الرئيسية » مقالات » كيف يمكننا كتابة تاريخ العنف الدموي في العراق

كيف يمكننا كتابة تاريخ العنف الدموي في العراق

ماتزال البيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية في العراق منتجة للعنف وثقافة اقصاء الاخر، المختلف، وذلك الامر تتحمله كثيرا عهود الاستبداد التاريخي في المنطقة العربية الاسلامية برمتها، والعراق ظاهرة خصوصية الى حد كبير، نتيجة تعاقب الانظمة والسلطات الاستبدادية التي حكمته طوال قرون، وليس الامر راجعا الى تاريخ الدولة ” الحديثة ” وما عملته هذه الدولة الحديثة في صورها المختلفة من ملكية وجمهورية فردية استبدادية، يكمن في تأبيد حالة الوعي الثقافي العنفي، الذي يبرر عملية الحصول على السلطة بواسطة ادوات العنف والالغاء للاخرين، وذلك الامر نشهده كثيرا في الازمنة الراهنة التي نعيش، مع ادراكنا ان مجمل العوامل التي اوصلت بلادنا الى الحالة الراهنة تكمن في وجود اسباب تاريخية ثقافية قديمة وحديثة، فضلا عن طبيعة الصراع القائم اليوم والمتمثل في سيطرة القطبية الواحدة، الامر الذي يجعل المنطقة كلها معرضة للتفكك والانهيار، فضلا عن الدعم الخارجي لثقافة العنف ماديا ومعنويا، بحيث تصبج الكتابة عن تاريخ العنف الدموي في العراق امرا لا يبشر في زواله بالمستقبل القريب، وذلك لا بسبب غياب الرصد المعرفي والعلمي لطبيعة ذلك العنف ومدى خطورته واثره، بل بسبب تكراره المتواصل والمستمر على الذاكرة العراقية، فصور العنف بدأت منذ بداية الحرب العالمية الاولى في العراق وما قبلها ضمن حروب البلقان التي شاركت الدولة العثمانية فيها فارسلت العراقيين الى الجهة الغربية للقتال حينئذ (الامر الذي ارخ في الذاكرة العراقية المزيد من الالم وتذكرة العنف والاذى الذي لاقاه الانسان العراقي من خلال المقولة التي انتشرت في ذلك الوقت والتي تقول ” اويلاه يا دكة الغربية “) وصولا الى الاحتلال البريطاني للعراق والذي خلف الكثير من الويلات داخل الذاكرة العراقية وما عمله الاقطاع من ولادة اجيال عراقية مهاجرة وحاملة لارث عاداتها وتقاليدها الى المدينة دون وجود عملية تطور وتلاقح بالنسبة لهذه التقاليد.
كي يتم الوصول الى مجتمع الحضارة الذي يتخلى فيه الفرد عن كونه مسؤولا عن كل شيء، وذلك الامر احد مبررات الاستبداد التي نعانيه اليوم، من خلال اعتبار كل فرد او صاحب سلطة انه القائد الوحيد والراعي الامثل والخالد لجميع مصادر الحياة المادية والمعنوية، وبالتالي نجد المجتمع مثقلا بهذه الثقافة الريفية التي لا تستطيع ان تتواصل مع الحضارة والتطور الانساني، وهكذا الحال بعد سقوط الدولة الملكية وما ظهر من ارهاصات وحوادث عنفية تتحملها التيارات الصاعدة حينئذ من سحل وقتل العائلة المالكة وما جرى في الموصل وكركوك، وما حدث ايضا عند تسلم البعث للسلطة عن طريق الانقلاب الاسود الدموي الذي راح ضحيته الكثير من العراقيين المخلصين لوطنهم والذين ارادوا له حياة افضل وطبيعة مختلفة عن الماضي العنفي الدكتاتوري، ولكن الاسلوب هو اسلوب الاستبداد، الامر الذي قاد الى تأبيد حالة العنف من خلال حكم البعث ودمويته.
وهنا لا ننسى الاساطير التي روج لها كثيرا النظام البائد حول شخصية ابو طبر وغيرها اذا تركت اثارا بليغة على الشخصية العراقية، وصولا الى العسكرة التاريخية في حرب ضروس خاسرة بشكل فاعل واكيد ومن ثم هنالك الغزو الكويتي ودخول العراق في ” حصارات ” اجتماعية ومادية واقتصادية وثقافية، كل ذلك ولد او اسس لما يحدث في الازمنة الراهنة من عنف طائفي دموي في العراق . ان الكتابة عن تاريخ العنف في العراق تحتاج الى الاستقرار وتأسيس الدولة الديمقراطية الحديثة، تلك التي تشيع الحريات وتدافع عن الانسان وتجعل الامان متوفرا في الشارع والمؤسسة والمعمل والمدرسة من اجل كسب المزيد من الاستقرار لا بقاء العراق في حاضر دائم من العنف والارهاب، فذلك الامر لا يشير الى قدرة العراقيين على تجاوز العنف، خاصة اذا فشل الفاعلون الاجتماعيون على ضبط النفس والاهتداء الى التعقل، ومن ثم بناء العراق الذي يوجد فيه التعايش والتسامح واحترام الاخرين، فثورة الغضب من الممكن ان تجر العراقيين جميعا في حروب لا طائل من ورائها ولا تخدم كثيرا ابناءالبلد الواحد ولا تؤسس للتطور الانساني والانفتاح على الاخرين، لذلك نقول ان كتابة تاريخ العنف تحتاج الى المعرفة التامة بخبايا الشخصية العراقية وما عملت عهود الاستبداد من توزيع الكثير من الافراد داخل جماعات وكتل متشددة جدا تتعامل مع الاخرين عن طريق العنف والاقصاء وليس عن طريق الحوار والاصغاء والقبول، إذ يحتاج الامر الدعم اللازم لمؤسسات تشتغل على الشخصية العراقية من قبل الدولة ذاته، بعد ان يتم تطهير هذه الاخيرة من ثقافة العنف لاسيما اذا علمنا انها مخترقة كثيرا من قبل الميليشيات والقوى الارهابية التي لا تريد للعراق خيرا وتهتدي بمشاريع خارجية لا تخدم استقرار العراق وتطوره . كل ذلك يتحقق من خلال:
1- العمل على دراسة تاريخ العراق الدموي وما فعلته الحروب الكثيرة التي خاضها من اذى وسيطرة على الشخصية العراقية ضمن ثقافة العنف والتطرف والتعصب الفكري والثقافي، فضلا عن ما فعلته الظروف الاقتصادية المتردية من وجود التكالب على السلطة بشكل شره وغير مبرر ضمن اساليب الديمقراطية، خاصة وان الاخيرة محسوبة لدى اكثر التيارات الشمولية اداة للوصول الى السلطة وليس منهجا يتبع من اجل سلامة المجتمع واستقراره، فدراسة آثار الحروب وكشف ثقافتها تلك المتعلقة بالعقلية الغنائمية والبيانات رقم واحد واثنين .. الخ من اوهام السلطة واساليبها في خداع الناس امر يؤسس لمجتمع مغاير غير قائم على الزيف والتمويه البشريين .
2- العمل على تسجيل لحظات العنف التي قامت بها السلطة الصدامية البغيضة بحق العراقيين جميعا وضمن مختلف المكونات من اجل دراسة اسباب الحيف والاضطهاد الذي يكمن في طبيعة الحفاظ على السلطة والصراع عليها وعدم تأسيسها على خيارات المجتمع الانساني، وذلك الامر يبدأ ضمن مسلسل العنف الدموي منذ الاساطير الاولى للجهاز العنفي الاستبدادي التي عمل على خلقها والتي راح ضحيتها مئات الالوف من العراقيين ضمن اعدامات جماعية وفردية والامثلة كثيرة ولاتحصى حول ذلك الامر من المقابر الجماعية في الجنوب والشمال على حد سواء .
3- العمل على توثيق اللحظات الحالية المعاشة وما فيها من عنف طائفي دموي يعود الى طبيعة الصراع في العراق على السلطة وطبيعة السيطرة عليها لدى اكثر التشكيلات السياسية ضمن حدود النسبي وليس المطلق، وكذلك الى التاريخ الدموي القديم والحديث كما اسلفنا اعلاه، وكل ذلك لا يمكن ان يتحقق ما دامت الدولة ضعيفة وهشة ومخترقة، فالحاجة الى ضبط النفس من قبل الفاعلين الاجتماعيين تمثل منفذا اخيرا للبقاء،وحاجة اكيدة لتجاوز الاوضاع الراهنة وتفضيل خيار الحياة على الموت والتعايش والتسامح على الاقتتال والتطرف . كل ذلك يتحقق من خلال شيوع ثقافة نبذ العنف بكل اشكاله.
التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *