الرئيسية » مقالات » أكتب إلى مهدي و ذكريات مهدي وعيون مهدي وضحكات مهدي- الحلقة الثانية

أكتب إلى مهدي و ذكريات مهدي وعيون مهدي وضحكات مهدي- الحلقة الثانية

منذ القدم ولغاية اليوم لم تنقطع رغبة الإنسان بتخليد الذكريات وتوثيقها سواء كانت مفرحة أو أليمة ، فتراه قد نقشها على الجدار أو الحجر أو الشجر وكتب معها عبارات تنم عن رغبة جامحة لغرض تخليدها للتواصل والمودة وعدم النسيان مهما اشتدت قسوة وجور الزمان، وهاهي الرسوم تعيد الجسوم وتنشط الذاكرة وتعين على تدوين الأحداث بعد استرجاع صورتها الحقيقة ، فللصورة سحر خاص باسترجاع الحدث !

لقد قضيت مع مهدي أياماً وأوقات جميلة، ولي مع مهدي صور ( صور فوتوغرافية عديدة ) وصور أخرى منقوشة بالذاكرة أحتفظ بالاثنين معا ً أقلبهما دائما ً معا . ففيها ذكريات كثيرة متنوعة، فقد عملنا معا ً في ” اتحاد الطلبة العام ” ومن ثم في ” اتحاد الشبيبة الديمقراطية ” سافرنا سوية ً إلى العديد من محافظات العراق والتقينا هناك بأصدقاء وأحبة عديدين ، فقد سافرنا إلى البصرة ، والكوت ، والديوانية، والنجف، وكربلاء، وأربيل ومصا يفها، أنها أيام جميلة لا تنسى كان لنا من المعارف والأصدقاء في كل مكان نحل فيه .


صورة رقم 4 البصرة في 23 / 3 / 1973 قرب نصب الشاعر السياب ، الوقوف من جهة اليسار رعد كريم ، مهدي حمد ،محسن لفتة ، يشوع مجيد ، ….. ، الجلوس من اليسار يحيى غازي ، صلاح مهدي ، على عبد الله ، ……. .

إحدى السفرات كانت إلى البصرة عام 1973 كان ثالثنا في السفرة صديقنا ( الشهيد يشوع مجيد بهنام ، من أهالي الموصل كان طالباً معي في المعهد الزراعي ، لقد أستشهد قبل فترة في منطقة بخديدا بالموصل بعد أن امتدت له يد المجرمين القتلة بتاريخ 22/11/2006 وهو يخرج من مقر الحزب (رئيس حركة تجمع السريان المستقل ) الذي أسسه بعد سقوط النظام ، كنا قد اتفقنا مع صديقنا من أهل العزيزية ( صلاح مهدي إبراهيم ) على زيارة البصرة خلال أعياد نوروز إذ كان يدرس في معهد المعلمين في البصرة ، فلقد وعدنا بتوفير مكان الإقامة وبرنامج جميل للسفرة ، إذ كان معه أيضا ً بعض أصدقائنا في نفس المعهد من أهالي قضاء العزيزية ومنهم الأعزاء ( مهدي من منطقة شظيف الغربي إحدى قصبات قضاء العزيزية ، وعلي عبد الله ) وصلنا قبل يوم من الاحتفال بعيد نوروز، كان الربيع والأصدقاء في انتظارنا في محطة قطار البصرة ( المعقل )، لقد مكثنا في البصرة خمسة أيام ( أيام سفرتنا ) كانت مليئة بالمرح والتعارف والحوارات والسهرات والزيارات، كانت حلقة الأصدقاء تتوسع ويزداد عددها، البصرة كانت تتألق في جو ٍ ربيعي ممزوجا ً باحتفالات نوروز، الدبكات في الغابات والأثل والسندباد ، سوق الهنود وهو يعبق برائحة العطور والبخور،البصرة العتيقة ، الشارع الوطني ، ساحة أم البروم ، حي الطرب ، الزبير وازقتها العتيقة وزي رجالها المتميز اليسشماغ الأحمر والدشداشة البيضاء ، شط العرب،انتصاب السياب ، عباراتها إلى التنومة ، جزيرة السندباد، لقد استأجر لنا مضيفينا أصدقائنا مجموعة من الزوارق ( ابلام ) ومخرت مع فرحنا في مياه شط العرب تتخللها الصفكات البصرية ممزوجة بالبستات الغنائية العراقية، كانت أجمل الاماسي نقضيها في العشار ،روح الدعابة المرحة والنكتة السياسية اللاذعة كان الشهيد مهدي متواصل بمرح إتيانها


صورة رقم 5 البصرة ربيع 1973

حملت مع إلى السويد مجموعة من الصور من ضمنها (سفرة البصرة ) الصور فيها العديد من الأصدقاء الجدد الذين تعارفنا عليهم ، وقتها وجه لنا العديد منهم دعوات لزيارة مناطقهم ، وقد لبينا زيارة أحدهم( أنا وصديقي مهدي ) والصديق الذي زرناه كان من أهالي الحلة ( الصديق رعد كريم ) و خلال تلك الزيارة كان تعارف أخر بأصدقاء جدد من أهل الحلة الطيبين المثقفين ، وقد كان في انتظارنا في الحلة كذلك أصدقائنا من المعهد شاكر فاضل، وسامي متي ، وعباس عجام والعديد غيرهم . سنين من العلاقة الأخوية الصادقة كيف أكتب عنها وأي موقف أصف منها، تتزاحم الأماكن والمواقف والصور ، ولكل واحدة منها نكهتها وحلاوتها .

هذه إحدى الصور قد التقطت في قاعة ومطعم نادي المعهد الزراعي الصورة تعيد لي شريط الحدث ومناسبته ، مثبت خلف الصورة تأريخ 31 آذار 1973 انه تاريخ تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، يظهر في الصورة مهدي ومجموعة من الزملاء بعد أن جاء مبكراً هذا الصباح وهو أكثر تأنقا ً وسعادة وفرح، يحتضن كيس كبير من الحلوى ( الجكليت ) ليوزع ” مهدي ” على رفاقه وأصدقاءه وزملاءه في اتحاد الطلبة العام، وقد حرص أن يلف مع كل قطعة حلوى شعار من شعارات الحزب كان قد خطه بيده في هذه المناسبة!



صورة رقم 6 نادي الطلبة في المعهد الزرعي، أبو غريب مثبت خلف الصورة 31 /3 / 1973 الوقوف من اليسار يحيى غازي ، محمد العبودي من البصرة / طالب شمران من سدة الهندية /هاشم خيون من الناصرية ، عبد الرضا كمير من الكوت ، مهدي حمد ، عباس عجام من الحلة

لقد قضينا أيام جميلة مع أصدقائنا في مدينة العزيزية، ففي متجرهم المقابل للسوق العصري كان مركز لقائتنا قبل أن ننطلق إلى أحد المشاوير كأن يكون في إحدى مقاهيها المتعددة الجميلة ” ومنها مقهى بربن، أو مقهى فالح مهدي الشلال، أو مقهى جابر عبد علي، ” أو على شاطئ نهر دجلتها الجميل وقت الغروب أو الذهاب إلى قضاء ليلة مع عشرات الأصدقاء في نادي موظفين العزيزية وحدائقه الغناء،هناك في هذه الأماكن المتعددة كانت تسود وتدور الحوارات والنقاشات وتطرح الآراء وما استجد من الكتب والصراعات والنزاعات في الساحة السياسية وكان ” لمهدي ” دور متميز بذلك ، لثقافته الواسعة وشفافية طرحه وحواره !

وفي بغداد الحبيبة كنا نحضر العديد من المهرجانات السينمائية والمسرحيات الجميلة الرصينة والمعارض الفنية ومهرجانات الشعر وتجمعاتها . كانت أماسي وليالي (شارع أبو نؤاس ) ومقاهيه و باراته ونسمات هوائه المنعشة ، ملتقانا مع الزملاء والأصدقاء والرفاق، وعشرات الأماكن العديدة الأخرى، أتذكر مسرح الفن الحديث وكيف نلتقي الأحبة والأصدقاء فيه، المركز الثقافي السوفيتي ونشاطاته ، سينما النصر وأفلامها يحضرني الآن فلم العصفور، وفلم( زد ) الذي عرض في سينما سميراميس وقتها ، مهرجانات الأغنية السياسية وأذكر منها مهرجان نقابة الفنانين التشكيليين ، مهرجانات الشعر الجميل في حدائق نادي التعارف الخاص بالصابئة المندائيين ، تجوالنا في شارع السعدون وهو يغص بالحركة والأضواء، شارع المتنبي ومكتباته، مكتبة التقدم ، كازينو ( كيت كات ) و كازينو( الموعد ) مقر مواعيدنا مع المرطبات !!
كان الشهيد مهدي من رواد مكتبة دار التقدم والتي تقع خلف الشارع الخيام (سينما الخيام ) كنا بعد كل رأس شهر من استلام الراتب نفرد ( من راتبنا ) مبلغ دسم للتبضع من كتبها فقد كانت متخصصة بالأدب الروسي والمؤلفات الماركسية اللينينية وتبيع بأسعار مناسبة !

مهدي من أهالي العزيزية، ولكنه بشكل مستمر يسكن في بغداد ، في منطقة البتاوين قرب ـ ساحة النصر ـ قريبا ً من ( تمثال عبد المحسن السعدون ) يسكن في بيت زوج أخته ( محمد أمين ) كان رجلاً ٌ كريم النفس والأخلاق ؛ هاهي ( نجية ـ أم هويدا زوجة محمد أمين ) شقيقته و صورتها لا تبارح مخيلتي ، كيف كانت تستقبلني بترحيبها
اللطيف بعد أن أطرق باب بيتهم مستفسرا ً عن صديقي ( مهدي ) إذ لم تكن لدينا في تلك الفترة الوسائل الحديثة بالاتصال كما الآن الهاتف الأرضي والنقال ورسائل الانترنيت.

أنها ذكريات تثير الحزن والأسى (يا مهدي) من أناجي وماذا عساني أن أفعل ، قبل أيام يا صديقي عاد الاتصال بيني وبين أصدقاء ورفاق قدماء هربوا من جحيم الوطن الذي نذرنا أرواحنا له ، هربوا قبل أكثر من ربع قرن من الزمن ، هربوا طالبين اللجوء من بطش الطغاة ، (الآن لكل واحد منهم مائة قصة وقصة ) أول محادثتي معهم سألوني عن ( مهدي ) هم أصدقائه أيضا ً ، فهذا ( صلاح مهدي إبراهيم يسكن هنكاريا ) و (صادق خلف الدبي في أسبانيا ) و( ناجي كاظم ذياب / كندا ) و( سلام إبراهيم / الدنمارك ) كل واحد منا يبعد عن الأخر مئات الآلاف من الأميال وتفصلنا عن بعضنا العديد من البحار والجبال ، لكن صداقتنا وذكرياتنا الجميلة لا زالت طرية ندية ، تبعث فينا الأمل ( للغد المشرق ) !!
هاهو ابن عمي ” رتاب الأميري ” يسكن قريباً مني يتذكر الشهيد ” مهدي حمد ” وجلسات السمر والثقافة والمهرجانات الثقافية إذ كنت قد عرفت بعضهم على بعض في تلك الفترة .
كل هؤلاء الأصدقاء ( صلاح وصادق و ناجي وسلام ورتاب وسيد سعد ودعدوش عليوي وياس خضير وعيدان هلال وعيسى الخياط ) والعديد غيرهم يحثونني أن أكتب شيء عنك ….. إن قلبي وقلمي لا يطاوعاني يا صاحبي ، لقد جربت اكثر من مرة ، فبمجرد العودة لتك الأيام وذكراها ، تنهمر دموعي وأبقى أسير الحزن والدموع .

ماذا أكتب هل أكتب عن جلادين قتلوا حتى الأحلام ؟
واغتالوا اجمل سنين العمر بالإرهاب والظلم والاستبداد؟
أم أكتب عن وطن مزقته الحروب والنهب والفساد والأحقاد؟
أم أكتب عن وطن دفع كل هذا الدم والشهداء والأبرياء ، ولم تهدأ يد الإجرام والمجرمين منه !
أم أكتب عن مئات الانتهازيين والمتلونين والوصوليين وهم يتبادلون أدوارهم ؟
أم اكتب عن وطن يعيش في دوامة جديدة قاسية مرعبة يتقاسمها ثلاثي جديد الموت والنهب والتمزيق بعد أن سقوط النظام الغاشم منذ أربعة أعوام ونيف !
لكن سأكتب عن كل طيب ومضحي وشريف سأكتب يا صديقي العزيز( مهدي )عن قيم نبيلة حملنها وحب وطن وشعب أقسمنا الولاء له والدفاع عنه.
سأكتب يا مهدي عهدا ً سأكتب كلما اسعفتني أوقاتي مدافعا ً عن شعبي ووطني بضمير ووجدان إنساني،ولن يثني من عزيمتنا نباح الكلاب المسعورة وأبواقهم المأجورة.
وسأكتب عن شجاعة مهدي ولعيون مهدي وضحكات مهدي التي لم تزل كالنواقيس تضرب في رأسي وأذني !!


لقد نشأ مهدي وترعرع في وسط محيط من الجيران والأصدقاء والأقارب المسالمين الطيبين والتقدميين وحملة القيم والمبادئ والأخلاق الإنسانية النبيلة ومن عائلة يسارية المبادئ فشقيقه الأكبر ( صادق ) كان من الشخصيات المعروفة بنهجه التقدمي اليساري في المنطقة وكذلك زوج أخته ( أبو ضرغام ) المناضل العراقي النبيل والأصيل كان يسكن في منطقة قضاء بدرة في محافظة واسط والذي سفرَ مع عائلته إلى إيران في حملة التسفيرات بحجة التبعية الإيرانية ظلما ً وبهتانا ً .

مهدي شجاع لا يرهبه الخوف ، لديه الاستعداد دائما ً للتضحية ، يحب أصدقائه وأهله دون أن ينتظر منهم مقابل، سوف اروي هذه الحادثة حصلت أمامي :
مهدي من عائلة ميسورة الحال بالنسبة للأهل مدينة العزيزية إذ كان عندهم أكثر من عقار في العزيزية وعدة سيارات حمل ( شاحنة أو ( لوري) كما تسمى بلغتنا الدارجة ) واكثر من سيارة صالون ، ومحل تجاري في سوق المدينة ، كانت العقارات مسجلة باسم والده لم يتم توزيعها على الورثة ، بعد أن تعين مهدي موظف في الدولة ( وزارة الزراعة ، مديرية البستنة ) ، وقبل أن يسافر إلى خارج القطر ، كان يرفض ان يأخذ من إخوانه حصته من الأرباح من المحل أو وارد الشاحنات ، وعندما أراد السفر خارج القطر أخبرني أنه قرر ان يسجل كل ماله من حصته بالإرث بأسم إخوانه معللا ً ذلك لكونهم لم يضمنوا مستقبلهم بوظيفة أو راتب ثابت يحميهم قسوة وتقلبات الحياة والأيام ، وعندما حاججته بأن لك حصة يقرها الشرع والقانون أبتسم وأجابني أني الآن أتمكن من أن اشق طريقي وابني مستقبلي ، لم اعرف بشكل دقيق بعدها هل حقق مهدي أمنيته بتحويل العقارات أم صادرتها السلطة الغاشمة بعد تنفيذ جريمتهم النكراء بإعدامه !!

تتبع الحلقة الثالثة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *