الرئيسية » مقالات » رؤية نقدية متأنية في كتاب عندما كان الدكتور عبد الأمير العبود وزيراً الحلقة الرابعة

رؤية نقدية متأنية في كتاب عندما كان الدكتور عبد الأمير العبود وزيراً الحلقة الرابعة

سقط نظام بغداد الدكتاتوري في التاسع من نيسان/أبريل 2003 وهرب الطاغية وانهارت جحافله كلها دفعة واحدة, ودخلت قوات “تحرير” العراق, وفق تصريحات جورج دبليو بوش, لتعلن بعد فترة وجيزة جداً قرار احتلال العراق الذي صدر عن مجلس الأمن الدولي وأثار استياء كل الناس في العراق. وبهذه المناسبة تذكر الناس بيان الجنرال البريطاني ستانلي مود حين دخل بغداد فاتحاً في الحادي عشر من آذار/مارس 1927, إذ جاء فيه : ” إن الغاية التي ترمي إليها كل من فرنسة وبريطانية العظمى في خوض غمار الحرب في الشرق من جراء أطماع ألمانية, هي تحرير الشعوب التي طالما رزحت تحت أعباء استعباد الأتراك تحريراً تاماً نهائياً, وتأسيس حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من رغبة نفس السكان الوطنيين ومحض اختيارهم. وتنفيذاً لهذه الغايات قد اتفقت كل من فرنسة وبريطانية العظمى على تشجيع ومساعدة إنشاء حكومات وإدارات وطنية في كل من سورية والعراق, وقد حررها الحلفاء فعلاً, وفي الأقطار التي يسعى الحلفاء إلى تحريرها, والاعتراف بهذه الأقطار بمجرد تأسيس حكوماتها تأسيساً فعلياً”, أي جئنا محررين لا فاتحين أو محتلين. (الحسني, عبد الرزاق. الثورة العراقية الكبرى. طبعة منقحة. الطبع بدون تاريخ وبدون بلد الإصدار. ص 21). وإذ كانت الفرحة في المرة الأولى كبيرة, ثم كانت الأزمة والصراع والنزاع وفرض الهيمنة الاستعمارية الطويلة والانتداب والامتيازات على الحكومة الملكية التي تشكلت في العام 1921, فإنها كانت في المرة الثانية الفرحة أكبر وعارمة بسقوط الطاغية ونظام حكم الطغاة , ولكن بدأ بعدها الصراع والنزاع وإصدار قرار بالاحتلال وكل ما نعيشه اليوم.
كان السؤال الأكبر: وماذا بعد السقوط؟ يبدو أن غالبية الناس كانت قد نست أو تناست في غمرة فرحتها العارمة حقاً ما توعدهم الدكتاتور منذ سنوات طويلة وفي منتصف السبعينات حين أكد بقوله “جئنا لنبقى, ولن نترك العراق إلا على أنقاض وجثث”. وقد ردد ذلك القول نعيم حداد , حين كان عضواً في القيادة القطرية لحزب البعث وسكرتيراً عاماً للجبهة الوطنية والقومية التقدمية , عشرات المرات لكي ترسخ المقولة بأذهان الناس والقوى والأحزاب. وحين نُسيت هذه المقولة برزت عدة ظواهر سلبية حادة نشير إلى بعضها بشكل خاص:
1. أن قوات الاحتلال التي حررت العراق من الدكتاتورية وجدت أن من حقها حكم العراق مباشرة, وهي التي رفضت قبل ذاك أيضاً تشكيل حكومة مؤقتة في المهجر لتتسلم الحكم بعد سقوط النظام مباشرة, كما لم تتشكل مثل هذه الحكومة بعد السقوط , وبغض النظر عن الأسباب.
2. نشوب صراع حاد بين القوى السياسية العراقية التي كانت قبل ذاك في المعارضة حول السلطة وسبل توزيع المواقع.
3. استثمار القوى المعادية للفراغ السياسي الذي نشأ والصراعات الداخلية من أجل إعادة تنظيم الصفوف والتحضير لبدء المعارك, تماماً كما فكر بها ورسم لها وأوكل تنفيذها إلى عزة الدوري بشكل خاص.
وساعدت الفوضى العارمة , التي تحدث عنها الدكتور عبد الأمير العبود في كتابه “عندما كنت وزيرا” , في أعقاب سقوط النظام والفرهود الذي مارسته جمهرة واسعة جداً من الناس على نشوء أرضية صالحة لبدء أعداء الوضع الجديد بتنفيذ مخططاتهم الإجرامية.
