الرئيسية » مقالات » المثقفون خصوم الاحتلال وضحاياه! 3/15

المثقفون خصوم الاحتلال وضحاياه! 3/15

2-المثقفون خصوم الاحتلال وضحاياه!
هل يخرج الأمريكيون من العراق والمنطقة؟!! 
 

جواب على سؤال طرحه الزميل عادل محمود عن ..سيناريو خروج الاحتلال من العراق ..ونشر في جريدة العرب اليوم الاردنية..اجبت:
عزيزي الأستاذ عادل محمود..
تحية طيبة..
سوف لن أجيب على سؤالك (الأمنية!)..بـ(خارطة للطريق!) حسب مصطلحات سياسيو هذا الزمان.
لان السؤال ينطوي على محورين أساسيين :
الأول:متى يتم الخروج؟
والثاني: كيف يتم الخروج؟
ولكي لا نضلل القارئ مثلما أوهمناه على مدى أكثر من خمسة عقود على امتداد تاريخ نكباتنا ،فإننا يجب أن نبين له باختصار شديد ودون لبس:
متى بدء (الدخول) الأمريكي للعراق؟
كيف بدء (الدخول) الأمريكي للعراق؟
لان إعلامنا أوهمنا بدهاء أن (الدخول) الأمريكي جاء مع أول دبابة اخترقت صدر بغداد الأسيرة بقيود الدكتاتورية عام 2003.
وبالتالي فإننا سنتوهم بان زوال الدبابة عن صدر بغداد تعني خروج الأمريكان من عروق العراق!..
وهذا هو التضليل الذي ينبغي أن نحذر منه.
عزيزي ..
حالما قرأت رسالتك المقتضبة والحريصة..تذكرت ليلة من ليالي تموز عام1962 وكنت يومها شابا صغيرا أرافق عمي المتحمس ومعه مجموعة من اليساريين يدبجون لافتة كبيرة تقطع شارع النهر في بغداد ..تقول :(انتصار الثورة الكوبية بداية انهيار النظام الأمريكي)، وفي تلك الآونة كان الرئيس الأمريكي جون كندي يوجه خطابا تحذيريا الى الحكومة العراقية انذاك، ونشرته الصحافة العراقية يومها ، متوعدا: (يجب أن يعاد الحصان الجامح في بغداد إلى الحظيرة) وكان يعني حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم..
ودهست دبابات رمضان عام 1963 (الحصان الجامح) و(جاءت محملة بقطار أمريكي حسب رواية علي صالح السعدي نائب رئيس وزراء حكومة رمضان)..
وتتالت الأحداث والتوغلات والتغلغلات والأدوار ودخل العراق شرطيا نيابة عن أمريكا لمعاقبة نظام الامام خميني وصار رامسفيلد ضيفا كريما _ يدخل العراق دون جواز سفر _ وأوحي لحكام بغداد بان غزو الدولة الشقيقة (الكويت) مسألة داخلية!.واستبيحت الكويت وانهار الأمن العربي الواهي..واستنجد الحمل بالقصاب خوفا من الذئب!
وعرض العراق في سوق المساومات وكثر (الدلالون والسماسرة) وجميعهم ليسو من أعداء أمريكا بل أصدقائها الخلص.
واستدعى النظام العراقي يومها كل مستلزمات الهاوية ومبررات الغزو ، فصار حاضنة للعناصر المسلحة التي جاءت من دول عربية (تطلق عليهم اليوم صفة الإرهابيين) .. دون أن تنقطع عن إمداد أكثرهم وحشية بحق نساء وأطفال العراق بالمال والمعلومات والتسهيلات والنقل.. كما صار ذلك النظام بممارساته جسرا آمنا للغزو بعد أن ساهم باستكمال مبررات الغزو بإنضاج الظروف الداخلية والإقليمية والعربية والدولية للغزو.
ودخلت دبابات بوش شارع الرشيد.
وصرنا منقسمين بين مهلل للاحتلال الذي خلص العراق من دوامة الحروب والإفقار والرعب والمقابر الجماعية..وبين الميل الطبيعي لكل إنسان بمقاومة غزاة وطنه.
وازدادت الأمور تدهورا وخرابا ودموية عندما زج الدين كقوة محركة ومؤججة للنوايا السياسية فصرنا نذبح على (الطريقة الإسلامية) مع (اجتهاد) ذباحو كل مذهب باختيار وسيلة وأسلوب الذبح..( كي لا يتدافعوا في الزحام عند دخول الجنة!) ودون أن يختلفوا على جنس الذبيح فهو (العراقي)، ودون أن تكون سيوف وبنادق القتلة بعيدة عن مخازن سلاح المحتلين ومشورتهم ونواياهم واستدلالاتهم.
وخلال كل تلك العقود التي سبقت دخول دبابات بوش إلى شارع المتنبي والسنوات التي استمرئ فيها الإرهابيون الفتك بالمتنبي مرة أخرى، فان الصراع بقي واحدا والهدف واحدا .. قاله جون فوستر دالس للرئيس جمال عبد الناصر عام 1952 (إقامة حلف لحماية العالم الحر )، وما قالته كوندوليزا رايس عام 2006 (الشرق الأوسط الجديد).
كما إن التناقضات المتراكمة على مدى عقود من الزمن في بنية المجتمع العراقي ، والتي كانت مطمورة تحت طغيان الخوف من النظام الدكتاتوري قد طفحت إلى السطح وتطايرت شظاياها إلى نفوس الناس وتراب الوطن، وتتشكل اليوم قوى اجتماعية وسياسية متداخلة ومتحركة ومتبادلة الأدوار ..ليست بعيدة عن تأثيرات المحتل المباشرة وغير المباشرة ..مثلما هي موضوعا لمشاريع ونوايا الدول الإقليمية التي هي الأخرى ليست بعيدة عن مظلة المحتلين.. واستعداد البعض منهم لأداء الدور الذي يفرضه عليه المحتلون بعد رحيل الدبابات واستبدال الجنود الأمريكان بدلات المارينز بياقات (دعاة الاعمار وحماة السلام).
إلى جانب الحراك الموضوعي لقوى تنموية عاقلة في المجتمع العراقي يتزايد تأثيرها مع إيغال الإرهابيين والمحتلين بدمائنا..ومع تفاقم الخراب ، فإنها تتشكل وتتبلور وتتجلى كل يوم في نشاطات وحركات وأفكار وتنظيمات وتحديات ..سيكون لها شان مؤثر في مجرى الأحداث ومستقبل العراق ولو بعد حين..
ويبقى السؤال..عن سيناريو خروج الأمريكان من العراق معلقا بالنسبة للبعض.. وللبعض الآخر وأنا منهم..جوابه جلي .. سوف لن يخرج الأمريكان حتى لو صعدت دباباتهم كومة حديد إلى ناقلات الترحيل .
فالاحتلال ليس طابور من الدبابات يمزق أحشاء المدن.. بل قوة غاشمة تتحكم بإرادة الحكام.
فالأمريكان كانوا يتحكمون بنا منذ أول برميل للبترول وصاروا يمسكون بأعناقنا منذ وعد بلفور.
ولكن ..حذار من التشاؤم!؟
وللحديث صلة..
المقالات السابقة:
1. وعي “الاحتلال” وحقيقة الاستقلال؟!
2. الغزو العسكري الخشن والاحتلال الناعم؟!
المقال اللاحق: الدكتاتورية.. جسر لعبور الغزاة؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *