الرئيسية » مقالات » شيزوفرانيا الأمة: حيث الحياة حفلة تنكرية «إلى الأبد»

شيزوفرانيا الأمة: حيث الحياة حفلة تنكرية «إلى الأبد»

عند لحظة في تاريخنا ضربنا فيروس (جرثومة) الشيزوفرانيا، وهو مرض نفسي يصيب الأفراد ويهدمهم، يعتري الأمة برمتها، وسيصير فيروس «التفكير المزدوج» الذي اكتشفه العالم المخبري جورج اورويل في مخبر الأخ الأكبر عام 1984، فيروسا عربيا، حقوق التطبيع والتوزيع والتطويع والتركيع محفوظة. سيصير فيروس وباء الكذب طاعونا، ويلعب كل «مواطن» مصاب به دور الدكتور جيكل في الظاهر والمستر هايد في الباطن، المستر يقول للطاغية نفديك بالدم والدكتور يقول العكس. يلعب المواطن دور المستر «هاي» أمام صندوق الانتخاب ويمثل دور الدكتور» نو» في قوقعته العظمية. وستخف درجة الإصابة حسب بطش السلطان: إذا قلّ الاستبداد، بسبب العولمة أو «الأحوال الجوية» تقهقر الفيروس واسترخى. وسيتم «عقد اجتماعي» غير مكتوب بين الوحشين المتفاوتين في الجنس والبيئة: الفيروس النفسي الوهمي والفيروس السياسي الحقيقي. هذا الفيروس يجعل الرعايا العربية كلها من «الممثلين» الذين يؤدون، بإتقان ممثل الممثلين كيفن كيسبي، دورين أمام كاميرا السلطان غير الخفية. وقد يمر الفيروس بمراحل هجوع. الغريب أن مراحل هجوعه هي التي يقترب فيها خطر الاستعمار، أو في أثناء الاستعمار. وفي الذاكرة الحديثة، تنضح الشعوب العربية بالنضارة حينما يشرّف الاستعمار الحديث، من الغريب أن «العمران» بمعناه المباشر كالمباني… أو بمعناه الخلدوني الحضاري كسن القوانين في «دولنا» الموقرة تدين بحداثتها ومتانتها للاستعمار… الاستعمار يترك فرصة لمقاومة الفيروس؛ مقاوم الاستعمار بطل، أما مقاوم الاستعمار الوطني فخائن. لكن «الكولونيل» الوطني الذي ليس له إلا من يهتف له، يحقن رعيته دوريا بفيروس الفصام. لغوٌ أن نقول إن الفيروس يموت في ظل الاستقلال وبرودته. حرية الفرد وكرامته تمنع الفيروس من التسرب إلى الجسم البشري. الفيروس يصيب الرعايا بسهولة، بسبب قلة الزاد الثقافي وضعف بنية الوعي بالحق والواجب (تنقلب الأمور فيغدو الواجب حقا والعكس بالعكس)، لكن الفيروس «يناضل» في حالة المثقفين والأئمة «الاكباش» ذوي القرون الذين يبدون مناعة. المثقف بلغة علوم الالكترونات ناقل جيد «كود كوندكتور» إذا مرض تداعت الأمة كلها مريضة (وإذا ضل العالِم ضل العالَم)، وقد رأيت وسمعت بأم أذني وأختها وخالتها، عبر الأثير الحي، مثقفا يعتبر من الآباء الذين لهم معاطف وسلالات أدبية، يبتسم «ابتسامة التمساح» للكاميرات على الوسام الذي ناله من السلطان، وحالما غابت سكرة الكاميرا وجاءت الفكرة بالحق في الظلام، خلع القناع عن القناع، وصرح بأن الوسام هو للسلطان قبل أن يكون له؛ النوط هو كفارة السلطان عن آثام الاستبداد! النيشان هنا هو «فك رقبة» رضي بها المثقف لرقبته مقابل التنازل عن طلب عتق رقاب الشعب. صفقة «الفيفتي الفيفتي» بين المثقف والسلطان هي: تنال وساما من جلالتي وتصبح فوق القانون، وأصير سلطانا وديعا وصديقا للمثقفين. يبيض السلطان ضميره الأسود ويحصل المثقف على جواز سفر أو ضريح خمس نجوم… مثقف آخر مترجم إلى عشرات اللغات وله ظلال و»جمهورية» أدبية، كان يلعب دور زرقاء اليمامة في «معلقات» نصوصه، بسم له الطاغية فنال نيشانا سلطانيا فارتسمت على وجهه ابتسامة التمساح وصار له لسانان: لسان في نصوصه يحذر من شجر يتحرك، ولسان في الواقع يتغنى بذرى الأشجار الرومانسية التي تتحرك بنسيم الوطن العليل: لا شرطي، لا أعداء… انه الهواء أيها الغبي.
المثقف العربي لم يقدر بحصانته الرمزية وجمهوره على مكافحة الفيروس، و لم يتواضع، مادامت صخرة الاستبداد توهن قرون الوعل، بوضع كمامة، في اضعف الإيمان، على فمه. تابع بطولاته: رامبو في وغى الورق، وفي الواقع نعامة. مع أن كمامة وقاية خير من قنطار نياشين.
انتهى شهر عسل الديموقراطية العربي القصير، ووعد الإصلاح والتحديث بجنين ميت في شهره الثالث، أعلن صدام شهيدا، وأن الاستقرار خير من الديموقراطية وأن النوم خير من الصلاة، وخير من خير العمل: بناء الإنسان، وخلافة الله في الأرض بعمرانها… وساد الفيروس المفترس: فباد الصدق وطوّب النفاق عيدا وطنيا، وعيد «الثورة» صار عيد الأخ الأكبر، وعيد الهدر الأكبر، وأعظم الجهاد كلمة ملق عند سلطان جائر.
كل شيء مقلوب: التقمص الذي هو عقيدة الوثنيين الهندوس في «الآخرة» صار عقيدة المسلمين في الدنيا. وتغنّت الأغاني بالوطن الغالي الذي يغلي بالغلاء وعسس النهار فيهرب منه أبناؤه إلى مهاجر الصليبين. أضحى النصب فهلوة، والاستخذاء وطنية، وأمراء الحرب وأمراء السلم يكتبون للزعيم في تقاريرهم: كل شيء هادئ وعال العال على الجبهة الشرقية. فكل شيء على أتمه في «اليوتوبيات» حتى ربع الساعة الأخيرة كما تقول هنه ارندت.
الزعيم «العربي» نفسه يصاب بالفيروس الذي يشيع المرض بيده، فيقول أمام رعاياه: أيها العشب العظيم، وأمام وكلائه على الرعية، يردد مقولة شارون نفسها: الشعب العربي ما يجيء إلا بالعصا، وتصير بحار اللغة مستنقعات، آسنة من كثرة تكرار مفردات الوطنية، ولا يستطيع المواطن خلع قناعه إلا في الكوابيس والأحلام.
القناع الذي وضعه معاوية: نظهر حلما تحته غضب، ويظهرون طاعة تحتها حقد… والعرض مستمر: نصف قرن من الفصام المتواصل، منذ الاستقلال. في بلدان الاستبداد لا احد يصدق أحدا، الزعيم يعد ولا يفي، والبرلمانيون يقسمون ويحنثون، الحياة السياسية: ستنظم وتعود، والمنشورات سيصدر لها قانون سير. لا احد يفي بوعد، حتى العشاق يتأخرون عن مواعيدهم الشبقة بسبب اختناق المواصلات بموكب، أو ربو السير. صارت أمة المؤمنين أمة منافقين. الكذب فقهيّاً لا يجوز للمؤمن، إلا في حالات ثلاث شرحها الفقهاء: الحرب، مغازلة الزوجة، إصلاح ذات البين بين متخاصمين. لكن «التقية» ستشرع إباحة الأقنعة والماكياج السياسي، وحفلة التنكر على أشدها: الطاغية يرتدي قناع الخروف والشعب يضع قناع العشب. وفيروس الفصام، كان يُستحضر بالعصا في العهود السابقة التي كان فيها رمق من روح الشمس لكنه حاليا يحضر بعصي جميلة وزاهية ومطربة، مخرومة بثقوب فإما مزمار للشياه، أو عصا الطبلة لقرود النّور. والعصوان تصلحان للجمع «الوطني» و… الطرح والضرب والتقسيم الوطني أيضا.
جورج اورويل: أهلا وسهلا بعودة أخيكم الأكبر والحمد لله على سلامة الأعداء… أوحشت ظهورنا ورقابنا يا أخانا الأكبر… رأينا نيوب الإصلاح بارزة فظننا، لكنّ جمع الله الشتيتين: الضحية والجلاد، في بلاد «العزّة والفخَار»، بعد أن ظننا كل الظن أنّ الديموقراطية قادمة، فعذرا على هذا الظن «الآثم».. وإنا لله وإنّا إليه راجعون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *