الرئيسية » مقالات » متى تتخلّص مجتمعاتنا من تقاليدها البالية ؟؟ القسم الثاني

متى تتخلّص مجتمعاتنا من تقاليدها البالية ؟؟ القسم الثاني

أي مشروع حضاري ينتظرنا ؟
الخروج من الاهتراءات
طالما اقول بأن جملة هائلة من التقاليد المهترئة السيئة هي التي اساءت الى كل تاريخنا وعصفت بحاضرنا ، وحطّمت كل مشروعاتنا ( النهضوية ) وافكارنا ( الاصلاحية ) وحتى استعراض عضلاتنا ( الثورية ) .. ولم نبدأ حتى يومنا هذا أي مشروع حضاري .. وطالما كان الحكماء والادباء والشعراء والعلماء في مجتمعاتنا من ابرز الذين نادوا بالعمل والانتاج بالحلم والحكمة والعمل الصالح والاخلاق الحميدة والامر بالمعروف والاحسان والرفعة والتحضر والمعاملة الحسنة والاستماع لافضل الاقوال وسعد الالفاظ والمجادلة بالتي هي احسن والعظة من التجارب والخبرة والاعتراف بالخطأ فضيلة والصراحة والامانة والمصداقية في القول وشرف الكلمة والكلمة الطيبة صدقة والدعوة الى المحبة والتعايش بعيدا عن الاحقاد والكراهية ومقابلة الاحسان بالمعروف ونقد الاخطاء والتقويم بقول جميل .. وواجب الشكر للاخرين والوفاء بالعهد والعدالة والحرية والتشاور واتباع الاصول والمسالمة والمناقشة والمصارحة وتعظيم النفس بالتغافل والستر والابتعاد عن التجريح وعدم المشاغبة ولا الاساءة ولا وساخة التعابير او ايذاء الاخرين وقطع ارزاقهم او التسكع او التحرش او الوضاعة او الزعيق او خلف الوعود والايمانات الغليظة او البهاتة او عشق الفوضى او التلّذذ بالاذية او الشتيمة والسباب او التبجح واستعراض العضلات او الاثارة الداعرة والتهميش والتسلط والتشفي والاخذ بالثأر وتضييع الزمن وهوس الخيالات والايمان بالخرافات والخزعبلات .. الخ
تاريخ طويل يمتلكه المجتمع بكل ما يتضمنه من التجارب والانساق والمضامين والاحداث والامثال والنصوص والاثار .. ويبدو ان الزمن كلما يمضي نحو الامام ، فان ابناء المجتمع الذي وصف باسمى الصفات من العظمة والتحّضر .. يتهالكون شيئا فشيئا نحو الانسحاق نتيجة ما جمّعه التاريخ لديهم اليوم من بقايا السيئات وجذور المشكلات وتعقيداتها التي لا تعد ولا تحصى .. بل وان التلاؤم لا يحصل مع الروح الجماعية اذ تسيطر النزعة الفردية على السايكلوجية الفردية لكل ابناء المنطقة .. سيطرة عمياء وتنتشر الروح الشريرة بشكل لا يمكن تخيله بحيث تصل الى حد التشّفي بموت المختلف السياسي والفكري والديني والمذهبي .. فكيف اذا وصلت درجة الخصومة بين اثنين .. اذ يصبح القتل مشروعا للتنفيذ ، ولم تزل نزعة الثأر مغروسة في تقاليد وعادات منتشرة لاغلب ابناء المنطقة ، وتمثّل صلبا من اعرافهم .. وسيكتشف ذلك بسهولة كل من يقرأ تاريخنا الاجتماعي والسياسي ويقارنه بتواريخ مجتمعات اخرى أي من دون ان يجعل للاخرين مثلا .
التقاليد البالية وراء الانحرافات في مجتمعاتنا
1- طبيعة المجتمع الابوي السلطوي: بالرغم من أن مجتمعاتنا تمر بمراحل انتقالية بطيئة ، فإننا نتلمس جذور المجتمع المبني على هرمية السلطة الابوية الاجتماعية التي ما زالت مسيطرة ليس على العائلة ، بل على كل المجتمع . أن استخدام العنف والقسوة من قبل الاب والأخ الكبير والشيخ والمدير والشرطي والرئيس .. الخ أمر مباح، ويعتبر في إطار المعايير الاجتماعية السليمة، وحسب نظرية ماكدوكل النفسية الاجتماعية فإن الإنسان يكون عنيفاً عندما يتواجد في مجتمع تسوده القسوة ويعتبر العنف سلوكاً ممكناً، مسموحاً ومتفقاً عليه. ويا ويل كل من يعارضه او ينتقده او حتى يتساءل عن اسبابه ..
بناءً على ذلك تعتبر هذه التقاليد والاعراف مركزية لا يمكن ان يحيد عنها احد ابدا ؛ إذ يأتي كل الافراد المُعنّفون من قبل الأهل والمجتمع والدولة وكل من يحيط بهم إلى اي مجال مفرغ من سلطة التقاليد ليفرغوا الكبت القائم بسلوكيات عدوانية عنيفة يقابلهم افراد آخرون يشابهونهم في التكوين والاوضاع والسلوكيات المماثلة، وبهذا الاسلوب تتطور حدة العنف ويزداد انتشارها في كل مكان . ان المدارس والجامعات لم تأخذ دورها الطبيعي في القضاء على كل انحرافات المجتمع ، لأنها مجرد مراكز اشعف بكثير من سلطات المجتمع المهيمنة التي تخشاها حتى سلطات الدولة .. وفي المجتمعات العربية تأخذ الجماعات ذوات المواقف المتشابهة في التقاليد البالية حيال العنف والسيطرة والبروز واستعراض القوة للاستحواذ على المكانة والمال والشهرة طبائع غاية في السوء لا تتوقف عند الافراد ، بل تأخذ طابع الشللية والتحالفات من أجل الانتماء، وهو ما يعزز عندها تلك التوجهات والسلوكيات؛ فيذكر مثلا “إذا كانت البيئة خارج المدرسة عنيفة فإن المدرسة ستكون عنيفة”.
تشير هذه النظرية إلى أن الفرد في بيئته الاجتماعية وخارج اطار القانون يتأثر بثلاثة مركبات، وهي: العائلة، والمجتمع، والإعلام، وبالتالي يكون العنف الاجتماعي وما انساقت اليه من تقاليد بالية .. نتاجا للثقافة المجتمعية البليدة العنيفة التي لا يمكن التفاهم معها ابدا .
2- المجتمع التحصيلي من بقايا التقاليد : في كثير من الأحيان يذهب الغالي بسعر الرخيص ، وتطرد العملة الرديئة العملة الجيدة من السوق .. واعتقد ان هذه النظرية هي التي تجعلنا نفكر في الملايين من الناس الذين تركوا مجتمعاتهم وهاجروا الى مجتمعات اخرى واندمجوا فيها سابقا .. اما اليوم ، فمن كثرة وغلبة التخلف والتعصب والتطرف ، فان الحالة اصبحت معاكسة ، اي ان العملة الرديئة لم يقتصر دورها على الداخل ، بل تخطط لافساد العالم كله فالمهاجرون اليوم لا تجدهم ممن يريدون الخلع عن تقاليدهم البالية ، انما يحملونها هي نفسها الى العالم المتمدن تحت مسميات شتى واهداف غاية في الخطورة .. وربما لم يعط العالم اهميتة بعد لما يسببه هذا الطوفان على العالم ، ولكن ستحل كوارث شتى نتيجة انتقال جملة تقاليد خطيرة الى مناطق محددة من العالم . وحسب نظرية الدوافع؛ فالإحباط هو الدافع الرئيسي من وراء العنف وتداعياته على المجتمعات اليوم ؛ إذ إنه بواسطة العنف يتمكن الفرد الذي يشعر بالعجز أن يثبت قدراته الخاصة؛ فكثيراً ما نرى أن العنف ناتج عن المنافسة والغيرة. كذلك فإن الفرد الذي يعيش في مجتمع غارق في سيئات لا تعد ولا تحصى ستجده يحمل كل بقاياه وسيخرجها يوما معبرة في اشكال عدة .
3- التكوين البدائي غير المدني : ويشتمل هذا ” التكوين ” على عدم وضوح القوانين وقواعد التعامل الانساني .. انه تكوين على وازع الرعب والقصاص الذي لا مبرر له وعلى الاضطهاد وعلى الاوهام وعلى الخيالات التي يعتبرونها حقائق لا برهنة عليها .. وعلى حالات نفسية صعبى سايكلوجيا وعلى حدود غير واضحة لا يعرف الانسان بها حقوقه ولا واجباته، انهم يلقنونه التقاليد والاتباعية والطرقية بلا تفكير وبلا ارادة وبلا تكوين وبلا عقل وبلا تفكير وبلا مقارنات وبلا شخصية .. يربونه على الضعف والانسحاق والكراهية وعبادة الماضي وتقديس الاشياء العادية .. يعلمونه الاذى والتعامل غير الفعال وغير الممتع ويدرسونه ( المحفوظات ) التي لا فكر فيها وهو الذي يعتمد على التلقين والطرق التقليدية.. كل هذا وذاك يخلق العديد من الإحباطات عند الافراد التي تدفعهم إلى القيام بمشاكل سلوكية تظهر بأشكال عنيفة، وأحياناً تخريب للممتلكات الخاصة والعامة، بالإضافة إلى استخدام سري وعلني للعنف، والمهارة في البذاءة والانفعال .
إضافة إلى ما ذُكر فإن الأسلوب الديمقراطي ومناهج التمدن تلاقي معارضة شديدة من المتسلطين في المجتمع وفي مقدمتهم رجال الدين ورؤساء العشائر والاعيان الذين اعتادوا على الضرب والمقاطعة والأسلوب السلطوي بكل إزعاجاتهم، انهم يخلقون أشرارا لا ينفع معهم إلا الضرب والاعتقال والسجون والاساليب الصعبة .. ونعود إلى اي متمدن فنجده صاحب نفس قصير ، اذ سرعان ما يحمل همومه ومعاناته ليختصر على نفسه الجهد والتعب بدلاً من أن يصمد ويكون واعيا بأن عملية التغيير هي السيرورة Process التي تتطلب خطة طويلة المدى ، فتجده اما يختار الانزواء او الاختفاء او العجز او الهجرة او الموت.
4- تقاليدنا البالية وراء التفكك الاجتماعي: ان ما يتبلور من حدوث الانحرافات السلوكية الناجمة عن حالات اضطراب الشخصية في مجتمعاتنا بحاجة الى مزيد من الدراسات والابحاث بما فيها الأمراض النفسية التقليدية مثل القلق والاكتئاب والفصام والوساوس والخوف والانحراف .. في نسبة تصل عاليا عند الذكور، وبنسب اقل عند الإناث، حسب الإحصائيات العالمية في بعض المجتمعات، واذا كانت بوادر الانحراف السلوكي في مرحلة المراهقة عادة أو قبل سن الخامسة عشرة، وتحدث بصفة رئيسية في المناطق المزدحمة والعشوائية، فان الدراسات التطبيقية تؤكد ان تلك البوادر نجدها حتى عند الاطفال .. وتزيد احتمالاتها في الأسرة كبيرة العدد في مجتمعات عربية واسلامية ، وفي المستويات الاجتماعية والتعليمية المنخفضة. ان مجتمعاتنا مبتلاة كثيرا بالازدواجية والشيزوفرينا وحالات اضطراب الشخصية المضادة للمجتمع أو ما يطلق عليه الشخصية السيكوباتية.
التمييز بين التناقضات الاجتماعية
لعل مشكلة التمييز بين التناقضات في التفكير والممارسات كانت اول صراع للمتحررين من سطوة سلطات متعددة اجتماعية قبل ان تكون سياسية ، اذ لم تكن المشكلة التي اقلقتهم متى تكون الحالة صادقة او متى تكون الحالة الاخرى مقبولة ، وانما كان جّل الاهتمام يتضّمن وضع حلول لمشكلة التمييز بين الوجه الحقيقي والوجه الزائف . وينبغي ان نعدّ معايير جديدة لاساليب وقائية تحدد ما هو ثابت وما هو متحّول فنحمي الحياة التي نعرفها ( = الدنيا الاجتماعية المغيبة بكل قيمها التاريخية الاصيلة ) مما قد يضعفها من الافكار غير الواقعية وما يسود من المفاهيم البليدة ومن ذاك الذي يتداول من الاقوال الخاطئة ومن النصوص غير الصائبة ، ونرسم مبادىء حضارية مدنية ثابتة تساعد على استقرار الحياة الاجتماعية والتفكير الانساني والوطني معا.
ان وضع معايير قوية في القابلية للاصلاح في المجتمع لا يمكن أن تؤدى اداء سيئ للدولة ومن دون أي استشارات محدثة ومن دون الاستعانة بخبرات مدنية .. اذ لا يكفي ما هو جاهز من الموروث وما هو كامن من اساليب مهترئة .. عندما تبدأ حالة التلقي بزرع جملة مبادئ وقيم يحاول الانسان التمّرس عليها بعيدا عن أي اطواق او أي سلطات او أي مرجعيات .. ولابد ان يشتغل العقل بعيدا عن العاطفة ، وان تقال الحقائق بعيدا عن الخرافات .. وان تنتاب الجميع اسئلة لا حصر لها بشأن كل الاصول المترسخة في الاعماق والمركبة في الاذهان بحيث يمكن استئصالها يوما بعد آخر وتخليص الجيل القادم منها ومن نوازعها العقيمة .. ان مجتمعات مدنية اليوم استطاعت من خلال عاملين اساسيين تقويم اوضاعها بالتشديد على كل من التربية والقانون . هناك من يقول ويشدد على ما يسميه بـ ( الوعي الثقافي ) كي تستقيم سلوكيات المجتمع ، وهنا اخالف ذلك بشدة ، فالوعي الثقافي لا يمكنه ان يترسخ عميقا في المجتمع من دون أي تربية مدنية راسخة ، والتربية بكل انواعها هي التي ترّبي سلوكيات الافراد على مدى ثلاثين سنة ومن خلالها يبني الانسان نفسه ويؤسس علاقاته بالاخرين في المجتمع . اما القانون ، فهو الذي يربط الانسان بالحياة والمجتمع والدولة معا كعقد اجتماعي يعد ضرورة حياة او موت .. انه يجعل الانسان لا يحيد عن الصواب ، فان حاد فالقانون هو الذي يربيه .
لذلك فان من مستلزمات الاصلاح فرض معايير مدنية ( وخصوصا في التربية والقانون ) وان نطالب اجيالنا الجديدة بان تكون مهمتها يمثّلها السعي لتخطئة التقاليد غير المجدية .. وهكذا تكون افضل التقاليد مهما كانت طبيعتها سياسية ام اجتماعية ام ثقافية هي التي تجتاز اكثر الاختبارات قساوة وسط غابة من التحديات الداخلية . اننا نؤكد فضلا عن ذلك الاعتماد بالدرجة الاساس على طرح الافكار الجريئة او الاليات النقدية الجسورة سواء كانت حدوسا او فروضا و دحض كل الترسباّت والماضويات من خلال مجادلات نقدية يعتمدها العقل او اختبارات تجريبية وسيلتها البراهين والادلة وحقائق الاشياء .
طريقنا نحو المستقبل
اننا نطمح ان يميّز الانسان تمييزا واضحا بين المعاني والتشيؤات وبين الفرضيات والبراهين . هنا لابد من تحديد الشروط التي ينبغي ان يخضع لها العقل السائد :
1- التخلص من ازمة التناقضات من خلال ايجاد تفقهّات واجتهادات جديدة قائمة على التفكير والعقل .. فما يزاول اليوم في مجتمعاتنا من عادات وتقاليد سيئة وضارة لا يمكن السكوت او التغاضي عنها ، وهي التي تخلق كل تناقضاتنا الاجتماعية والسلوكية .
2- الاستقلال عن التقاليد البالية والضارة والبليدة بايجاد بدائل من التقاليد النافعة في الحياة ، وعلى الدول واجهزتها التشريعية التعاون مع علماء الدين لاصدار قوانين تلغي ما متعارف عليه والاعتراف بالبدائل خصوصا وان الناس تؤمن بما يقوله رجل الدين ولا تؤمن البتة بما يقوله رجل الدولة .
3- الكفاية بما قد انتهى المجتمع اليه من الماضي ومحاولة تطوير الواقع بما يتلاءم ومنطق هذا العصر ، بعيدا عن أي انشدادات لبقايا الماضي التي لا تتفق ليس مع العصر حسب ، بل لا تنسجم مع منطق الأشياء .
4- الانطلاق من الحقائق الضرورية من خلال تشكيل اللحظة الحاسمة في التفكير والانتقال من حالة التقاليد الثابتة الى منطق التشيؤات المتحركة .. وهنا ينبغي العمل على تغيير الذهنية السائدة من ثوابت المطلقات الى نسبية الاشياء . اننا بحاجة الى ثورة ديكارتية حقيقية في تنمية التفكير وتغييره مهما كانت الاثمان.
5- علمنة المؤسسات السياسية وتطوير قوانين الاحوال الشخصية وتحديث الاساليب التربوية وتنمية وسائل التفكير للانتقال من الاوهام الى حقائق الاشياء بزرع مبادئ البرهنة على كل ما يقال .. واخراج المجتمع من اطوار الخرافة وتقاليد الماضي ليدرك معاني الحياة بكل مفرحاتها وقيمها الجديدة وتبديل كل ما هو سيئ وضار ومعيق للتقدم بدءا من الاشكال وانتهاء بالمضامين . أي باختصار : تأسيس حقيقي للحياة المدنية وفضائلها والاستفادة من كل الموروثات الخيرة بروح رياضية وشفافية لا بنزعة تعصبية ليس لها الا الكراهية .
6. زرع روح المحبة والتسامح والمودة والتعايش والاستفادة من كل موروثات دينية واخلاقية اصيلة وخلاصا من كل ما شحن بالكراهية والاحقاد في المجتمع ، وان يتفانى الجميع في المجتمع من اجل الابتعاد عن كل ما يثير نزعة الانقسام او يكرسها بالانتقال الى طور التبشير بالانسجام والاخوة وان ينتهي العمل بشكل قاطع عن التوصيفات المؤذية وعن كل ما يؤجج الثارات ويشعل العواطف ويثير الانفس .
توصيات واستشارات
ينبغي علّي في نهاية المطاف ان احدد بعض ما يمكن الرجوع له من النظريات الخاصة بتغيير التقاليد او تجديدها في مجتمعات مثل مجتمعاتنا الشرق اوسطية والتي تمر بتحولات خطيرة وبمخاض عسير من التناقضات المتصادمة لا المتجاذبة .. وعليه ، فان افكارا كالتي طرحها كل من هولبورن وروكان وبوويك .. والتأكيد على دراسة التجارب الاوربية في التحولات الاجتماعية للانتفاع منها ، وخصوصا ما يتعّلق بثنائية تناقضات اساسية عاشتها اوروبا الغربية قبل اربعة قرون .. ومجتمعاتنا تمر بها اليوم .. سنقف ازاء : الطهرية والنفعية والتجديدية والمحافظة وغيرهما . سنقف عند هوبز في البحث عن القانون الطبيعي وتحرير الانسان وتأسيس المجتمع المدني . وهناك ديكارت ومن قبله ريشيلو في فتح الابواب لاقامة توازن بين صراع التناقضات .. او التأكيد على دور السلطة في صياغة اساليب المجتمع كالتي قال بها فوبان وبولزغيلبر .. وصولا الى تأسيس القطيعة بين الغائي والواقعي على مراحل متعاقبة حسب معالجات دوركهايم ومانهايم . ولكن ، ثمة فرق كبير بين مجتمعاتنا ومجتمعات اوروبا الغربية ذلك ان التفكير المدني والفكر الانساني قابل للتطبيق في بيئات اوروبا ، ولكن من الصعب جدا تطبيقها في مجتمعاتنا .. وهنا مربط الفرس وعقدة القصة كلها ، وبالامكان معرفة التفاصيل في كتابي ( العرب والاتراك : الانبعاث والتحديث من العثمنة الى العلمنة ، ط1 ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 1997 ) . انه من السهولة ان تطبق ” القطيعة ” وفلسفتها في مجتمع يقبلها .. ولكن من الصعوبة تطبيقها في عالمنا بعد مرور اربعة قرون على تفاعلات المجتمعات الاوروبية . فهل وعينا الدرس الاجتماعي ؟ ومن اجل مستقبل وضاء .. هل ثمة مشروع حضاري ينتظرنا ؟
www.sayyaraljamil.com
ايلاف 5 تموز / يوليو 2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *