الرئيسية » مقالات » الجوار ومحنة العراق

الجوار ومحنة العراق

الأحداث الجسام التي تعاظمت مع الاسف في وطننا الغالي (العراق) قد وصلت الى مسلسل لا ينتهي من المجازر اليومية التي لم يعرف التأريخ الحديث، وربما القديم مثيلاً لهولها وتشابك الخيوط المحلية والعربية والدولية فيها. حتى بات العراق النقطة الاكثر سخونة في العالم، بل نقطة التوتر الدولي الأساسية التي تنذر بأفدح العواقب، سواء على مستوى منطقة الشرق الاوسط، ام على مستوى الوضع الدولي المعقد بأسره، وضمن هذه المأساة العراقية المستمرة، والتي حصدت عشرات الألوف من الضحايا الابرياء وهدمت بيوتاً ومحلات ومحتها من الوجود.
فالتساؤل عن اسباب سلبية الشعوب والحكومات العربية ودول الجوار طوال هذه المرحلة المأساوية الدامية، وتسعيرها يجيئ في موضعه. هل يعقل ان العراق وشعبه الذي ساند كل نضالات الشعوب العربية والمجاورة في مشرق المنطقة ومغربها، فكان المرجل الذي يغلي بمنابره الحرة وبأعلامه الفاعل، وعلى المستويين العربي والعالمي ومظاهراته واضراباته الصاخبة. هل يعقل ان يحصل في ساحته ما هو حاصل، فلا يجد بالنتيجة من معظم الحكومات العربية والمجاورة الا هذا الحد الادنى من الاهتمام والمناصرة والسعي الفعلي الجاهد لتحقيق انقاذه في موقف ايجابي ضد عصابات الارهاب وقتل الابرياء؟. وهل يعقل ان تكون الشعوب العربية والاسلامية، وبأوسع اطرها خالية من اي اهتمام وعمل جاهد ومنتج تتحقق به المساندة لشعب العراق المنكوب؟. وانه وبحدود المساندة المعنوية والحقيقية والواسعة والتي تشعر العراقي بأنه له اخوة يشاركونه بالتضامن والمؤازرة، فيتشكل من تحركهم فعل ضاغط يكون له اثره في تحريك الحكومات، ومن خلالها تحريك الاوضاع وتصويب النتائج. لقد طغت على ساحات التفجير والارهاب في العراق، وعلى ساحات الفرجة والانكفاء في العالم العربي والاسلامي حقيقة وتوجه يمكن ان يوصف مجملهما بـ (اللا معقول). في اجابتنا عن التساؤل حول اسباب السلبية العربية ودول الجوار والدول الاسلامية على المستويين الرسمي والشعبي، نقول: لاشك ان العراق حافل في داخله بجملة من التناقضات التي يمكن ان تشكل في داخله اسباباً منوعة لجملة من التناقضات والتفجيرات في اكثر من ميدان وصعيد، وقد سبق ان حفل تأريخه القديم والحديث بمثل هذه التفجرات المختلفة في انواعها واحجامها. ولكن التأريخ القديم والحديث يثبت انه ما من مرة اندلعت في هذا البلد المسالم، مشكلة دامية داخلية، الا وكانت وراءها عناصر وقوى واطماع اجنبية تفتعلها وتغذيها وتوجهها على النحو الذي تخدم به مصالحها. وقد جهد العراق وشعبه على ان يستفيد من تجارب ماضية. وعندما طلع عليه فجر الاستقلال والتحرر- حتى وان كان شكلياً، حمل الى كيانه الجديد، الى جانب سلبية التركيبة الطائفية التي فرضتها اوضاعه القائمة، جملة من الايجابيات تمثلت في ان هذا الوضع السلبي نفسه، رغم مساوئ الدكتاتورية- وتغذيتها للطائفية- قد حمل الى الوجود صيغة جديدة في التعايش بين الاديان والمذاهب، وضمن اطار دولة موحدة بأرضها وشعبها العراقي ومؤسساتها. كما حمل مظاهر نظام شبه ديمقراطي- علماني لا يفسده عن مجاراة سمات التقدم سوى مظاهر الاستبداد المتحضر او الاستبداد التقليدي. وقد مرت في تأريخ العراق وفي مسيرته بخطوات كبيرة في تعزير حياته الديمقراطية والتخلص التدريجي من رواسب السلبيات الطائفية. وبات شعب العراق يأمل ان تشع فيه كل الآراء والافكار في كل حقل وفي كل ميدان، بما فيه الحقل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والانتخابات والدستور- وحل بعض السلبيات. ولم يكن يروق لدول الجوار ان يكون هناك مرفأ غير مرافئهم ومنبر غير منابرهم والتي اتسمت بالتسلط والطغيان فالمرفأ العراقي كان رحباً رحابة الفكر والعلم والمعرفة والتوجه الديمقراطي وسيادة القانون. كان مؤملاً ان يكون المنبر العراقي فاعل الاثر يطول الجميع ببريقه الواعد الأخاذ. ألم يكن ذلك الامل نقيضاً لمعظم الاوضاع السائدة بجوار العراق؟… فكان ذلك مثاراً لاستقطابات داخلية وخارجية، ومداراً لمشكلات جمة تمثلت في تدخلات دول الجوار بشؤون العراق الداخلية، ومن اجل ايقاف التجاوزات والتدخلات والاسهام في وضع حد لمثل هذه العقبات المتمثلة في جعل العراق ساحة لتصفية الحسابات، خاصة ان الدول العربية ودول الجوار الاسلامية تعيش حالة المحاور المتناقضة واحياناً المتحاربة فيما بينها. وبغياب الحياة السياسية والديمقراطية السليمة، وبأهتزاز مبادئ سيادة القانون، وصولاً في بعض الاحيان وفي بعض الدول الى انظمة دكتاتورية، ألفت مشاركة المواطن في الحياة العامة، سواء ما يتعلق منها بالسياسات العام الداخلية ام تلك المتعلقة بالسياسات العربية والدولية. فأصبح المواطن بتقصير منه حيناً، وما يفرض عليه احياناً ليكون خارج المسيرة السياسية. واذا كان المواطن العربي مكبوتاً في بعض البلدان العربية بما يمنعه من المشاركة في قضاياه الداخلية والاعتراض على ما يمسه ويمس وطنه ومواطنيه فقد أصبح من الاسهل ان نفهم بعض نواحي السلبية التي هو عليها فيما يتعلق بوضع آخر يجاوره، كما هو الحال في الوضع العراقي. وفضلا عن ذلك فقد غرق العالم العربي في بحرين متناقضين من بحار التخلف التي حجبت عنه الرؤى المتوسطة والبعيدة. -بحر من العوز والفقر استفحل واستعصى في العديد من بقاع الدول العربية، فباتت مشكلة القوت اليومي المتزايدة، هي المشكلة الاساسية التي تحوز على اهتمام المواطن الساعي بكل جهده وكده الى تأمين لقمته ولقمة عياله. ولقد كانت هذه المشكلة قائمة اساساً لدى الطبقات الفقيرة فأزدادت حدتها لديها مع زيادة صعوبات الكسب المعيشي، ولكنها تعدتها مع مر الوقت الى الطبقات المتوسطة التي كانت عماد التحريك السياسي والاجتماعي. وبات الكد اليومي الحاد لتأمين لقمة العيش من الهموم الأساسية لدى المثقف والموظف والعالم والكاتب والتاجر الصغير وجميع اركان الطبقات المتوسطة من الشعوب العربية -وبحر من الترف الشديد استفحل وطغى لدى العديد من المجتمعات العربية التي كان الغنى المعقول فيها دافعاً في بعض الاحيان الى بعض الاهتمامات الوطنية والقومية الفاعلة، فلم يعد الترف الشديد المستجد الا دافعاً في اغلب الاحيان، الى حياة شديدة البعد عن حياة الوطن والمواطنين وطموحاتهم وافراحهم وآلامهم، وباتت حياة الترف المتطرف لدى هؤلاء مدار استنزاف للطاقات العربية ودافعاً الى مزيد من التناقضات الاجتماعية والمآخذ السياسية. وهكذا اصبح العراق، ساحة افتعلها البعض وارتضاها البعض، وارتاح اليها البعض كل وفقاً لظروفه ومصالحه. اما الشعوب العربية فقد ابتعدت عن هموم العراق وآماله، وكما ذكرنا، لتعيش في بحر من العوز والفقر، أو في بحر من الترف الشديد، انهم جميعاً غارقون في مشاكلهم الداخلية والتحديات المفبركة لهم ومن حولهم، فلا يرون ولا يسمعون ولا يقرأون عن الازمة العراقية من خلال اعلامهم الا بعض الجوانب المختارة والتي قد يقال عنها انها لا تقف مع الواقع الموضوعي. واذا كان العالم العربي مثله كمثل ما هو معروف في الفيزياء نوعاً من الاوعية المتصلة فأن الألم فيه، لا يمكن ان يكون وضعياً، وان النزف فيه لا يمكن ان يدوم وضعياً. مثلما هي (الأوعية المتصلة) مهما طالت وضعية النزف ووضعية الالم، فلابد لها هي الأخرى ان تكون متصلة. وهذا ما لا نأمله ولا نرتضيه، ونرجو ان نحجبه عن اخوتنا، كما نرجو حجب المزيد من مآسيه عنا وعن وطننا الكليم. ونحن موقنون ومؤمنون، بأن معادلة ما وظرفا ما لابد ان يتبدل، فلا تعود في العالم العربي مثل هذه السلبية القاتلة التي يواجه بها العراق الوطن، والعراق المواطنين، وهي في مطلق الاحوال سلبية بات العالم العربي يواجه بها كل قضاياه الاساسية. فهل من حل؟؟

التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *