الرئيسية » مقالات » مكتبة ألخلاني ونازك الملائكة وموروث الفكر الظلامي

مكتبة ألخلاني ونازك الملائكة وموروث الفكر الظلامي

فُجّر شارع المتنبي سابقاً لا لأن الأمريكان هناك أو أنهم قد أسسوا قاعدة عسكرية كما لم يكن التفجير يهدف الجيش والشرطة وان تواجد البعض كأفراد أو مجموعات لكنهُ فُجّر المجمع الأدبي العامر بالكتب الثقافية والعلمية والتربوية لأنه يحمل بين طياته الثقافة التنويرية والمعرفة الواعية وهي من اشد أعداء الفكر الإرهابي التكفيري السلفي الأصولي ولم يُفّجر جامع الخلاني لأسباب طائفية كما أشيع على الرغم من أن الانفجارات التي أصابته والمراقد والجوامع وفي مقدمتهم المرقدين في سمراء والجيلاني الصوفي تهدف إلى تسعير الحرب الطائفية من جهات مختلفة لكنها تلتقي في المنهجية، بل لوجود مكتبته العامرة الغنية بعشرات الكتب المختلفة التي تحمل العلم والثقافة والمعرفة، الفلسفة والاقتصاد والاجتماع والشعر والرواية والقصة القصيرة وغيرها من الكتب التربوية وهي خطرة كما هي خطورة القنبلة الذرية على الفكر ألظلامي وعندما بدأت الاغتيالات تطال العلماء والمفكرين والمثقفين والإعلاميين والأساتذة والشعراء لم تكن ضد تلك الشخوص كونها كشخوص إنسانية فحسب لأن فسيفساء التنوع العرقي والقومي والديني والمذهبي اكبر دليل على أن الاغتيالات والتصفيات هي ضد الفكر التنويري الثقافي الذي ينوّر عقول الآخرين ويقدم لهم العلم والثقافة والوعي المعرفي وهم اخطر من أي خطر على الفكر المتخلف المشبع بالحقد على التنوير الذي يرى في العلم والثقافة والمعرفة والإطلاع آفة سوف تبتلعه فيحاول عرقلة نموه وتطوره ولكن هيهات.

تجمعني ومكتبة الخلاني ذكريات عزيزة وأسماء أعزاء بقيت لصيقة معي في كل مراحل حياتي فكانت الزيارة الأولى للمكتبة على ما أتذكر أوائل عام 1956 مع الشاعر عبد الرزاق ” هوبي ” الذي كتب أول قصيدة طويلة نثرية طبعها له اتحاد كتاب العراق بعد ثورة 14 تموز وكنا نذهب إلى المكتبة مجموعة من الأصدقاء المهتمين بالأدب والثقافة عموماً أكثر من مرة في الأسبوع لنقرأ ونسأل و نتابع وبعدها نعود للمطاردة الشعرية وجلسات السمر في مقهى إبراهيم في شارع أبو نؤاس على ضفاف دجلة الخير وكثيرا ما كنا ننام إلى الصباح وكنا نتبادل الكتب فيما بيننا ” الدون الهادئ وسقوط باريس والطاعون ورباعيات الإسكندرية والأم والجريمة والعقاب والحرب والسلام والبؤساء والوجودية فلسفة إنسانية والوجودية فلسفة ليست إنسانية وحتى كتب كانت ممنوعة تؤدي إلى السجن ، واطلعنا في هذا الصرع الثقافي على الكثير من المعارف الثقافية والتاريخية والتراثية وهناك قرأت ” فلسفة الألم واللذة لإرسطبوس ” و اطلعت على الروايات العالمية والعربية وعلى وطه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم والمازني وشوقي وحافظ والزهاوي والرصافي وملا عبود الكرخي والجواهري وصالح بحر العلوم وغيرهم وغيرهم ، وعلى الشعر العربي القديم والحديث منه على الرغم من قلته وبقيت منجذباً لمكتبة الخلاني لأسباب عديدة منها قرب السكن والسعي لنيل اكبر قدر من المعرفة وكذلك العلاقة الحميمة بالعاملين فيها وأصبحت مدمناً حتى بعد ثورة 14 تموز 1958 وهذه العلاقة التاريخية جعلت القائمين على المكتبة وفي مقدمتهم الشاعر محمود الريفي بتقديم تسهيلات خاصة لي وهي استعارة الكتب وأخذها معي إلى البيت ولعمق الثقة فقد كنت احصل على الكتب النادرة والثمينة التي لا يمكن استعارتها خارج المكتبة إلا أن هناك سبباً واحداً قطعني عن المواصلة وهو السجن فبعد أن استعرت ديوان للشاعرة العراقية المرحومة نازك الملائكة ” عاشقة الليل ” وعرفت مقدار الأنين والبكاء لحد العويل المؤلم الذي يدل عن معاناة بشرية ذاتية ، نازك رائدة الشعر الحديث التي قرأت لها في مكتبة الخلاني قصيدتها المشهورة ” الكوليرا ” التي كتبتها في عام 1947 على ما أتذكر، اعتُقلت وسجنتُ فضاع ديوانها وديوان ” الربيع والجوع ” للشاعر العراقي المرجوم حسين مردان ومرت السنين وفي كل مرة التقي صديقي منعم النعيمي ” العظيم ” الذي اخبرني بوفاته أمير الدراجي قبل فترة، يقول ـــ أن محمود الريفي يسأل دائماً عليك

وبهذا يغمزني بقضية ” عاشقة الليل والربيع والجوع ” فكنت امزح وأقول له ـــ بعتهما بربع عرق مستكي.

لقد طالت يد المغول المجمع الثقافي لمكتبة الخلاني التي تأسست عام 1945 والتي أغلقت عام 1980 بسبب تنوع ثقافاتها وسياسة النظام السابق الثقافية التي أريد منها تغييب الثقافة الوطنية التنويرية، الانفجار الإرهابي ومن كان خلفه طال عشرات الآلاف من الكتب القيمة وليس المرقد ونالوا من الثقافة المتنوعة بمقدار ما خرب المغول بغداد وحاولوا مسح حضارتها الثقافية بقذف آلاف الكتب في نهر دجلة وكما فعل النازيون عندما حرقوا عشرات الآلاف من الكتب التقدمية والثقافية، فإنهم يلتقون دائماً في التدمير والتخريب ومعاقبة الإنسان لكونه إنسان يفكر ويحلم ويناضل من أجل تحرير العقل من القيم البالية، يتفقون على الرغم من المساحة الزمنية المختلفة وعلى الرغم من نوعية الفكرة واختلاف الشكل، يلتقون لأنهم موروث الفكر الإرهابي المعادي لأبسط طلعات الإنسان وتمتعه بالحرية الفكرية، لقد هدم جزء من المكتبة ويقال أن هناك جهود مستمرة لانتشال جزء من المكتبة من تحت أنقاض الانفجار لقد تصوروا أنهم بانتقامهم وبأجرامهم ضد العلم والعلماء والصرح الثقافية العلمية سيقضون على الفكر التنويري الذي يكشف زيف منهجيتهم وأفكارهم الغوغائية .

السعي المحموم للانقضاض على كل ما هو ثقافي تنويري يدل على أن الفكر الإرهابي التكفيري يعرف معرفة أكيدة بأنه مهزوم لا محالة ولهذا يفعل المستحيل لإطالة زمن هزيمته أو تأخيرها وقد يفسر ذلك الانفجار في شارع المتنبي وتفجير النصب الفنية التذكارية واغتيال العلماء والمثقفين العراقيين ومكتبة الخلاني مدى الاستهتار بقيم العقل والانحطاط في القيم الحضارية وتبني قيماً لا حضارية تعيش في كهوف الإنسان القديم ، انحطاط في موروث الفكر التكفيري والدكتاتوري العنصري المشبعان بكراهية الإنسان والإنسانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *