الرئيسية » مقالات » ما مصير سياسة الفوضى الخلاقة؟

ما مصير سياسة الفوضى الخلاقة؟

تتضح يوما بعد يوم الاثار المباشرة وغير المباشرة لسياسة المحاور في العالم ومنطقة الشرق الاوسط كواحدة من اشد المناطق العالمية سخونة واستعدادا لاشتعال المزيد من نيران الكوارث والازمات نتيجة استفحال ظاهرة الاضطرابات والمصادمات ونفي الاخر، ببروز محاور الاستقطابات الدولية.
كرد فعل لما اعتادت السياسة الامريكية التبشير به، والتلويح باعتماده كمنهج ثابت، ذلك هو ما اسمته بدعم محور(الاعتدال) بمواجهة محور التطرف والارهاب بكل انواعه وفي المقدمة منه (الاسلام السياسي)، ويتضح اكثر من اي وقت مضى، ان المنهج الامريكي هذا يخضع الان لاربعة اتجاهات اساسية لتجسيد مؤثراته العملية والفعلية:
الاولى: نمو واتساع التعاون الامني بين تسعة دول من الشرق الاوسط وهي المعروفة بمجموعة التسع او (6+2+1).
لقد تشكلت هذه المجموعة المتكونة من دول الخليج الست والاردن ومصر وامريكا حاليا واسرائيل في المستقبل للشؤون الامنية، وقد تبلورت من خلالها جملة معطيات تعمل عليها اجهزة امنية ومخابراتية بهدف وضع اسس وقواعد نظام امني مشترك للشرق الاوسط يتكامل بما ينتج عن اجتماعات ومحادثات وابحاث لجنة وزراء الخارجية التي قطعت شوطا كبيرا في هذا الميدان في الاجتماع الذي عقدته اخيرا في القاهرة.
ثانيا: تفصح الصحافة الامريكية ووسائل الاعلام الاخرى ومن خلال تصريحات وكتابات وابحاث رجال السياسة والحكم والصحافة، وعلى نحو متواصل، الاهتمام الامريكي المتزايد لدعم من اسمتهم بـ(المعتدلين) لمواجهة المتطرفين في المنطقة، بيد اوساط دولية متخصصة بتحليل المواقف والتوجهات الامريكية ترى ان الهدف الامريكي المعلن لا يعكس حقيقة ما يجري خلف الكواليس الامريكية، ذلك انها تأمل باحداث متغيرات جوهرية من وجهة نظرها لا تتوقف عند ايقاف المتطرفين عند حدهم وضرب مرتكزات وجودهم واجتثاث ايديولوجياتهم، بل هي تريد ان تبني شرق اوسط جديد لا تتوقف معطياته عند اعادة ترتيب الاوضاع بما يسمح بقيام نظام اقليمي بفتح المجال واسعا امام علاقات امريكية شرق اوسطية تسهم في ردهم الهوة في تبادل المنافع وحسب، بل وايضا في بناء علاقات ستراتيجية تبعد امدادات الطاقة من الشرق الاوسط الى امريكا عن اية مفاجأت تراجيدية ولاية هزات غير متوقعة.
ثالثا: بين هذا وذاك.. عقد اجتماع سياسي على مستوى وزراء الخارجية، نيويورك خلال انعقاد الجمعية العامة للامم المتحدة حضره وزراء خارجية ما يسمي بـ(محور) الاعتدال ال(6+2) + وزير الخارجية الامريكية، لوضع الاسس والقواعد لمرحلة ما بعد انبثاق هذا المحور.
وقد تقرر في الاجتماع التأسيسي، عقد اجتماع اخر في القاهرة، وقد عقد في الاول من تشرين الاول 2006. تلاه اجتماع اخر في المملكة العربية السعودية في 30 كانون الثاني 2007.
رابعا: المتحقق عمليا وفعليا الان بداية ظهور واقع شرق اوسطي جديد يتسم بما يلي:
اولا: تطبيع متزايد للعلاقات العربية الاسرائيلية والعلاقات الاسرائيلية الفلسطينية وخصوصا بعد مؤتمر مكة، والمصالحة الفلسطينية- الفلسطينية.
ثانيا: تزايد احتمالات عودة الحلف الاسرائيلي- التركي، بعد خطوات تحسين العلاقات وازالة كل ما علق بهذه العلاقات منذ وصول رجل طيب الى السلطة في تركيا.
ثالثا: انحسار ضغط (القاعدة) على الاوضاع الامنية في المملكة العربية السعودية وتقليص تأثيرات اعلام القاعدة على دول الخليج.
رابعاً:تزايد فرص محاصرة ايران وعزلها سياسياً واعلامياً وكذلك سوريا.
خامسا: تزايد فرص المجابهة الطائفية بين (السنة والشيعة) ليس على مستوى العراق وحسب بل وعلى مستوى المنطقة برمتها.
سادسا: تهميش جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي، وانهاء فكرة التضامن العربي واتفاقيات الدفاع المشترك ومشروع الوحدة الاقتصادية العربية ومشاريع العمل العربي المشترك ومجلس الوحدة الاقتصادية، وغيرها.
سابعا: اختراق نظرية الامن العربي، ثم اسقاطها تماما.
ثامنا: بعث سياسة المحاور المتصادمة لاستغلالها في دعم جوهر التحركات الامريكية لاعادة ترتيب الاوضاع السياسية والعسكرية في منطقة مضطربة، تورطت فيها امريكا بحرب مكشوفة.
تاسعا: سقوط اسطورة (اسرائيل) الدولة التي لا تهزم في المنطقة واليد الفولاذية الطويلة القادرة على تأديب من يحتاج الى ذلك وفق منطوق المصالح الامريكية والاسرائيلية.
عاشرا: ظهور التحدي النووي الايراني وما يعنيه في حال وصول ايران الى امتلاك التكنولوجيا النووية، من متغيرات جوهرية في امن المنطقة وفي معادلات التوازن الاستراتيجي الراهن والمستقبلي.
هذه المؤشرات وغيرها، تبلورت في اطار مساعي امريكية مستمرة من اجل حماية وجودها العسكري والسياسي في المنطقة، لذلك فان الحشد البحري الكبير في الخليج، والذي حول الخليج الى خليج امريكي بكل ما في ذلك من معنى، سيظل من دون اي معنى جدي ان لم يرتكز على قاعدة امينة تحقق التكامل في الانجازات الامريكية في المنطقة، وتحقق التوازن في هذه الانجازات.
فهي وان تريد من الناحية العملية ان تتحقق فكرة المحاور المتصادمة، بيد انها تجد نفسها في وضع تحتاج فيه الى حماية سياسية من قبل مؤسسات واحزاب وتنظيمات وانظمة. غير ان اوساطا امريكية لا تخفي قناعتها من ان مبدأ (الفوضى الخلاقة) الذي يسعى المحافظون الجدد الى تسويقها، لن يحقق ما كان مرجواً منه، فقد دلت التجربة العراقية اندحار (الفوضى الخلاقة) تماما.
وهكذا فقد تمخض من الناحية العملية، عن كل تلك الجهود بظهور ثلاثة محاور رئيسة وليس امام محورين كما كان اصلا يسعى الى ايجاده المشروع القديم: محوري المعتدلين والمتطرفين اذا اضيف لهما محور ثالث هو محور المحايدين او (المحيدين) ويضم دول شمال افريقيا والمغرب العربي (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا) وهي تدخل في اطار الاحتواء الاطلسي الهادف الى فصلها عن مشكلات المشرق العربي وادماجها تدريجيا في المدار الاوربي الامريكي بعد تهذيبها وتشذيبها واعادة تأهيلها.
وبصرف النظر عن كل ما قيل ويقال، فان ثمة عدة احتمالات جوهرية مقدمة عليها المنطقة وهي:
1-اصرار امريكي متزايد لانجاز تسوية اسرائيلية فلسطينية غير مكتملة، لكنها تكفي لاقناع حلفائها واصدقائها في المنطقة نحو المزيد من الالتصاق بامريكا لانجاز خطوات اكثر فاعلية في تذويب النظام الاقليمي والدخول في تحالف اوسع واكبر واكثر جذرية.
2-في حالة فشل عملية التوصل الى انجاز التسوية المطلوبة، فليس امام امريكا غير اثقال الوضع المتردي في المنطقة بنكبة جديدة للشارع العربي، ومرشحة لذلك عدة احتمالات منها:
*تصفية ما تحقق من انجازات في فلسطين باعادة احتلال الضفة والقطاع مع اشتداد واتساع دائرة الحرب الاهلية في فلسطين وترسيخ سياسة (القلاع المحصنة) الاسرائيلية.
*تفكيك المملكة العربية السعودية الى عدة دول
*اجتياح سوريا
*تصفية وجود حزب الله في لبنان من خلال احد احتمالين:
*الاول: حرب طائفية (سنية- شيعية(
الثاني: حرب (شيعية- شيعية) من خلال ايجاد انشقاق داخل الحزب الله، مع ظهور حركات وتنظيمات ذات توجهات ظاهرها شيء وباطنها شيء اخر.
*النجاح في احداث حرب النيابة (السعودية -ايران) ان واحدة من بين اسوأ التوجها في المنطقة، هو تواصل السعي من اجل جعل العراق ساحة ما وصفته اكثر من مرة بـ(الحرب العالمية على الارهاب) ولا يغير في ذلك محاولات الساسة الامريكان وفي مقدمتهم ديك تشيني نائب الرئيس الامريكي، اتهام الارهاب العالمي بانه هو الذي سعى ويسعى من اجل جعل العراق ساحة المواجهة العالمية ضد الارهاب.
ويبدو ان الادارة الامريكية باتت الان اكثر ايمانا بان الفشل في افغانستان قد يؤدي الى الفشل في العراق، بيد ان الفشل في العراق قد لا يسبب لها وضعا حرجا يؤدي الى هزيمتها في افغانستان. وبذلك فهي حريصة كل الحرص ان تغري المقاتلين الافغان والمتطوعين العرب والمسلمين في العالم، ان يتجهوا نحو العراق بدلا من التوجه نحو افغانستان، ويملك مروجو هذه القضية الشيء الكثير من الامور ذات الصبغة الدينية التي تعطي العراق اولوية وارجحية (الجهاد) فيه من اجل طرد (الكافر) ومن بين تلك الامور، كون العراق يضم عاصمة الدولة الاسلامية العباسية، وان لبغداد فضلا لا يمكن ان يكافئه شيء سوى الجهاد من اجل تحريرها من الاحتلال الامريكي (الكافر).
باختصار شديد يمكن القول ان العراق بشكل خاص والمنطقة بشكل عام، يوشكان على الدخول في نفق مظلم لن يتأتى الخروج منه الا بعد كوارث لن تقع تحت تأثيراتها المدمرة العراق او المنطقة وحدهما، بل العالم برمته، مالم يبادر الكونغرس الى الحد من قدرة البيت الابيض على الاستمرار في تنفيذ المزيد من صفحات خطة (الفوضى الخلاقة(.
ان سؤالا من نوع: لماذا تفعل اميركا كل هذا؟ ومن المستفيد من حالة الفوضى التي تكتنف السياسة الامريكية الى جانب الغموض في التدابير والاجراءات والابهام وعدم الوضوع في الخطط والتدابير المتخذة؟ ثم ما الذي جنته امريكا وحلفائها من سياسة (الحرب على الارهاب) منذ اطلاقها في اعقاب حوادث الحادي عشر من ايلول 2001؟ وهل اصبح العالم بفضل سياسة الحرب على الارهاب، اكثر امنا واكثر استقرارا، ام ان الذي حدث عكس ذلك؟
كل ذي بصر وبصيرة، يدرك ان عالم اليوم اكثر خوفا ورعبا واضطرابا من المجهول الذي مازال يشكل الظاهرة الاكثر ضبابية والاكثر غموضا، ففي الوقت الذي تحصر امريكا الارهاب بطالبان والتيارات المماثلة في الوطن العربي والبلاد الاسلامية، تكشف الاحداث خفايا واسرار حول علاقة باكستان الحليف التقليدي لامريكا بطالبان، ومن غير الواضح تمام الاسباب التي تجعل امريكا تغض الطرف عن انظمة في المنطقة وفي العالم ترعى الارهاب وتمد حركات وتيارات وتنظيمات ارهابية تحت ذرائع وحجج، وما يحصل في العراق واحد من بين اكثر الادلة وضوحا في التغاضي الامريكي المتعمد عن تدفق عشرات بل مئات المسلمين عبر الاراضي السورية، وكذلك تدفق الاسلحة والتدريب عليها وتأمين طرق التوصيل الى المناطق الساخنة.
والمثير للدهشة حقا، ان ايجاد مناطق امنة في العراق، محصورة فقط في الجنوب حيث الاهوار وكثافة النخيل وكثرة النهيرات والجداول والفروع والمستنقعات وغابات القصب والبردي، وكذلك في المناطق الجبلية في كوردستان، اما في الوسط فالامر المؤكد انها منطقة غير صالحة لحرب العصابات، ومع ذلك فان المناطق الامنة للمسلحين باتت كثيرة جدا ومع ذلك فلا احد يعرف على وجه التحديد السبب او الاسباب الكامنة خلف (التشجيع) الواضح للمسلحين للتجمع في منطقة معينة باعتبارها منطقة امنة، وعلى حين غرة تبدأ القوات الامريكية بالتحرك لضربها وقتل من فيها، وكأنها بذلك تقوم بنصب الكمائن وعمل (مناطق قتل) لاناس لم يكونوا اصلا راغبين في مقاتلتها تحت ظل عدم وجود امكانية للمقاتلة فهي تغض البصر عن تدفق المتطوعين ثم الاسلحة ثم ساحات التدريب ثم المناطق الامنة.
التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *