الرئيسية » اللغة » عن اللغة، إشكالية الانتماء القومي – الثقافي… أبناء المجتمع الكركوكي نموذجا

عن اللغة، إشكالية الانتماء القومي – الثقافي… أبناء المجتمع الكركوكي نموذجا







“عندما لم يكن للسماء أسم بعد عندما لم يكن للأرض تحت ألسماء أسم بعد”
الكاهن الكلداني بيروس

  تمهيد:   
سأتناول في بحثي موضوع الانتماء الى لغة قومية معينة تاريخيا و ثقافيا ومدى أهميتها في تكوين شخصية الفرد العراقي وصقله وانتماءه القومي والوطني والديني والاجتماعي- الثقافي والطبقي أحيانا انطلاقا من مجتمع كركوك ذو التركيبة السكانية التعددية حيث يسود مبدأ الحوار الحضاري والتسامح بين مركبات نسيها السكاني. ومن حيث المبدا لست بين اللذين يعتبرون اللغة بحد ذاتها عنصراً أساسياً ومن مقومات الوطنية والانتماء القومي. وهذا يعني ببساطة ان معرفة الفرد للغة معينة والإلمام بجوانبها والتعمق في قواعدها وعللها ومطياتها من تعبيرٍ وفقهٍ ومنطقٍ ونحو وبلاغة وإنتاج أدب إبداعي بتلك اللغة لا يعني مطلقا بان ذلك الفرد الأديب ينتمي قومياً الى قومية وأهل ناطقي تلك اللغة التي يجيدها. فكيف بالعامة من الناس؟
اللغة بحد ذاتها نتاج ونشاط إنساني حضاري مرتبط بالمدينة وإفراز إبداعي لعملية التفاهم والتواصل في المجتمعات المتحضرة وتعتبر كذلك خير تعبير عن خلجات النفوس الإنسانية في وصف المدنية وحياتها الاجتماعية والاقتصادية والتجارية والادبية والفنية والحربية ونشاطات إنسانية اخرى . تعتبر اللغة كذلك اداة لتمكن من أداء الفعاليات والنشاطات الإنسانية كالتجارة ووصف الحروب والنزاعات والتخاطب بين الناس والتعليم والأدب وأمور أخرى.

تطورت اللغة في العصر الحديث الى أداة فعالة في التواصل بين شعوب الدنيا ولا ريب ان تقدم وسائل الاتصالات المرئية والمسموعة والمقروءة والانترنت ولدّت الكثير من المفردات الجديدة وقد تسود وتشيع بمرور الزمن على لسان الجميع رغم تنوع إنتاجهم القومي لاغيا في ذلك تلك الصورة الكلاسيكية للغات الحية. خاصة ما يعرف ب التخاطب عبر الانترنت باستخدام لغات سهلة ومختصرة غير معقدة على صفحات الحوار المباشر. نرى ان الانترنت قد اخذ أبعادا جديدة في تسهيل الاتصالات بين الناس وخاصة بين الشباب الذين ما برحوا واكتشفوا بينهم لغة خاصة للتخاطب الانترنيتي. ونمت كذلك لغات خاصة بالمجاميع المهنية اخذت مكاناً كبيرا ًعبر الثقافات المتباينة حيث نرى ان مسلك الأطباء لهم لغتهم كذلك الأمر بالنسبة للمهندسين والمحامون والمهن والصنائع الأخرى.
خذ مثلا الشعوب العربية المستعربة تتكلم اليوم قاطبة اللغة العربية وتنتمي الى مكونات الشعب العربي ثقافيا ولكن أصولها العرقية الحقيقية ربما بعيدة كل البعد عن العرب العاربة حيث موطن العرب الأصلي الجزيرة العربية. لا ريب ان أبناء العديد من دول مجموعة الدول العربية لم تكن عربية اللسان قبل نزول الرسالة المحمدية السمحة وبزوغ نور الدين الإسلامي لينير في قلوب أبناء تلك الأمم في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، حيث ان انتشار الدين الإسلامي في العالم رافقه كذلك نشر لغة القران الكريم وتعليمها للشعوب الغير عربية تسهيلا لفهم مبادئ الدين الحنيف والتراث الإسلامي وأداء طقوس ومراسيم العبادة والصلاة. وسآتي لذكر تفاصيل الموضوع لاحقا.
ينطبق هذا ينطبق أيضاً على تاريخ العديد من شعوب العالم اليوم، خاصة الشعوب التي استعمرت فتحولت لغاتها الى الأنكليزية والفرنسية و الأسبانية. حيث نرى أن شعوب أمريكا الشمالية والجنوبية اللاتينية الكل يتحدثون باللغة الأسبانية باستثناء البرازيل حيث لغتهم الوطنية هي البرتغالية. ولكن تلك الشعوب لا تنتمي عرقياً ولا إثنياً الى أصول اسبانيه، فالأسبان وكما هو معروف تاريخيا استعمرت تلك البلاد وباتت فسادا في أرضها ومحت ثقافات شعوبها وأممها ومعتقداتها بأهداف بعضها كانت أستعمارية وتحت غطاء نشر الديانة المسيحية بين شعوبها الغير المتحضرة حسب أدعائهم.

اللغة إذن هي ليست إحدى المقومات الوطنية والانتماء الى قومية معينة بقدر كونها أداة للتخاطب والتواصل بين البشر وتُؤمِن صوريا للمواطن هوية وطنية. وقد أشرت الى هذا المبدأ بين جملة من المواضيع الأخرى أثناء سردي لذكرياتي عن مدينة كركوك وأهلها في كتابي “كركوك نامه” والذي تناولت فيه فترة عشرة سنوات من حياة المدينة وأهلها الكرام، والتي ستصدر قريباً في طبعة ثانيه من مطابع كوردستان في القريب العاجل إنشاء الله.  

لغات شعوب الشرق: 
إن مجرد إلقاء نظرة عامة على لغات الشعوب عامة وبالشرق خاصة وتطورها التاريخي عبر الزمن سيرينا كيف ان العديد من تلك اللغات ماتت ومحت من الوجود ولا نرى اثر لها تماما في حين تمكن شعوب اخرى من نقل لغاتهم عبر الكتابة كي تصل الى يومنا هذا. هناك كذلك اليوم شعوب كانت تتحدث بتلك اللغات باتت أقليات و ينتمون الى تلك الشعوب التي استعمرتهم أو قامت بتطهيرهم عرقيا ومحت حضارتهم وثقافتهم.

إن شعوب الشرق بصورة خاصة قد مرت بالعديد من المراحل لكون المنطقة بأكملها أصبحت كساحة للحروب والغزوات وكيف تركت تلك الشعوب الغازية بصماتها الواضحة والأزلية في نفسية شعوب تلك المنطقة وفي عاداتها وتقاليدها وأعرافها ناهيك عن انتشار لغاتها. فمعظم الشعوب الحالية قَدِمتْ الى المنطقة في فترات زمنية وعلى شكل موجات بعضها كانت سلمية أو بدافع الأضطهاد الديني أو بحثاً عن حياة أفضل كـ السومريين، وهم شعوب هندو- أوربية ، وأخرى سامية كـ الاكديين،الاشوريين، البابليين،الكنعانيين،وأخرى كـ الحثيين،الأخمينيين-السلوقيين- الفرثيين،العيلاميين، والميديين والكثير من الغزاة كـ المغول والأتراك والفرس، ومنهم حَمَلة الرسالة كـ العرب المسلمون. لا ريب ان أرض العراق كانت ساحة ومسرحا لتلك العمليات العسكرية والحروب والنزاعات ولا أعلم إن كانت هناك دولة أو كيان في المنطقة أو ربما في العالم يتكون نسيج سكانها الثقافي بكل ذلك الثراء والتعدد كما هي عليها في تكوين الشعب العراقي. ان هناك نماذج لمدن عراقية نرى فيها حتى في أحيائها تتكلم بلغات مختلفة وبلهجات مختلفة. وتعتبر كركوك مدينة العذابات نموذجاً ثقافياً حّياً لتلك المدن ذات التعددية الثقافية. في كركوك تتكلم أبناء المدينة بـ الكوردية وبكافة لهجاتها وبالتوركمانية بلهجاتها المتعددة وبالسريانية والارمنية والعربية بشتى لهجات القبائل العربية المتعددة والعبرية والافغانية والفارسية والآذرية ناهيك عن الأنكليزية لغة المستعمر البريطاني من بقايا أيام الأنتداب البريطاني. 
فاذن نحن نرى بأن اللغات وتطورها التاريخي ودرجة إنتشارها بين الناس ترتبط بحكم القوي والغازي والمحتل والكيان الحاكم.
يمكن تقسيم بعض أسباب انتشار اللغات الحديثة بصورة عامة في الشرق وبصورة خاصة بين ابناء مجتمع مدينة كركوك الى ما يلي:
  
اللغة القومية: 
على أثر إنهيار الإمبراطورية العثمانية مع نهايات الحرب العالمية الأولى أزداد الوعي القومي بين شعوب الشرق قاطبة.هناك أسباب عدة لهذا المنحى في التاريخ، ولربما هناك أيادي خفية للمستعمر البريطاني والفرنسي ونواياه في المنطقة ابان تلك الفترة التاريخية ولانريد التطرق للاسباب والمسببات  لأن ذلك خارج نطاق بحثنا هذا.
ان اللغة التي تحولت عند القوميين العرب الى احد أهم أسس وأركان الوطنية والانتماء الى الأمة العربية. كانت عند النازيين الألمان مجرد وسيلة للتخاطب ولم تتحول اللغة الألمانية الى أحد أسس الفكر النازي والذي كان يعتمد في الأساس على الإنتماء الى العنصر الجرماني ألاثني، لذا لم نرَ إقبالا شديداً بين عرب المستعربة للفكر القومي الا عند استخدام الشدة والعنف وإجبار حمل افكار شوفينية شمولية، على اعتبار ان تلك الافكار قد وصلت الى التطبيق وقام الحاكم والسلطة بتطبيقها فعليا، وذلك لأنهم ببساطة كان العديد منهم يكتشفون لاحقا بأنهم رغم لسانهم العربي فهم لا ينتمون عِرقياً الى الأمة العربية. وهنا يجب الأشارة الى أن مؤسسي الفكر القومي العربي هم  كانوا في الغالب من مسيحيي الشرق كـأنطوان سعاده، شبلي شميل، شبلي العيسمي، ميشيل عفلق، طارق حنا عزيز وآخرون) وحاول مفكرون آخرون كـ ساطع الحصري من ربط لغة الناس بقوميتهم معتبراً ” ان كل من تكلم العربية فهو عربي” ، ولست متأكدا من أصول الحصري وربما هو من الأتراك سوريا وحسب قول الروايات حيث حمل راية القومية التركية الطورنية” إشارة الى بحيرة طوران في اواسط اسيا” في البدا. كذلك الحال عند الفكر القومي الفارسي الذي أعتبر كل من تحدث بالفارسية فهو فارسي والغريب ان الذي رّوج الفكرة هو “مهدي البزركان” وهوأيضاً في الاصل ينتمي الى القومية الآذرية وليس الى الفارسية التي نادى بها وهذا ينطبق ربماعلى مرّوج الفكر الطوراني الذي اكتشف لاحقا بانه في الواقع ينتمي الى القومية الكوردية ، كما تقول الروايات، فبادر بالانتحار.
نجد ان هناك فرقٌ في الطرح القومي التركي لان اللغة وإن اعتبرت مهما ولكن الانتماء الى المكان وها هنا “طوران” هو الأهم، وطوران بالأصل بحيرة في أواسط آسيا حيث قدم منها معظم العنصر التركي الغازي الى الشرق وحيث الرواية التراثية في قيادة الذئب الرمادي لهم عبر جبال الاناظول وانقاذهم جميعا من الموت من العطش. ويضيف القومي التركي خاصية العنف والشدة وقيادة العسكرية الى امته معتبرا اياه مفخرة للانتماء الى القومية التركية. اما عند القوميين العرب فالشعارهي اللغة العربية. رغم انه وكما اسلفت انها كانت ولا تزال بالنسبة للعديد من الأدباء مجرد كوسيلة للإبداع الأدبي. حيث نرى بأن كبير شعراء العرب وأميرهم حمد شوقي: هو من القومية الكردية وأن العديد ممن اكتشفوا أصول النحو والقواعد هم من الفرس كـسيبويه ونفطويه ومجموعة من فطاحل الادباء والشعراء من العراقيين وهم الذين ينتمون الى الشعوب الاخرى كـ الزهاوي ومعروف الرصافي والبياتي وبلند الحيدري ونازك الملائكة. يجب أن لا ننسى كذلك ان جّل مؤسسي الفكر القومي العربي هم من الطائفة المسيحيية لبلاد الشام وهم أيضاً واجهوا تلك الأشكالية إشكالية الانتماء اللغوي بين العربية و السريانيية كي يمرروا فكرهم القومي العربي وكما ذكرت ذلك آنفا.
بقى ان نعلم  ان الأكراد اعتبروا تراب الوطن “كوردستان” القاسم المشترك الموحد لهم فازوا بذلك بدعم شعوب المنطقة حيث وانطوى العديدين من أبناء القوميات والعقائد الاخرى وكذلك العشائر الكوردية بكافة لهجاتها وانتماءاتها العقائدية تحت راية النضال الوطني الكوردي.
بدا تدريجيا تحول اللغة الى هوية قومية ووطنية مع نهايات الحرب العالمية الاولى. ان الانتماء الى قومية معينة ربما يمكن علميا و في العديد من الحالات تميزها وكشفها عن طريق علم الأجناس خاصة عند وجود ميزات فيزيائية عند البعض من البشر يميزهم عن الآخرين كلون البشرة، الصينيون والهنود والافارقة والأوربيين، او شكل ملامح الوجه، أللاسكيمو والهنود الحمر وشعوب امريكا الجنوبية، ولون الشعر والعيون وأمور فيزيائية كثيرة اخرى. هنا عنصر الاختلاف مع الفكر العنصري الذي يربط بين الخصائص العقلية والعقلية كالذكاء مثلا الى شعب معين، ان معرفتنا للعنصر الآسيوي الصيني واليا باني والمغولي التركي والزنجي الأفريقي والهندي الأمريكي ذو البشرة الحمراء تعود الى إمكانية تشخيصنا لهم ومن خلال ما يتميزون به فيزيائيا. هؤلاء يمكن تميزهم وتميز لغاتهم ومعرفة انتماءاتهم حتى لو كانوا قد انصهروا بين الشعوب والأمم الأخرى كما هي عليها تركيبة شعب الولايات المتحدة الأمريكية مثلا.
اللغة القومية في عموم العراق اتخذت مجرى تطوريا توازي لغة الحاكم او السلطة الحاكمة وتغيرت لغة اهل العراق القومية مرات ومرات عديدة من لغات استخدمها أهل العراق القديم الى التاريخ المعاصر فنرى مثلا في فترة السيطرة الفارسية الساسانية كانت اللغة الفارسية وعندما جاء المغول وقبائل التوركمان (جلائريين،قره قوينلو، اق قوينلو) كانت لغتهم مغولية تركمانية وثم التركية في العهد العثماني يتخللها مراحل فارسية وجاءت العربية قبلهم الى العراق مع طلائع الجيش الإسلامي في القادسية حيث بني أبو جعفر المنصور مدينة بغداد ولا ريب ان الجزء الصحراوي المحاذي للجزيرة العربية بامتداد حدود العراق الشرقي كانت دوما وعبر التاريخ مناطق سكنتها العشائر العربية ولكنها كانت نادرا ما تعبر الفرات الى الجهة الشرقية ليس فقط لصعوبة عبورها بل لعدم استطاعة البدوي الابتعاد من تخوم الصحراء وعبير ترابها.
بقى ان نعلم ان اللغة العربية كلغة رسمية موحدة في البلاد الى جانب اللغات الاخرى كان جل ما يطمع اليه الشعب العراقي وقد فشل جميع الجهود الرامية الى سياسة فرض اللغة القومية العربية. قسرا على العراقيين جميعا وبقوا دوما محافظين على لغاتهم الوطنية لا بل تحولت لهجاتهم الى خليط بديع تتالف من مفردات واصوات بعيدة كل البعد عن العربية تختلط فيها السومرية والفارسية والتركية والكوردية والهندية والافغانية والاذرية والتوركمانية وحتى لغة المستعمر الانكليزية ولغات اخرى.
قد اتبع السلطة الحاكمة في العراق ودول عربية اخرى سياسة تغير المسار التاريخي لتراث شعوبها الموثوق باعتبارها صنيعة ايادي قوى اجنبية ويجب تغيرها وإعادة مفاهيمها الأصلية تحت مجهر الفكر القومي وبطريقة منظمة تم تفكيكك التراث والتاريخ في يسمى كذلك “اعادة كتابة التاريخ العربي” وتم بذلك اعتبار اللغة أساسا لتثبيت الانتماء القومي، حيث تمكن بعض الاثارين، اخص بالذكر العلامة احمد سوسة، فرض نظرية أصول اللغات السامية لشعوب العراق القديم كأساس للانتماء العرقي والقومي دون العودة الى كون اللغة مكتسبة ويمكن تعلمها دون الانتماء الى قوم معين او تحت سلطة الحاكم فالناس على دين ملوكهم. وبما ان العرب ساميين فان كل من تحدث السامية فهو عربي. لذا نرى ان العديد من الاحصائيات السكانية قد اعتمدت تماما على عنصر اللغة لتثبيت الهوية القومية في العراق ولا ريب ان هناك اختلافا كبيرا بين اللغة الثقافية التي يتحدث بها الناس ويتداولونها في اعمالهم اليومية واصولهم العرقية ولذا نجد ملايين الكورد والعرب والجركس والروم والارمن والسريان والاظ وابناء مئات القوميات الاخرى في تركيا اليوم قد تحولوا بقدرة قادر ولإجادتهم لغة الحاكم أي التركية الى اتراك في جميع الإحصائيات الرسمية التي جرت في تركيا. هذه السياسة الاحصائية طبقت في الاحصائيات التي جرت في العراق وقد ثبتت لغة البيت في الاستمارات الرسمية وتم الاستناد عليها في تثبيت الاصول القومية لابناء مدينة كركوك. لكن نفس تلك السياسة ومع الأسف الشديد أدى فيما أدى إلى محو لغات شعوب دول الشمال الأفريقي من بكرة أبيها وتحول أبناء تلك الأمم الى العربية قلبا وقالبا وباتوا عربا يستثنى بعض القلة من البربر وأقليات عرقية اخرى في شمال افريقيا ساعدتهم البيئة القاسية في الحفاظ على لغاتهم رغم ان تلك اللغات تسمى رسميا ب ”اللهجات” في المغرب العربي بينما نرى ان لغة مصر القديمة قد زال تماما وحلت العربية محلها وبعض الكلمات القليلة والمفردات في اللهجة المصرية الدارجة بقت بعد تعريبها طبعا. 
   
لغة الغازي والحاكم:  
هناك فرق كبير بين الغزاة اللذين وطئوا ارض العراق واختلاف في نواياهم. إن لغة المحارب المنتصر او الكيان السياسي الحاكم المتسلط تسود لفترة وجوده وهيمنته على مقاليد الامور وتزول غالبا مع انهزامه وتركه خائبا للبلاد. العراق القديم كان سباقا الى اكتشاف حروف الكتابة وها هنا نرى ان شعوب العراق القديم والمنطقة بأكملها قد استخدمت تلك الكتابة في التعبير عن لغاتها المختلفة. حيث بقت الكتابة المسمارية أساسا للغات أقوام العراق القديم. وقد تم اكتشاف العديد من الألواح والرقم الطينية ومن فترات وحقب زمنية مختلفة في القلعة التاريخية لمدينة كركوك. نرى ان بعض تلك الشعوب قد تركت لنا أثارا على شكل كتابة بينما نرى غزاة كالإغريق لم يتركوا لنا شيئا وربما نجد نماذج من آثارهم في مدينة الحضر التاريخية والتي تقع جنوب مدينة الموصل رغم ان المدينة القديمة” ارباخا” كركوك الحالية تقع على نفس الخط المستقيم والافقي الفاصل والمار من مدينة آشور التاريخية. ان النيران الأزلية في “باباكركر” ذكرت في وثائق جيش اسكندر المقدوني حيث وثق احد كبار الضباط رحلة الجيش الغازي عبر كوردستان. ونرى هنا ان ليس هناك اي اثر للغة الإغريقية في لغات العراقيين ما عدا بعض الكلمات القليلة ك الفيلسوف والصوفي والدرهم مثلا وربما كان تأثيرها اكبر على الفارسية حيث بقت إيران تتحدث باليونانية أعوام طويلة. لكننا نرى تأثيرا كبير للغات العراق القديم في اللهجات العراقية حيث ان الجيم يتم لفظها ياء في الجنوب وتلك خاصية من خواص اللغة السومرية حيث لا توجد صوت الجيم في الأبجدية السومرية وامور اخرى كثيرة. 
كما نجد العديد من الكلمات الفارسية والتركية والهندية والمغولية في اللهجة البغدادية العذبة وبالتأكيد ينطبق كل هذا على لهجة أهل كركوك فنجد في اللهجة التوركمانية الكركوكية كلمات فارسية وآذرية ومغولية تتفاوت أعداد المفردات كلما توجهنا شرقا نحو الحدود الإيرانية وينطبق ذلك على اللهجة الكوردية الدارجة في كركوك حيث نرى تأثيرا كبيرا للهجات الكوردية المنتشرة في شرق كوردستان من فيليه وكورانية ولريه- بختيارية. بالطبع هذا الأمر ينطبق على غزاة آخرون ك المغول بينما نرى ان الحملة الإسلامية جاءت باللغة والكتابة العربية لغة القرآن الكريم الذي اثر في كافة اللغات ودخل الكثير من المفردات العربية القرآنية الى تلك اللغات. كما ان الأبنية والمساجد كانت ولا تزال أماكن عبادة يتفنن الخطاط بتزينها من زخارف وخط آيات قرآنية وأسماء رسل وصحابة الرسول رضوان الله عليهم. تلك الآثار يمكن مشاهدة بعض آثارها الباقية في الزخارف والخطوط على جدران مساجد المدينة حيث لوحات خط من آيات قرآنية لم تبقى من آثارها الكثير اليوم وربما تعتبر منارة مدينة” داقوق” إحدى تلك الآثار التي تعود للفترة العباسية حيث نرى نماذج منها في سنجار وموصل واربيل كذلك. اما الأتراك فقد تركوا شيئا من الآثار والكثير من الوثائق التي تشرح أحول الناس وربما نجد العديد من الرحالة قد وثقوا حياة المجتمع الكركوكي وعمارها من أبنية وأسواق وحمامات كـ اوليا جلبي(1611-1682).
أن الآثار التي تركها الغزاة في المدينة لا تزال باقية لحد يومنا هذا في التركيب الثقافي اللغوي لأبناء المدينة.  
   
لغة الدين السماوي:  
إن لغة المعابد بقت وخلال عصور طويلة حجزا ومحصورا بطبقة رجال الدين”الاقليروس” في المجتمع وبقى العامة بعيدين كل البعد عن تعلم اللغة كتابة أو قراءة. هذا الانحصار الكلي للغة أضاف نوعا من التقديس على سجع الكهان والنصوص الدينية. حيث نرى ان الدين الإسلامي الحنيف كان دينا ولا يزال ثوريا في تعميم القراءة والكتابة ونشر العلم بين كافة المؤمنين بل رفع العلم الى درجة العبادة ولو “كان في الصين”.
الديانات السماوية أثرت في التركيبة الثقافية لمدينة كركوك لذا نرى بان اليهود قد سكنوا بعض أحياء المدينة وانتشروا في القرى كذلك وكانوا يتحدثون بالعبرية وينطقون العربية والتركية والكوردية بنطق خاص بهم. بينما نرى اليهود قد احتفظوا وعبر التاريخ بلغتهم ولم يهجروها أي العبرية ولحد يومنا هذا وقد ساعدهم كون مجتمعاتهم مغلقة على الشعوب الاخرى ولم يقوموا بنشر الدين اليهودي بين شعوب الأخرى. ونرى كذلك بعدا مشابها في الديانة المندائية ولغتهم المندائية، من المعتقد انهم قدموا الى ارض العراق قادمين من حران فلسطين او حران الواقعة في تركيا وهناك نظريات اخرى بهذا الصدد، ولغتهم التي تقترب من الآرامية وتعتبر إحدى فروعها كذلك. لليهود تاريخ طويل في بلاد الرافدين حيث جلبوا الى العراق كأسرى وعادوا بأدراجهم الى فلسطين مرات عدة وتأثروا مباشرة بثقافة اهل الرافدين واخذوا الكثير من نصوصها وثراثها الديني المقدس وقوانينها واعرافها ومعتقداتها القديمة.
أما انتشار المسيحية في بلاد الرافدين فيعود بالدرجة الأولى الى قدوم رجال الدين المسيحيين من الرهبان ، بعد ان حوربوا في مهبط الديانة المسيحية على ارض فلسطين، والعيش كنساك ورهبان في جبالها شمالا وفي الوسط بلاد العموريين حيث هناك انتشار مسيحي اخر في جهة الشرق المحاذي الى سوريا، الأردن والسعودية “ماري- تل الحريري” وحيث أبناء حيرة المناذرة اختاروا المسيحية دينا فكان غضب الملك الساساني ،الذي كان يدين بالمجوسية، على ملكهم النعمان ابن المنذر كبيرا. لا تزال آثارهم شاخصة للعيان بعد مرور أكثر من دهرين على نزول سيدنا المسيح عليه الصلاة والسلام ولا ريب ان الرسالة المسيحية انتشرت الى كافة بقاع العالم قادمة من فلسطين بيد اوائل الحواريين والرهبان ودخل شعوب الدنيا الى الدين في فترات زمنية مختلفة ولكن معظمها بقت محتفظة بلغاتها القومية خاصة شعوب أوربا فانتشر الدين الجديد بسرعة في سوريا وتركيا البيزنطية وبين الإغريق فكانت كنيسة إنطاكية إحدى أقدم كنائس العالم وثالث مدينة وحاضرة بعد القسطنطينية أي استانبول الحالية والقدس الشريف في ذلك العهد ولا تزال آثار معابد الكهنة والرهبان والصور الدينية الأيقونات والكتابات الإنجيلية تزين جدران وسقوف تلك الكهوف المنتشرة في شرقي وجنوب شرقي تركيا ومن المعروف بان السكان المحليين بقوا بعيدين بعض الشيء عنهم وخلال أكثر من قرن ولكن السلوك السلمي لهؤلاء الرهبان قربهم الى السكان اللذين دخلوا في الدين الجديد وربما هجروا لغاتهم الأم تحببا بلغة الكتاب المقدس الآرامية القديمة التي كان النساك يتعبدون بها ويقومون بأداء قداسهم وطقوسهم بتلك اللغة حيث يعتقد ان السريانية المحكية في العراق هي الأكثر قربا بلغة سيدنا المسيح وحيث لا نرى أي اثر لتلك اللغة تعود الى فترات زمنية قبل نزول الرسالة المسيحية رغم ان هناك العديد من الباحثين يعودون اصول جميع لغات العراق القديم الى السامية وتلك أي السامية تسمية استشراقية عروبية و عربية باعتبار الجزيرة العربية الموطن الأصلي لهؤلاء الساميين ومن ثم الى العبرية والعربية والسريانية وهذا يشمل بطبيعة الحال اللغة الأخت الاكدية كذلك (يدعي كلدان العراق بالانتماء الى الاكديين الساميين).
نرى سيادة الكتابة المسمارية السومرية التي ظهرت مع نهاية الألف الرابع الميلادي، لكافة اللغات الشرقية كأبجدية موحدة كما عليها الأبجدية ألاتينية اليوم ، التي اكتشفت في الشرق كذلك وعلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط من قبل الفينيقيين ، في الكتابة لكافة اللغات الأوربية ما عدا السلافية واليونانية.

كانت اللغة السومرية اللغة الثقافية لمعظم شعوب العراق القديم رغم ان المعتقد بان السومريين ليس لهم اية علاقة اثنية او ثقافية او اجتماعية – دينية بالشعوب التي تعتبر نفسها سامية “رغم اني اؤكد مرات عدده ان الانتماء الى لغة قوم لا يعني الانتماء عرقيا الى ذلك الشعب” من الاكديين والبابليين والآشوريين ويمكن العودة الى نصوص ملحمة كلكامش السومرية لمعرفة الكثير حول الأديان وتطورها وتأثير هذا الأثر الأدبي الملحمي القيم على الأديان خاصة ملحمة الطوفان ونشيد الإنشاد. هناك أشارة في الإنجيل الى الرقم الطينية التي كتبت بالمسمارية في ارض “شنعار” التسمية الانجيلية للعراق انظر سفر التكوين فصل الحادي عشر1-3″.
انتشر لغة الإنجيل بين ابناء شعوب المنطقة مع انتشار الدين الجديد من خطين احدهم امتداد بين القدس الشريف ودمشق والحيرة والآخر عبر كوردستان شمالا والخط الساحلي بين لواء اسكندرونة وفلسطين والخط الحدودي الفاصل بين تركيا الحالية وسوريا ولحد يومنا هذا حيث نرى ان جميع المسيحيين في المنطقة يتحدثون بتلك اللغة ولهجاتها المختلفة وتلك خاصية منحصرة فقط بالمسيحيين بينما نرى المسلمون اختاروا لغة القران الكريم لاحقا في حين بقت شعوب اخرى، رغم دخولها الى الدين المسيحي او الاسلامي ، محتفظة بلغاتها الأصلية ك الاتراك والاكراد و الارمن والجركس. 
هذه الخاصية مهمة جدا اذا قورن بشعوب شمال أفريقيا التي هاجرت لغاتها القومية وانصهرت في الثقافة العربية بعد مجي وانتشار الدين الإسلامي بينما بقى شعوب اخرى ك الكورد والفرس والتوركمان والجركس محتفظين بلغاتهم ونراهم يتحدثون بالعربية الركيكة لحد يومنا هذا وقد يؤدون الصلاة وشعائر وطقوس العبادة بلغاتهم ويقيمون المآتم ويؤدون الغناء الديني في ما يسمى بالمدائح النبوية بلغاتهم وهناك قراءة خاصة للقران الكريم على الطريقة الكركوكية ولكن الناس يحفظون الآيات القرآنية حتى دون معرفة معاني الكلمات أحيانا. بينما نرى العديد من الطرق الدينية القديمة التي تعود لفترات ما قبل الإسلام في المنطقة قد بقت محتفظة بالنصوص الدينية المقدسة باللغة الكوردية ك الايزيدية والكاكئية واهل الحق والشبك.   
 
لغة بيئة المحيط والمجتمع: 
“من عاشر الناس صار منهم” واخذ لغتهم وتقاليدهم بل انصهر في بوتقة مجتمعاتهم. هذا الانصهار نراه واضحا بين أبناء مدينة كركوك وأحيائها خاصة في فترة الحكم العثماني فقد اختار العديد من العشائر الكوردية وحتى العربية اللغة التركية تقربا من لغة الحاكم وكانت البيوت الأرستقراطية والاغوات يرون في ذلك تمايزا طبقيا عن العامة من الفقراء والمعدمين. ان هذا النموذج واضح في المجتمع الكركوكي لحد يومنا هذا فهناك عدد كبير من العوائل الكوردية تنتمي في أصولها الى عشائر معروفة في منطقة كرميان تتركوا وبقوا لحد اليوم محتفظين بالتوركمانية كلغة ينتمون إليها ثقافيا وقوميا بينما نرى ان لهم أقارب في الريف لا يزالون يتحدثون بلغتهم الأم أي الكوردية.
بقى ان نعلم ان الانتماء الثقافي أي الانتماء الى ثقافة شعب معين دون الانتماء العرقي او القومي له اثر كبير في مجتمع المدينة أي كركوك وضواحيها خاصة بعد انتشار الوعي القومي والحزبي في المجتمع مع إعلان الدولة العراقية الفتية في 23 اب من عام 1921 . ان سنوات الحرب العالمية الاولى و الثورة الحجازية بقيادة شريف مكة الحسين بن علي، وما تلاه من انهيار الإمبراطورية العثمانية وتكوين الدول العربية والانتداب ومن ثم اندلاع الحرب العالمية الثانية حيث وصل المد القومي اخذ ذروته بثورة القوميين العرب في مصر بقيادة المرحوم جمال عبد الناصر ورفاقه وانتشار الحمى الى سوريا والعراق واليمن والدول الأخرى. لذا ليس من الغريب ان نرى ان هناك عائلات تكردت وأخرى تتركت او تعربت نتيجة تواجدها في محيط وأحياء تعود أصول غالبية سكانها الى الناطقين بإحدى لغات تلك القوميتين. ولا ريب ان هناك فرقا كبيرا في النطق بلغة والانتماء الى تلك القومية كما ذكرت سابقا. ان السياسة التركية بعد إعلان الجمهورية ابان الحرب العالمية الأولى وإلغاء الخلافة العثمانية اعتمدت بالدرجة الاولى على التتريك ورفض الاعتراف بوجود أي قومية اخرى ضمن حدود الجمهورية التركية الفتية انذاك حيث تم تثبيت ذلك في الدستور التركي وعمل به جميع الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية وبات نتيجة لذلك ملايين الكورد ومن ابناء الشعوب الأخرى اتراكا ونرى اليوم حواضر المدن الكوردية يتحدث ابنائها التركية لا بل ينتمي الملايين منهم الى الترك بعد ان تم انصهارهم الكلي في اكبر واطول عملية سياسية في التطهير العرقي في العصر الحديث وقد يجوز القول بان حال مدن اقليم كوردستان العراق كان اليوم مشابها ل “ديار بكر واورفا واظنة وسيواس وباتمان وماردين وهكاري، ومدن اخرى” وكان الناس يتحدثون بالتركية ونسوا لغتهم الام الكوردية والسريانية والارمنية وباتوا يتحدثون بالتركية.

الغريب ان لا يزال هناك مثقفون اترك يدعون باطلا بتركية العديد من الكتاب والأدباء لمجرد ان لغة إبداعهم كانت التركية من ناحية ومن ناحية اخرى كانت السياسة العنصرية للدولة التركية ولا تزال حاجزا للتطور الثقافي القوميات الغير تركية في تركيا. لذا نرى ان غياب الكيان السياسي الكوردي قد ساعد في تاخير تطور اللغة الكوردية وتحولها الى لغة موحدة بينما نرى ان الارمنية بدات تزدهر بعد ان وجدت لها كيانا ودولة بعد انهيار جمهوريات الاتحاد السوفياتي. اذا ما فرضنا جزافا بان التاريخ قد تغير واخذ اتجاها اخرا وان لواء موصل وقع تحت سيطرة الاتراك وبات جزء من تركيا في معاهدة سيفر.

اما الحال في ايران فمختلف تماما حيث أحب الناس اللغة الفارسية السلسة والموسيقية فتعلموها حبا وهذا ينطلق على الاذري والبلوشي والعربي والكوردي والارمني فيما بقوا محتفظين بلغاتهم القومية في جميع العهود التاريخية التي مرت بها ايران ولم يمنعوا من تداولها او تطويرها.

ان اللغة المتداولة بين الناس في بيئة المدينة وأسواقها تعطي طابعا ثقافيا معينا للمدينة وهذا لا يعني مطلقا بان المتكلمين بتلك اللغة ينتمون عرقيا الى القومية المعينة. لذا نرى ان الكركوكي عادة يجيد الحديث ب التوركمانية والكوردية والسريانية والعربية مهما كان انتماءه العرقي. ناهيك عن التطور السياسي لمجتمع كركوك عانى ما عاناه المدن العراقية الاخرى في فترة طغيان المد القومي العربي بالدرجة الاولى حيث تم وبمنهجية منظمة عملية تطهير عرقي وتغير معالم المدينة التاريخية والجغرافية والثقافية بما فيه تعريب المدينة باستقدام عوائل عربية واسكانها في المدينة وضواحيها والقرى التابعة لها.
لقد كان التوركماني يتحول الى كوردي وعلى الاقل باستخدامه لغه اهله الكورد اذا ضاق به الدهر بين الصبح وضحاها والعكس صحيح بالنسبة للكوردي. اما الحادي عشر من آذار من عام 1970 فقد كان نقطة تحول كبيرة في حياة أبناء المدينة فقد زاد من انتشار الوعي القومي بزيادة عدد المدارس التي تدرس فيها التوركمانية والكوردية والسريانية بجانب اللغة العربية ولكن سرعان ما غير الدولة سياسته وبدا بالتعريب وغلق المدارس حتى جاءت النكسة عام 1975 فأغلق جل تلك المدارس واتبع نظام تعريب قاسي للأسماء ومسميات الأحياء والشوارع والمدارس والأبنية العامة وعانى ابناء المدينة من سياسة التعريب السيئة الصيت التي اتبعتها النظام البعثي المنحل الذي زال في التاسع من نيسان من عام (2003) تلك السياسة العنصرية التي ذكرتها سابقا في استقدام العائلات العربية من جنوب العراق لإسكانهم في المدينة وضواحيها من اجل تغير الخارطة الديموغرافية “السكانية” لصالح القومية العربية.
ان سواد الفكر الديمقراطي في المستقبل سيؤدي حتما الى نشر أوسع للغات الوطنية لجميع القوميات في العراق وبصورة خاصة للنسيج السكاني ألتعددي في اقليم كوردستان. ومن المؤسف ان اكبر عملية للتزييف وتطهير عرقي يقوم طوعيا بها التوركمان بأنفسهم لميراثهم الثقافي وبحق اللغة التوركمانية ومنذ 1970 حيث قام جهات وسياسيين غير مسئولين بتعميم تعليم اللغة التركية الرسمية في تركيا إجباريا في جميع المراحل الدراسية ونشرها عن طريق التعليم الإلزامي في المدارس باعتبارها اللغة الثقافية للتوركمان العراق وهذا ما لم يستطع الفوز به حتى حكم العثماني خلال اكثر من ستمائة عام بينما فعلها السياسة الخاطئه لسياسي التركمان بشعبهم وبلغتهم الجميلة. ويجدر بالذكر ان العديد من مثقفي هذا الشعب يصفقون لهذا المنحى الشاذ ويعتبرون التركية لغة ام ويهجرون لغتهم الأصلية ليس في العراق فقط بل انتشرت الحمى الى الدول الحديثة التكوين في أواسط آسيا والتي تكونت مع انهيار الاتحاد السوفيتي. بقى التوركمان في العراق محتفظين بلهجتم البديعة ومفرداتهما الأصيلة وبشعرهم وأدبهم وفنهم الغنائي التوركماني خلال اكثر من الف عام منذ مجيئهم عام 45 للهجرة مع طلائع الجيش العباسي قادمين من خرسان. ولا ريب ان استمرار الحال سيؤدي لاحقا الى تحول التوركمانية الى لغة ميتة كما هي عليها العثمانية القديمة التي تدرس كلغة مستقلة في تركيا لا يجيد التحدث بها فرد واحد. بينما بقت الكثير من النصوص التي كتبت بتلك اللغة التي كانت أبجديتها العربية على رفوف المكتبات بينما تم ترجمة قسم ضئيل من ذلك الميراث الثقافي الى التركية الحديثة ذو الأبجدية ألاتينية.  
  
لغة المنفى:  
ختاما ان لغة المنفى تأتي بالدرجة الأولى من الحاجة وقد يكون المنفى اختياريا أي طوعا او إجبارا. نرى مثلا طالب العلم يتعلم لغة أهل البلاد كي يزداد علما والمهاجر يتعلم لغة أهل الدار ليعمل ويحصل على رزقه وزق عياله. أما اذا كان المنفي قسرا فتراه ليس فقط مجبرا بتعلم لغة البلاد وأهلها بل أحيانا عليه ان يندمج في المجتمعات الجديدة ويترك الكثير من عاداته وتقاليده وأعرافه كي ينال رضا أهل البيت. هنا نرى ان المدة الزمنية لسنوات المنفى قد تطول لتصل الى أكثر من السنوات التي عاش فيها المرء في وطنه الأصلي. هذه الخاصية الأخيرة تنطبق على المجتمع الكركوكي حيث نرى ان العديد من الأسر العربية قد وجدت طريقها الى المدينة اثر قرار الدولة بتهجير السياسي الى مدن كوردستان عقابا على ممارستهم للسياسة وتغريدهم خارج السرب. هؤلاء ليس فقط باتوا جزء اساسيا من مكونات المجتمع بل كانت لهم انتاج ابداعي ثقافي ومشاركة في الحياة والنشاط الاجتماعي كبير ومساهمات جليلة في خدمة مجتمعهم الجديد وقد تعلموا لغة اهلها الى درجة نرى العديد منهمك قد انصهروا بين أبناء المجتمع الكركوكي. . يجب أن لا ننسى بان المهاجر الذي يترك دياره قسرا او طوعا يواجه تحديات جديدة في مجتمعات المنفى. لأضرب مثلا ها هنا بعد مرور عقدين من الزمان على وجودي في السويد بت أتحدث السويدية طوال اليوم في مكان عملي وأمارس الحديث بالغات الاخرى التي اجيدها اما لغتي الأم فبلكاد أتحدث بها اللهم عند رن جرس التلفون مع وجود البعد المكاني مع المتحدث طبعا. وهذا بالنسبة الى أبنائي وابناء ابنائي حيث تحول لغة ابيهم الى مجرد مصدر ثقافي ليس الا.
المنفى كان ولا يزال بيئة للإبداع الأدبي والفني للكثير من المهاجرين لذا نرى ان المهاجرون الأوائل من لبنان وسوريا ابدعوا واي ابداع فيما يسمى اليوم بادب المهجر ك الاديب جبران خليل جبران ورفاقه. بينما نرى ابناء الشمال الأفريقي قد ابدعوا في كافة مجالات الادب والفن في دول تواجدهم في المهجر الاوربي ويمكن الحديث عن ادب المهاجرين الشرقيين اليوم في كافة انحاء العالم.   
 
اللغات للتخاطب والتواصل ونشر المحبة والتسامح بين البشر وبناء المجتمعات المدنية المفتوحه وليس سلاحا لفصل الناس عن بعظم بإلصاق علامات فارقة لتميزهم ونشر الحقد والبغضاء بينهم لذا كان ولا يزال المطرب الكركوكي الواعي يغني بكافة لغات الدنيا فسلاما لكم جميعا.

استخدم مصطلح اللغة للدلالة كذلك على جميع اللهجات التي تتركب منها اللغة.   
   
إشارات مصدرية:
1. عزيز سباهي،  أصول الصابئة،منشورات المدى،1996.
2. سعيد ناكام، سياحه ت نامه ى ئه وليا جه له بى، بغداد، 1979.
3. د. كمال مظهر احمد، دراسات في تاريخ إيران الحديث والمعاصر، بغداد،1985.
4. نجاح عطا الطائي، الفكر القومي إسلاميا وتاريخيا، طهران،1986.
5. د. شاكر خصباك، العراق الشمالي، بغداد،1973.
6. علي شوك، الأساطير بين المعتقدات القديمة والتوراة، دار الام، لندن،1987.
7. مرغريت روثن، تعريب د. يوسف حبي، علوم البابليين، بغداد،1980.
8. د. عبد الرضا الطعان، الفكر السياسي في العراق القديم، الجرء الاول والثاني،بغداد.
9. جماعة من علماء الآثار السوفيت، ترجمة سليم طه التكريتي، العراق القديم، بغداد، 1986.
10. د. عيسى سلمان وآخرون، العمارة العربية الإسلامية في العراق، بغداد،1982
11. ليو اوينهايم، ترجمة سعدي فيضي، بلاد ما بين النهرين،بغداد،1981.
12. عبد اللطيف بندر اوغلو، قواعد اللغة التركمانية، بغداد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *