الاعلام الغربي وفي دول حلف بغداد، وبدأوا بتناقل الأخبار الملفقة والمشوه لطمأنة النفس وخداع الذات. وهذا ما اشارت إليه أحدى الوثائق البريطانية عندما أشارت إلى أن: ” صحف اسطنبول بأن الفعل المضاد ضد الثورة قد بدأ في عدة أماكن في العراق وإن هناك بعض الوحدات في الجيش ترفض إطاعة أوامر الثوار وإن المصادمات بدأت خارج بغداد بين الوحدات الموالية والثائرة في الجيش. وبأن هناك 80 ألف من رجال قبيلة الربيعة بقيادة أمير ربيعة تزحف نحو بغداد وأنضم إليها بعض وحدات الجيش.
كما تناقلت التقارير التي تسربت إلى إيران بأن بعض العناصر الموالية من الأكراد قد رفضت إطاعة الأوامر الصادرة من الحكومة الثورية في بغداد وأن رجال القبائل في مناطق كركوك وأربيل يتعاونون مع الوحدات العسكرية الموالية (للنظام الملكي) “.
لقد وقفت حكومات هذه الدول مذعورة إزاء الثورة غير المتوقعة الحدوث حسب منطق تفكيرها واستراتيجية وضعها في العراق. وإزداد إندهاشها لنجاحها السريع من جهة وعدم قيام أي تحرك جدي مضاد لها من جهة ثانية، والسبب يكمن، حسب اعتقادي، في عدم فهمهم لواقع العراق وصراعاته بذلك القدر الذي يسمح لهم بتغييره بما يضمن مصالحهم.. كما أنهم كانوا تحت تاثير المفعول التخديري لتقاريرهم الدبلوماسية (التفاؤلية) التي توجزها العبارة التالية التي وردت في أحد التقارير ونصها: [الجيش هادئ هنا].
وعليه يمكننا من تحليل الوثائق البريطانية القول بأن المناقشات البريطانية الامريكية ، قد إنهت المآل إلى الإتفاق على سياسة جديدة في المنطقة تتمحور أبعادها في :
– التخلي عن فكرة التدخل المباشر من قبلهم؛
– عدم تشجيع حلفائهم (تركيا والأردن) من القيام بمغامرة عسكرية ضد العراق؛
– دعم كافة الدول الحليفة في المنطقة عسكريا واقتصاديا وترتيب آمنها الجماعي؛
– إعادة ترتيب دول منطقة الخليج العربية بما يضمن السيطرة الغربية عليها؛
– الاعتراف بالنظام الجمهوري كجزء من سياسة الأمر الواقع؛
– إتباع سياسة الإحتواء للنظام الجديد وعودة [الحصان الجامح للإسطبل] وإلا؛
– الإطاحة به عبر الاختنقات الاقتصادية وبالانقلابية العسكرية.
وهكذا أذعنت، وقتياً، المراكز الرأسمالية لواقع الأمر بعد إستتباب الوضع العام، حتى أجبرهم الأمر على التفكير الجدي بضرورة الإعتراف بالنظام الجمهوري. فبالنسبة لبريطانيا مثلاً رأت ” أنه من غير المستحب لذلك إتخاذ أي إجراء متسرع ربما يثير العلاقة ضد مصالحنا النفطية في العراق، وإن الإسلوب السليم على المدى القريب هو القبول بالوضع الحالي، والتلميح بأن وجهة نظرنا المستقبلية سوف تعتمد على السياسة المتبناة من قبل الحكومة الجديدة… “. وقد إعترفت بالنظام الجديد في الأول من آب، بعد أن ضغطت على كل من إيران والباكستان للإعتراف وهذا ما تم يوم30 وتركيا يوم 31 تموز. وبدأت الدول الغربية منذ هذا التاريخ الاعتراف بالنظام. وكانت اليونان أول هذ الدول في30 تموز، تلتها في اليوم التالي كل من اليابان وألمانيا الغربية والملايو وايطاليا وفي 1آب أعترفت كل من الدنمارك والسويد وبلجيكا وسويسرا وكندا والنرويج وفلندة والنمسا. أما الولايات المتحدة فقد قابل سفيرها غولمان عبد الجبار الجومرد وزير الخارجية العراقي وأبلغه اعتراف حكومة الولايات المتحدة بالنظام الجمهوري يوم 2 آب.
ونظرا لصعوبة (إبتلاع) هذا النظام وإحتوائه، لما في برنامجيته الاجتصادية والسياسية من مفردات ومناهج وتوجهات إستقلالية تصب جميعها في تطوير الظاهرة العراقية والإرتقاء بها وضمن منطق الحياد الإيجابي وبما يتلائم وواقع تركيبتها الاجتماعية وآلية علاقاتها بإمتدادها التاريخي مع المحيط العربي، وبنهجها التحرري المنبثق من طموح حركة التحرر عامة. هذا المنهج الجديد الذي إختطته الثورة لنفسها في المنطقة بعيدا عن التكتلات والأحلاف العسكرية، أمسى كالطير الخارج من السرب العام.. مما أثار حفيظة جملة من القوى الاجتماعية الداخلية ودول الجوار الإقليمية برمتها دون إستثناء.. حيث ناهضت سيرورة الثورة وكبحت مسيرتها التطورية وشاركت جميعها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الإطاحة بها في حينها.. هذه ظاهرة لم يشهدها العراق طيلة تاريخيته، إذ كان الصراع مع بعض دول الجوار وليس جميعها في آنٍ واحد.. وهي المتناقضة في كل شيء ما عدا وحدتها في فكرة الإطاحة بنظام الجمهورية الأولى. وهذا ما تم لها في إنقلاب 1963 الذي خططت له الولايات المتحدة ونفذته قوى عراقية كوكلاء للغير.
وهكذا أنجزت الثورة بعض من مهامها الأولية والمتمثلة في: المحافظة على النظام العام وتأسيس النظام الجمهوري والاعتراف الدولي به؛ وفي عرض رسالة الثورة من خلال البيان الأول ومن ثم في الدستور المؤقت وما تضمنه من رؤى جديدة مفعمة بنكهة [الوطنية العراقية] ؛ وتشكيل السلطة التنفيذية وتركيبتها المتنوعة؛ وأخيراً السير بالثورة نحو تحقيق غائيتها الاجتصادية السياسية الثقافية.

نادي البرلمان