الرئيسية » الملف الشهري » بمناسبة ذكرى ثورة / 14 تمـوز .. ماكو زعيم إلا كريم* ..

بمناسبة ذكرى ثورة / 14 تمـوز .. ماكو زعيم إلا كريم* ..








كنت صغيراً جداً لا أتذكر سقوط الملكية وقيام ثورة / 14 تموز في 1958 على يد نخبة من الضباط الوطنيين ـ حركة الضباط ألأحرار ـ بقيادة الزعيم الراحل / عبد الكريم قاسم ـ رحمه الله وطيب ثراه ـ فهو بحق كان زعيماً بكل المعاني … ولكنني أتذكر جيداً ألأنقلاب ألأسود عليه في 8 / شباط 1963 وأتذكر صورته من على شاشات التلفزة وهو مقتول وقد أجلسوه على كرسي.. وأتذكر أن الجيران تجمهروا على دارنا لمشاهدة تلك المشاهد الحزينة.. وأتذكر أن نساء المحلة كن يبكين زعيمهن وقائد الشعب العراقي … بصوت عال !!!.
بعد مرور كل تلك السنوات ـ 49 عاماً ـ على تلك الثورة العظيمة لابد أن نقف بأجلال لذلك القائد العظيم الذي كان شغله الشاغل أسعاد شعبه.. نعم لقد حرم نفسه من كل ألأمتيازات والحقوق وظل في الثكنة العسكرية بملابسه العسكرية معتمداً على راتبه الشخصي فقط..ففي الوقت الذي كان بأمكانه أن يعيش عيشة ترف بصفته رئيساً للوزراء وقائداً عاماً للقوات المسلحة ووزير الدفاع .. ولكن هيهات.. ظل كما هو الا أخر يوم في حياته !!.
حول عفة زعيمنا الخالد / قاسم سمعت كثيراً وقرأت أكثر.. ولكن الذي شد أنتباهي ما كتبه ألأستاذ الدكتور / سامي الصقار والذي كان يشغل منصب ( مدير عام الشؤون العربية ) في ديوان وزارة الخارجية في زمن الزعيم الراحل / عبدالكريم قاسم :
[ان عبد الكريم قاسم مهما قيل عنه من قبل خصومه، فلا يوجد احد منهم يمكنه ان ينكر عفة يده ولسانه. ان الرجل عاش طيلة مدة حكمه عيشة الجندي في ثكنته، اذ كان ينام حيث مكتب عمله في وزارة الدفاع ولا يذهب لتفقد بيته الا لماما، وهو بيت متواضع من بيوت اليهود الذين غادروا العراق، ووضع تحت ادارة مؤسسة الاملاك المجمدة، وكان ايجاره الشهري 15 دينارا وقد كان مجاورا لبيت صديق لي (وهو ايضا من تلك الاملاك)، ولكن صاحبي فصل من وظيفته عقب حركة 14 تموز 1958. والطريف ان قاسم كان قبل الحركة يلاطف اطفاله الذين كانوا يعتلون الجدار الفاصل بين الدارين، غير انه افتقدهم عندما كان يذهب الي بيته، حيث منعهم اهلهم من ذلك. واستطاع في احدي المرات ان يلمح احدهم، فسأله عن احواله، فبكي الطفل، وقال ان والده قد فصل من وظيفته فأمر بدراسة ملفه في الحال، واعادته الي وظيفته، اذ كان فصله ظلما وعدوانا.]
حول وضعه وطعامه حدثني شخصياً ، المرحوم / عبد الغني أحمد مندو أحد أبناء محلته وصديقه في الطفولة وحتى مرحلة الشباب وحتى عندما أصبح زعيم الشعب :
كان الزعيم / ينتظر الغداء من شقيقته التي كانت تسكن منطقة بغداد الجديدة / تل محمد ، ففي كل ظهيرة كان أبن شقيقته يجلب له ـ سفر طاس* ـ في شىء من الرز والمرق ورغيف أو رغيفين من الخبز.. وكان مرافقوه يجلبون له ـ دولكة من اللبن ـ فقط.. هذا كان غداءه على طول ـ عدى ألأيام الذي كان لديه ضيوف رسميون ـ !!.
قبل الثانية كان يتمشى في ساحة وزارة الدفاع بأنتظار الغداء.. ففي الوقت المحدد كان يحضر أبن شقيقته بواسطة سيارة عسكرية / جيب .. وقي كثير من المرات كان أحد الضباط الكبار يشاركوه الطعام !!!.
يضيف السيد / الصقار :
[كان بعيدا جدا عن المنافع المادية حيث انه اوكل الي العميد عبد الكريم الجدة ليقبض راتبه (وهو راتبه العسكري، اذ رفض ان يمنح راتب رئيس الوزراء) وتوزيعه علي الفقراء الذين كانوا يمر بهم في جولاته التفتيشية. ويكفيه عنه انه يوم قتله لم يكن في جيبه سوي ربع دينار! اما بالنسبة لعفة لسانه فيكفي القول بأنه تعرض من الاجهزة الاعلامية لبعض الاقطار العربية الي شتائم يأبي الحياء التلفظ بها، بل ناله من بعض الزعماء العرب الكثير من الطعون والاتهامات الباطلة، مما زخرت به وسائل الاعلام، اما هو فلم يسمح للسانه ان يذكر بالسوء احدا ممن اساء له علي الاطلاق. ]
عبد الكريم قاسم عاش وترعرع في أحد ألأحياء الشعبية ـ محلة المهدية ـ في شارع الكفاح من أب كان يمتهن النجارة ـ جراخة الخشب ـ وعمل النقوش.. فكان فناناً بمعنى الكلمة .. دخل الكلية العسكرية وتخرج بتفوق.. دخل كلية ألأركان فكان من ألأوائل .
عبد الكريم قاسم كان شجاعاً.. خاض مع الجيش العراقي أهم المعارك في فلسطين فكان أول من يقلد ـ نوط الشجاعة ـ لبسالته كآمر فصيل لوحدته !!!.
عبد الكريم قاسم كان أول زعيم عربي له أفاق وتفكير واسع حيث :
·     أستمر في دعم الثورة الجزائرية ، ورحب بزيارة المناضلة الجزائرية / جميلة بوحيرد.. وأستقبلت في بغداد أستقبال الملوك والرؤساء.. وأطلق أسمها على أحد أحياء بغداد / مدينة جميلة في شرقي العاصمة ولحد اليوم .
·     أول زعيم عربي يدعو الى عقد أجتماع للجامعة العربية في بغداد .
·     أول زعيم يدعو المؤتمر ألأسلامي ومقره ـ باكستان ـ لعقد مؤتمرهم في بغداد وأمر بتحمل العراق لكافة مصاريف المؤتمر .
·     أول قائد يهدي مملكة المغرب / سرب من طائرات ـ فيوري ـ الى سلاح الجو المغربي للدلالة على نوايا العراق لعمل أمتن العلاقات مع الدول العربية ومساعدة الدول التي بحاجة الى مساعدات !!.
·     كان حريصاً على أفتتاح بيوت الرحمن .. لقد شارك في أفتتاح كنيسة صغيرة في كركوك.. والقى خطاباً قوياً هناك منتقداً بعض الجهات السياسية !!.
عبد الكريم قاسم ـ صاحب القلب الكبير ـ :
اما الدليل علي كره قاسم لعقوبة الاعدام هو ما فعله تجاه عبد السلام عارف الذي حكم عليه بالاعدام بتهمة التآمر علي حياة عبد الكريم والقضاء علي الكيان العراقي، فانه انتهز مناسبة احد الاعياد، فذهب بنفسه الي السجن واصطحب عبد السلام معه الي بيته معززا مكرما، ومعه مجموع رواتبه المتراكمة منذ اعتقاله حتي اطلاق سراحه. ودليل آخر نستخلصه من حادث اطلاق النار عليه واصابته بحوالي 40 طلقة كانت كافية لقتله، لولا الجهود الاستثنائية التي بذلها الاطباء لانقاذ حياته. وقد صدر حكم الاعدام علي المشاركين في تلك العملية، وكلهم من الشبان، وصودق علي الحكم، وحلقت رؤوس المحكومين تمهيدا للتنفيذ، ولكن هنا ايضا وقعت المفاجأة، وصدر قرار العفو عنهم.
نعم مع كل تلك المؤامرات والدسائس.. وأخيراً محاولة أغتياله .. لقد قال قوله الشهير :
ــ عفى الله عما سلف !!!!.
أي قلب كبير كان يحمله زعيمنا الشهيد / عبد الكريم قاسم ..؟؟؟.
عبد الكريم قاسم ، بالرغم من أنه كان عسكرياً إلا أنه كان في مخيلته الكثير من المشاريع العملاقة لخدمة أبناء شعبه المعدمون.. ولقد أتهموه خصومه بأنه يصلح أن يكون ـ أميناً للعاصمة وليس قائداً عسكريا ـ !!.
وحينما أسمعوه تلك ألأشاعة ضحك وقال :
ــ المهم أن أخدم أبناء شعبي !!.
للزعيم الراحل بصمات واضحة في شتى المجالات ولحد اليوم .. فقد أنشأ وشيد العديد من المشاريع التي لاتنسى.. شخصياً أتذكر :
·     بناء مدن كبيرة لأناس كانوا يسكنون بيوت من الطين فقد أنشاً مدن [ الثورة ، الشعلة ، الحرية ، ألأسكان ، اليرموك والضباط / قرب ملعب الشعب الدولي.. ومحلات في أنحاء العراق ـ ألأسكان للناس الفقراء ـ .
·     في كل مدينة مستشفى وحدائق وماء وكهرباء .
·     تشييد قناة الجيش وأنشاء حدائق وأمر بوضع أجهزة التلفاز في كافة الحدائل حتى لايحرم الفقراء من مشاهدة التلفزيون .
·     تشييد / جسر المعلق على نهر دجلة .
·     أمر بتشييد العشرات من رياض ألأطفال والمدارس .
·     أهتم أهتماماً كبيراً بدور الرعاية ألأجتماعية وألأيتام وألأرامل .
·     أهتم بالجيش.. وقد كان الجيش العراقي في زمنه من أقوى جيوش المنطقة .
·     متن علاقاته بالكتلة ألأشتراكية في المقدمة ألأتحاد السوفيتي.. وقد أشترى أسلحة الجيش منهم وفي كافة المجالات وألأختصاصات.. وحتى في مجال التجارة العامة ، حيث شاهدنا لأول مرة السيارات السوفيتية ( الفولغا والمسكوفيج ) في الشوارع !!.
ــ بروح أبوك فرد سؤال .
+ أسأل.. ولايهمك..
ــ يعني الزعيم / عبد الكريم ..ماكان وياه سيارات وحماية و….؟؟؟
+ خوش سؤال.. وربك ماكان معاه غير مرافقه الشخصي فقط .. بدلالة عند محاولة أغتياله كان في سيارته الشخصية ( نوع شوفرليت صالون ) مع السائق والمرافق فقط .. ولكن بعد المحاولة كانت مجموعة صغيرة من ألأنضباط العسكري ترافقه .. وبعدها أهداه ألأتحاد السوفيتي سيارة مصفحة ضد الرصاص.. ومع ذلك لم يستعملها.. حتى الفترة ألأخيرة كانت تلك السيارة موجودة في المتحف العسكري ..
ــ يعني لاقطع شوارع.. ولا كتل كونكريتية.. ولا .. ولا ..
+ لاتكمل.. أخوية هذا كان من والى الشعب.. منين يخاف..؟؟ الشعب كان سنده.. كان يطلع الفجر يفتش ألأفران والمحلات.. حتى مرة ركب باص المصلحة ـ باص حكومي ـ وجلس في الدرجة الثانية.. كان يتجول في ألأحياء الفقيرة وبأستمرار ..كل أهل بغداد كان يشاهدوه وهو يقف مع هذا وذاك..كان أنساناً طبيعياً كأي عراقي.. ولا كأنه زعيم العراق …
ــ طيب لعد ليش غدروا به ..؟؟.
+ سؤال صعب.. وهو شوكت كان الحاكم العادل والنزيه مرغوب من قبل ألأستعمار وألأعداء.. بعدين لازم نوجه سؤالك للعراقيون …
ــ طيب.. وصدك كان يأخذ راتبه العسكري فقط ؟؟
+ طبعاً.. لقد أمتنع أن يأخذ راتب رئيس الوزراء ووزير الدفاع …
ــ عندي حجاية..
+ أحجي
ــ يعني مثل الجماعة.. !!!!!!!!.
+ ياجماعة..؟؟.
ــ اللي يحكمونا.. اليوم !!.
+ لا أرجوك.. أخوية شتانة بينه وبينهم.. زعيمنا كان نزيه ومخلص ومايخاف وعنده ثقة بنفسه.. كان من والى الشعب ..
ــ يعني شنو قصدك ..؟؟
+ قصدي واضح .. لاتغشم نفسك ..
ــ أبختي تمام.. الحالة آلآن معكوسة ..
+ عليك نور … والله أصبت الهدف.. عافرم …
مهما كتبت أنا والعشرات مثلي وحتى أساتذتي الكبار لانستطيع أن نعطي حق ذلك الزعيم الخالد الذي نذر نفسه وحياته لخدمة شعبه ووطنه وحتى لو كتبنا مجلدات ومجلدات فهو القليل جداً.. أعتبرها نقطة في بحر …
نعم هكذا كان زعيمنا الخالد / عبد الكريم قاسم ـ رحمه الباري وطيب ثراه ـ ولكن للتأريخ لم نكن أوفياء مقابل أخلاصه لنا.. لقد تركناه يواجه قطيع ذئاب جائعة وهو مجرد من السلاح!!!… آخ من العراقيين… آخ !!!!!!.
آلآن عرفنا قدره .. رحم الله من قال :
ما تشوف خيري..إلا تجرب غيري…
وأنا أقول :
ماكو زعيم إلا كريم.. لازعيم بعد عبد الكريم قاسم..لا والله … حرامات .. وينك يازعيمنا ..تعال وشوف زعماء آخر زمان.. كلمن اله والأقربائة وأحبابة.. حتى ثروات الشعب صار ملكهم.. يصدرون.. يسرقون في وضح النهار… خوش حكومة.. منتخبة.. وطنية… لا هواية قيمنا …!!!

* مقولة وأهازيج كان يرددها العراقيون.. وكريم..يقصدون / الزعيم عبدالكريم قاسم.. محبة به كانوا يصغرون أسمه.. فتارة كريم.. وتارة كرومي … أما الزعيم.. فكان يقصد شخصه أيضاً.. لقد التصق صفة الزعيم به حتى بعد ترقيته الى رتبة فريق ركن.. والزعيم رتبة / عميد في الجيش العراقي…