الرئيسية » مقالات » الجذور التاريخية لمفهوم الديمقراطية

الجذور التاريخية لمفهوم الديمقراطية

الجذور التاريخية لمفهوم الديمقراطية داود سلمان الكعبي تشير قواميس السياسة الى ان لفظة الديمقراطية يونانية الاصل , وهي مركبة من كلمتين (ديموس) تعني الشعب (كراتس) الحكم او السلطة , اي حكم الشعب وظهر مفهوم الديمقراطية منذ حقب تاريخية طويلة وصار في عصرنا الراهن نظاماً للحكم تصبو اليه جميع الشعوب , وهذا النظام لم يشرع دفعة واحدة , فكانت تشاريعه تتجلى خلال انظمة الحكم المتطورة في مختلف المجتمعات , ومع استمرار الزمن ونهوض الانسان والحاحه الشديد لاخذ حقوقه ارتقى هذا النظام واصبح نظاماً شاملاً له مبادئه ومرتكازاته وقوانينه الخاصة به .
لقد تطورت انظمة الحكم في حكم الغاب او شريعة القوة الى الاسرة , ويحكم رب العائلة , فالقبيلة والحكم فيها لشيخها او رئيسها تعاونه جماعة من اصحاب الراي , وعادة يتمتع الشيخ بصفة قيادية ممتازة , وبعد ان استقر الانسان وطلق حياة البداوة والارتحال ظهرت المدن والممالك المستقلة . وابرز ما في هذه المراحل الحكم الفردي المطلق ومايتبعه من استبداد واستعباد للافراد والشعوب اذ ادت الى الرق والعبودية .
وقد تميزت هذه الحقيقة, ايضاً بالاقطاعية فكان افراد الشعوب يعملون كالبهائم ليس لهم من الحقوق الا النزر اليسير , ظهر مصلحون حاولوا تحسين الاوضاع , باعطاء الافراد بعض الحقوق وبتأمين قدر من الحرية والاستقرار , ضمن الانظمة السائدة . فشرعت الشرائع , كشريعة حمورابي وغيرها من الشرائع القديمة , وكلها مستمدة من مشيئة الحاكم الفرد وتقوم على القوة , اما جماهير الشعب فلم يكن لها صوت مسموع في هذه المسألة , انما تستمد حقوقها مما تجود به عليها الطبقة الحاكمة , من ملوك مطلقين واقطاعيين ورجال دين , وهذا مع العلم ان واجباتها كانت جسيمة تلتزم بادائها ولو ادت بها الى الهلاك .
على ان الجماهير لم تكن لترضى دائما بهذا الواقع , الا مكرهة, فكثيراً اما كانت تثور , وتطالب ببعض حقوقها , فتحصل على الترضيات بعد تضحيات جسيمة او تسحق تحت جبروت حكامها الاقوياء , ومع مرور الزمن كانت تحصل على مزيد من الحقوق . ان العالم القديم لم يخل من بعض النظم الديمقراطية الخيرة , المطبعة على نطاق ضيق في بعض البلدان كالمدن الفينيقية واليونانية والرومانية .لكن هذه النظم لم تشمل الا نسبة قليلة جداً من مجموعات الجنس البشري , وما لبثت ان انهارت وساد العالم النظام الملكي بكل مساوئه لكن مع هذا فان المفاهيم التي سادت كانت اصلح من سابقاتها في عهد المماليك والامبراطوريات القديمة , لانها حوت شرائع راقية نسبياً تنص على حقوق متطورة , وان السبب في ضآلة حقوق المحكومين من افراد الشعب متأتية من كون التشريع من خصائص الحكام وليس للشعب اي ارادة في ذلك .
ان ارقى النظم السياسية الخيرة في العصور القديمة , هو النظام الديمقراطي في اثينا اليونانية . فقد كانت مفاهيمه واضحة منبثقة عن ارادة الشعب اي شعب المدينة , لان المدينة في العرق اليوناني, كانت المؤسسة السياسية الفضلى الوحيدة في نظر اليونانيين، والانسان الافضل هو انسان المدينة والحكومة الفضلى هي حكومته , ومن يعيش خارج المدن اليونانية هو بربري ونظام حكمه استبدادي دكتاتوري. كان هم المواطن اليوناني المحافظة على مدينته والعمل على ترقيتها والسير بالمجتمع المدني الى الامام . غير ان لفظة الديمقراطية التي كانت يطلقها اليونان على نظامهم المدني للحكم لم تكن مطابقة تماماً للواقع وللمفهوم الديمقراطي الحديث , فقد كان في مدينة اثينا تقريباً ونظامها الديمقراطي افضل نظام ذلك الحين , خمسة آلاف مواطن فقط لهم حق التصويت وما يزيد على مائتي الف من عبيد وغرباء وغيرهم من السكان لاحق لهم في ذلك (علي الصباح, اسس الاصلاح في المجتمع العربي).
ورغم كل ذلك كان هذا النظام المطبق نظاماً فذاً يتبع الطريقة الديمقراطية المباشرة , اذ يجتمع المواطنون في ساحة المدينة ينتخبون الحكام وكبار الموظفين بالهتاف والتصويت العلني ويشرعون الشرائع . ومما ساعد على امكانية تطبيق هذ النظام المباشر في المدن اليونانية , هو ان المواطنين لهم حق الانتخاب , كانوا قلة يمكنهم الاجتماع دفعة واحدة في ساحة المدنية .
ادى هذا النظام الى ازدهار المدن اليونانية, فقدمت العلوم والفنون. وظهر حكماء اليونان وافذاذه مثل سقراط وافلاطون وارسطو وسواهم , وان هذا الفضل في ازدهار العلوم والفنون والفلسفة والآداب يرجع الى النظام الديمقراطي . فكأن اليونان كانوا في قراراتهم, يعلمون انه لا يصلح سوى الحكم المدني ولاسعادة لهم في خارجه فانه ماكاد الاسكندر المقدوني يخضع المدن اليونانية ويقيم على انقاض الحكم المدني امبراطورية شاسعة حتى بدأ الابداع اليوناني بالاذواء , ثم مالبث ان تفككت هذه الامبراطورية واصبحت المدن اليونانية في فوضى واضطراب , وكان من جراء ذلك ان سيطر الرومان على المدن اليونانية وقضي على هذا النظام بشكل جذري.
ساءت روما في اول عهد الجمهورية على خطى اليونان , فطبقت نوعاً من النطام تجلى في انتخاب مجلس النواب ينتخب اعضاء لمدى الحياة لكن هذا النظام لم يعمر طويلا ونظرا لاطماع الحكام واتساع رقعة الامبراطورية الرومانية عادت شريعة القوة الى السيطرة (على الصباح , اسس الاصلاح في المجتمع العربي ) وكذلك نشأ نوع من الحكم الديمقراطي في قرطاجة وانهار ايضاً بخضوع هذه البلدة لروما. استمرت شريعة القوة والحكم المطلق مسيطرين على العالم حتى بدات الديمقراطية بالظهور من جديد على المسرح الدولي فخففت من وطأة استبداد الملوك المطلقين واكسبت جماهير الشعب بعض الحقوق . اتخذت الديمقراطية بادئ ذي بدء بريطانيا مسرحا ً لنشاطها , في القرنين الثاني عشر والثالث عشر , وبعد صراع عنيف ونضال دام بين اتباع البرلمان ومؤيدي الملكية المطلقة , استمرت عدة قرون , تمكن النظام بعدها الديمقراطي من الانتصار اثر طرد الملك الحاكم .
اثارت امريكا واعلنت حقوق الانسان عام 1776 واستقلت وطبقت النظام الديمقراطي، ثم انفجرت الثورة الفرنسية بعد ذلك فساعدت كثيراً، على نشر الافكار الحرة والقضاء على الحكم المطلق.
لم يكد يمضي النصف الاول من القرن التاسع عشر الا والنظام البرلماني قد عم انحاء كثيرة من العالم المتمدن وسيطرت الديمقراطية غير المباشرة لتعذر تطبيق النظام الديمقراطي المباشر بسبب اتساع الدول وضمها بين جدرانها عدداً كبيراً من السكان. وهكذا اصبح النظام الديمقراطي نظاماً قوياً مسيطراً واستمرت مفاهيمه بالتحسن والتبلور الى عصرنا الحالي فكان العراق اخر من حصل على الديمقراطية بعد ان ولت الدكتاتورية مذعورة، رغم حكمها على رقاب الشعب العراقي ثلاثة عقود كانت اشد وطأة على العراقيين.
لقد اصبح النظام الديمقراطي بعد تطوره الكبير قبلة انظار العالم المتمدن تسير جميع الدول بموجبه او تدعي ذلك.
ان النظام الديمقراطي يستمد مفاهيمه من انسانية الانسان الخيرة فيجسد المساواة بين الافراد ويفسح المجال امامهم جميعاً لممارستها والتمتع بكل الحقوق الانسانية.
ومادامت الديمقراطية تجسد انسانية الانسان وتضمن له الحقوق والواجبات، وتسهم في رقي المجتمع، فمن الطبيعي ان تكون النظام السائد وغير المنازع في العالم.
ان الديمقراطي هي التكريس الطبيعي لاجتماعية الانسان المتمدن وهي جزء من كيانه لا يتجزأ، ومتى فقدها فقد قوته المبدعة واعظم امكانياته الخلاقة وتردي في مهاوي الاجرام والفساد.
وبالديمقراطية تتميز الطبيعة الانسانية عن الحيوانية وبانعدامها لا يفرق الانسان عن الحيوان في شيء فهي اصل الحرية ومنبعها الفياض ومتى فقدت الحرية فقدت الانسانية.
فالديمقراطية خلاصة النضال الانساني عبر التاريخ في سبيل الرقي والحكم الافضل وهي خير نظام انساني، لانها ـ كما اسلفنا ـ كيان الانسان وجسد انسانيته وتعبر عن كينونته خير تعبير. فهي تشمل كل النواحي الانسانية الخيرة وتحمل جميع المشاكل وتعبد الطريق امام الانسان الفرد والمجتمع الافضل.
المصادر
1- علي الصباح . اسس الاصلاح في المجتمع العربي، دار الاندلس بيروت 1958 . 2- عبد الفتاح حسنين العدوي الديمقراطية وفكرة الدولة، طبع مصر 1964
3- الديمقراطية عند العرب , ابراهيم حداد . دار الثقافة بدون تاريخ . 4- ايريك كيسلاسي للديمقراطية والمساواة، معهد الدراسات الستراتيجية طبع سنة 2006

التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *