الرئيسية » مقالات » إلى الزاحفين أبداً نحو سراب (( الأنا ))

إلى الزاحفين أبداً نحو سراب (( الأنا ))

(( إن حبا عاش تحت رحمة القتلة, لا بد أن يحتمي خلف أول متراس متاح للبهجة )) – أحلام مستغانمي .
هو نحن؛ وهو حبنا، بل ماهيتنا التي تبحث عن مدارات، علها تركن من خلالها إلى ما فيه شيئاً من الطمأنينة، وسط دوامة يجتهد الكل فيها لأن يتبوأ مركز الصدارة ضمن فراغات الزمن، هذا الكل الذي أصابته التخمة من ثقافة الأنا، إلى درجة الجثو أمام نزعات ونزوات، بل الانزلاق نحو الهاوية، في سبيل وضع القدم على خارطة التسلق، ووضع اليد فوق صمامات هي قيد التفجر، إذا ما أصاب الباطن في هواجس (الأنا) من مكروه أو انحياز أو انشطار، وفيه ما هو كشف عن حقيقته، وحقيقة النسل الذي يستمد منه الاستمرارية، سواء في جانبه السياسي / المعرفي، أو حتى في جانب التكون والتكوين الاجتماعي ..
فلا شك أن العالم يعيش مخاضاً، والمعمورة في حضن الأزمات والاحتقانات، وكلها تؤثر في بنائنا وبنياننا، وتعيد صياغتنا بالرغم عن إرادتنا، لا بل تمس وتخدش تلك الزوايا التي ننطلق منها، ونحن ندعي بأننا في صدد رسالة نبيلة، هي بالحجم التي تفوق طاقاتنا وقدراتنا، قياساً مع ما نمارسه من سلوكيات، وما نترجمه من ممارسات، وعليه فإن الانخراط في عجلة التحليل والتركيب، والدخول في معمعان ما يجري من حولنا، من ثورات وكوارث، قد تعيد الأجزاء المتشظية في البنى المتلاشية إلى حيث موقعها وموضعها، وذلك بالاستناد إلى ما نقول عنه المنطق، هو ضرب من ضروب الصبينة في الممارسة السياسية، وحتى المعرفية، إذا لم نحاول إعادة الصياغة إلى إنساننا، ذاك الذي ولد في أحشاء هذه الآفة – الأنا – التي نخرت في القيم والمبادئ، بحكم أنها جاءت مبرمجة وممنهجة من لدن سلطة القوة وثقافة السلطة، والتي تهدف – في سبيل ديمومتها – إلى إفراغ الإنسان من محتواه وتخريبه من الداخل، ومن هنا كان علينا أن نتحرش بالمكبوت القابع ضمن زوايا النسيان في إنساننا، بهدف دفعه نحو عقد قران، فيه نوع من التصالح مع الذات، وفيه شيء من العودة إلى حيث حقيقتها، وذلك بغية الانطلاق من البيت الداخلي على أسس تؤهله لأن يستوعب مفردات ما يجري من حولنا ..
إن أخطر ما يواجهنا ونحن ندعي النضال من أجل الحقيقة، هو خوفنا من الحقيقة ذاتها، خوفنا من الكلمة التي تحاول أن تسبر الحقيقة، أو الولوج إلى حيث فيه الحقيقة، هو خوفنا من المنطق الذي يحاول أن يجتهد في مواجهة ما يعترض المسيرة من انكسارات، ذاك المنطق الذي يهدف إلى صياغة الواقع بناءً على وقائعها، ووسط جملة هذه المخاوف، واستناداً إلى ما نحن عليه من خواء معرفي وارتجال مواقفي، نحاول جاهدين أن نخرج برؤوسنا إلى حيث الذين قدموا وثابروا واجتهدوا، حتى كادت رؤوسهم ملك غيرهم، نعم تلك هي الخطورة بعينها، أن نتحسس من ارتقاء الآخر ونفسر ذلك على أنه تقزيم لـ( أنانا ) المتضخم، لا بل أن ندفع بما نمتلكه من قوة وسلطة ونفوذ، من أجل العودة بذاك الآخر المندفع نحو آفاق الارتقاء، إلى حيث مصافنا من الانكسار، كوننا لا نمتلك القدرة في أن نتحول إلى أكثر من رقم ضمن الحالة التي نجتازها، وكلنا هاجس في أن نشكل قامة لها وزنها وثقلها ..
إن المعاناة الحقيقية، كما هي التي تلف إنساننا الشريف في مؤسسات الفساد والإفساد، هي تلك التي تواجه الكلمة حين تقف عاجزة في التعبير عن نفسها، وسط ما يمكن أن نسميها بأسطورة النفاق، وهي تلك التي تضغط على صدور أولئك البسطاء الذين يهدفون إلى ذرع بذور الأمل في هذا الواقع الذي يميل إلى حيث انتعاش بذور الشبق نحو الذات، وهم يسلكون الطريق عبر أدوات نضالية، بعيداً عن الأجندات والحسابات والتوازنات، لا بل في ذاك الذي يصارع موجة الرياء ضمن نفق المشاريع التي تستهدف إنسانية الإنسان، ضارباً عرض الحائط ملذات الدنيا، واضعاً نصب عينيه رسالته التي يحيا من أجلها، وهو لم يدرك بعد، بأنه محاط بحلقات، تمت تجييشها وتهيئتها، تحاول نسفه واقصائه وتحييده، لغايات نبتعد الدخول في تفاصيلها حتى لا نخدش ما تبقى لدينا من مشاعر النبل والنضال ..
نعم؛ لا بد أن نواجه الحقيقة بشرورها، استناداً إلى المتفشي فينا، كوننا نراها من خلال ذواتنا وعبر هواجسنا، ولا بد أن نقارع الصمت في نفاقنا، حين تكون الحقيقة على مقصلة أدواتنا ( النضالية )، تلك التي تتفسخ وتتناسل عبر تجسيدات ذاك ( الأنا ) التي لا صلة لها بكل ما يقال عنها؛ من خلافات في الرأي والموقف، كوننا لم نزل – وبحكم ما نحن عليه – بعيدين عن ممارسة الذات ضمن حلقات الرأي والموقف، وحتى إن وجدت ما يمكن تسميتها بالخلافات، وتمت النفخ فيها، فإنها ولا بد أن تكون مرتكزة على إحدى تجسيدات ذاك ( الأنا ) المتسكع خلف متاريس الآخر، والزاحف أبداً نحو التسلق ضمن سياقات، فيها نسف لكل ما ندعيه من قيم ومبادئ، وفيها إخراج لكل ما نحاول الوصول إليه من بهاء وجمال، إلى حيث خارج دائرة إرادتنا، التي تصارع ذاتها وتكافح من أجل غد أفضل ومستقبل مشرق، قد يكون له القدرة في أن يعيد البسمة إلى حيث الشفاه التي حرمت منها، والحرية إلى حيث الخارطة التي استباحت بما فيها وما عليها، وعليه؛ وبما أننا – بعيداً عن الحب – نعيش تحت رحمة القتلة، فلا ضير أن نحتمي خلف أول متراس متاح للبهجة كما تقول مستغانمي، لأنه لا خيار لنا سوى التشبث بما تبقى من خيوط الأمل وسط دوامة الترهل وتغيب الفعل الذي يرنو إلى الأفق عبر الإنسان ومن أجل الإنسان، وحتى ذلك الحين، سنبقى مشدودين إلى ما هو سائد في دخيلة ضعفنا : «ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل» ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *