الرئيسية » الملف الشهري » الرابع عشر من تموز في عيون طفلة

الرابع عشر من تموز في عيون طفلة

كان فجرا بهيا ذلك الصباح التموزي في مدينة المنائر الذهبية والقداح والرمان , كربلاء المعروفة بنسائمها الصباحية العليلة كنا نياما على سطح الدار كعادة العراقيين في ذلك الزمان ,الوالد استيقظ كالعادة مبكرا يدير جهاز الراديو ولايكاد يستقرعلى محطة هذا هو شأنه اليومي ,بعد جولته مع الراديو يشرب الشاي ويتوجه الى عمله في مستشفى كربلاء (الحسيني ) سمعت وأنا بين اليقظة والنوم أبي يطلق صوتا فرحا وهذا أمر غير عادي فأبي رحمه الله كان قليل الكلام هاديء الصوت , نزلت من سطح المنزل مسرعة الى باحة الدار كنت وقتها في الأبتدائية , كان الجميع فرحا رغم أنه لم يبد على أسرتنا مهتمة بالسياسة أو هكذا كان يتراءى لي لكن كنت قد سمعت بأن لنا أقارب كانوا في السجن بسبب عدائهم لنوري السعيد , وبما أنّ الخبر طازج ومهم وكنت في طفولتي كثيرة الفضول وألعب أحيانا كثيرة دور المراسل الصحفي بين الجيران لنقل آخر الأخبار ولطالما عوقبت من والدتي الحازمة علىذلك ,انفلت من البيت في تلك الساعة المبكرة وبدأت أطرق الأبواب وكانت ردود الفعل متباينة فمن مستهجن لطريقة طرقي الأبواب ومن متوجس خيفة ,ومن فرح , شاع الخبر في زقاقنا وفي الأزقة المجاورة في حي العباسية الشرقية خرج الناس جميعا الى الشارع شارع العباس فبيتنا يفضي الى هذا الشارع العريق الذي طالما احتضن الشباب الثائر على الأوضاع , وفي زقاقنا توجه الجميع الى جارنا المرحوم الأستاذ علي الشبيبي يهنئونه حينما تأكد الخبر وأعيد وتكرر بدأت الجموع تزحف الى شارعنا وكانت صورة جمال عبد الناصر بالحجم الكبير مرفوعة وكان الناس يهتفون , . وسرت مع المتظاهرين الى السراي الذي هو مبنى المحافظة أسير وسط الناس وأردد ما يرددونه ولاأريد أن أدعي بأنني كنت أفقه مايدور فالناس تتحدث عن الحرية والخلاص ساعتها كانت الحرية بالنسبة لي أنني خرجت الى الشارع بحرية فالأهل مشغولون بالوضع الراهن والأطفال يمرحون على راحتهم وهناك سبب آخر لفرحتي إذ أنني لم أعد أخاف من الشرطي الذي كانت تهددني زميلتي وجارتي إذ أنني في يوم ما رددت أمامها ماسمعته من أحد الجيران بكلمة ضد الملك ومن يومها كانت تبتزني وتأخذ لفة الكباب أو القيمر أو الأربع فلوس التي كنت استلمها من أمي كيومية أشتري بها شعر البنات أو الباقلاء من أمام مدرسة خديجة الكبرى ,ما إن ترى أحد الشرطة حتى تهددني ساعتها أرضخ لطلبها واسلمها مالدي وأعود جائعة في فترة الظهيرة ! لاملك بعد اليوم وهذا جارنا الشرطي المشكوك بعمالته منكفئا في بيته لقد تحررت من الأبتزاز ,

لقد تغيرت أمزجة الناس ووجوههم لم يعودوا منكسرين , ظهورهم المحدودبة استقامت مسحة الخوف حل محلها ثقة , لقد تحرر الناس من العبودية , كانت الأنتصارات تترى كنت أسمع من خلال مايدور بين والديّ أن العراق مقبل على نهضة كانوا فرحين بعد الخروج من حلف بغداد و كانوا أكثر فرحا حينما سمح للعمل النقابي وكان لوالدي شرف أن يكون نقيبا لذوي المهن الصحية , يومها كانت والدتي تصحبنا الى مقر رابطة الدفاع عن حقوق المرأة حيث تجتمع النسوة في ندوات صحية ودورات للأسعافات الأولية , وما كان يهمني أن ألتقي بفتيات في سني نتحدث , وكانت , وكان أجمل شيء بالنسبة لي الصاعوديات التي كانت تطلق ولم نتعرف عليها إلاّ بعد الثورة , كما أن أكبر إنجاز بالنسبة لي كان وصول البث التلفزيوني الى مدينتنا وكنا أحد البيوت القلائل التي تمتلك هذا الجهاز العجيب كان بيتنا أيام بث محكمة الشعب يغص بالنساء والأطفال كانت الجارات يحجلسن في المقدمة وكذلك صديقات والدتي أما قرب باب الحوش فقد كان صف طويل من ( المغترات ) وهذه الكلمة يعرفها أبناء المدن المقدسة في كربلاء , وبرزت شخصيات من بنات وأبناء كربلاء أسماؤهم تتردد مثل الأستاذ جاسم الحلوائي و الدكتور كاظم حبيب و المرحومة صبيحة الخطيب والسيدة وداد الصافي والست بدرية ونبيهة وصاحب مكتبة الشعب كاظم الرماح , وأنا إذ أتحدث لاأريد أن أبيض صفحات وأقفز على زلاّت وأخطاء لست معنية بها لكوني كنت طفلة فأنا لاأريد أن أفسد جمال الذكرى وعبق ذلك الصباح الندي الذي استحضره كلما هزني الشوق الى طفولتي فذكرى الرابع عشر من تموز تبقى خضراء ألقة لايمكن محوها من ذاكرتنا نحن جيلها , فمهما حاول أعداؤها أن يبخسوها قدرها ويشوشواعليها بشتى الأساليب فهي نابضة بالحياة ولها الفضل الأول في الشعور بالعزة والكرامة وتلقين المستعمر درسا لن ينساه لها .

كل الحب لثورتنا ثورة الشعب وكل التقدير لمن فجرها وقادها