ليس الفرهود ظاهرة جديدة في تاريخ العراق. فقد حصل الكثير منه على مر التاريخ العراقي, حيث كانت تستباح المدن من القوات الغازية ومن الناس أنفسهم, ثم كان الفرهود الذي حصل في النجف والحلة وكربلاء حين أجتاح الوهابيون السعوديون هذه المدن في فترة الحكم العثماني, أو الفرهود الذي تعرض له السكان اليهود في بغداد في أعقاب انهيار حركة رشيد عالي الگيلاني في العام 1941 وسقوط الكثير من الضحايا بين قتيل وجريح , أو النهب الذي حصل في أعقاب المأساة الإنسانية التي وقعت في حلبچة بعد ضربها بالكيماوي في العام 1988 من قبل النظام الدكتاتوري وبأوامر من صدام حسين وتنفي علي كيماوي. (راجع: الطالباني, جلال. حول القضية الكردية في العراق. تشرين الثاني 1988. ص 60/61).
لقد كانت قوات الاحتلال الأمريكية وغيرها تشاهد كيف تنهب وزارات ومؤسسات ومتاحف وبنوك ومدارس ودور الدولة والمسئولين السابقين دون أن تتحرك لمنع تلك الجماعات الهمجية من ممارسة ذلك النهب والسلب العام. لقد لعبت قوات الاحتلال الدور الرئيس والأساسي في انهيار كامل للدولة المؤسسية بغض النظر عن طبيعتها الفاشية, كما عمقت ذلك بحل الجيش والحفاظ عى وزارة النفط سالمة من كل أذى. كتب العبود يقول:
“…, الملفت للنظر والمؤلم في الوقت ذاته أنك تلاحظ أينما ذهبت بنايات حكومية قد نهبت وبعضها قد أحرقت وعلى جدرانها السواد من أثر الاحتراق , المتحف العراق نهبت كنوزه ,ىثاره الثمينة التي تتحدث عن تاريخ البشرية , المكتبة العامة ومكتبة كلية الآداب اللتان تحتويان على آلاف الكتب النادرة والمخطوطات قد احرقتا بالكامل , وغابت عنهما كنورز الثقافة والمعرفة , الكثير من المدارس والمسشفيات والبنوك والوزارات والدوائر الحكومية قد نهبت وطال النهب حتى سجلاتها وأوراقها.”, (الكتاب, ص 183).
إن ما حصل في العراق بعد سقوط النظام من فوضى ونهب وسلب ساهم في تبرير الدعوة الأمريكية – البريطانية إلى فرض قرار الاحتلال على العراق بحجة حماية السكان, وإلى استمرار الوجود الأمريكي والبريطاني في البلاد, وهذا الاستنتاج توصل إليه الكاتب, كما توصل إليه ألاف الكتاب العراقيين, فقد كتب العبود يؤكد بأن الولايات المتحدة لم تبذل تلك الأموال والنقود لكي تحرر العراق فقط, بل لأن لها استراتيجيتها في العراق والمنطقة. وإذ يجد صواب إسقاط النظام من قبل الولايات المتحدة, إذ كان يرى: ” لو لم يتم إسقاطه بهذا الشكل لبقى النظام الصدامي سنوات طويلة لا يمكن معرفتها”, لكنه كان يرى أيضاً بأن فرض الاحتلال جاء مخلاً بكل التعهدات الدولية التي قطعتها الإدارة الأمريكية لقوى وأحزاب المعارضة السياسية العراقية قبل التحرك صوب إسقاط النظام. (الكتاب, ص 188/189).
قبل صدور قرار فرض الاحتلال على العراق, عين الدبلوماسي الأمريكي والمتخصص بقضايا الإرهاب, بول بريمر, سفيراً للولايات المتحدة, أو حاكماً عاماً على العراق. ومع هذا التعيين بدأت مشكلات البلاد تتخذ أبعاداً جديدة وتتفاقم تعقيداً وتشابكاً.
يشخص الدكتور عبود بصواب طبيعة بريمر ويتفق في ذلك مع تشخيص السيد رئيس الجمهورية جلال الطالباني في تصريحاته الأخيرة للحياة حين قال أن بريمر كان يتصرف كنائب الملك في الهند. وقد شخصت ذلك منذ بداية تعيين بريمر لهذا المنصب وبعد أن راقبت أسلوب وأدوات عمله وسميته بالمستبد بأمره والحاكم المطلق على العراق.
والسؤال المشروع الذي يفترض طرحه على أنفسنا هو : لماذا عين بريمر سفيراً أو حاكماً عاماً على العراق؟ من يقرأ كتاب الدكتور العبود يستطيع أن يلتقط , ولو في مواقع مختلفة , بعض الأهداف التي عين من أجلها بريمر. ولكن سأحاول هنا بلورة ما اراه صحيحاً من جانبي مع ما طرحه السيد العبود لتكوين صورة صادقة ومتكاملة نسبياً عن أهداف هذا الرجل الممثل للإدارة الأمريكية والمنتسب إلى جماعة المحافظين الجدد واللبرالين الجدد في النخبة الحاكمة الأمريكية. يمكن بلورة ذلك بما يلي:
1. كان على الولايات المتحدة الأمريكية أن تباشر العمل لحماية أمنها الداخلي وان تحول كفاحها ضد الإرهاب ودفاعها عن الولايات المتحدة من أراضي الولايات المتحدة إلى شن هجوم ضد القوى الإرهابية في أراضي الغير, وكان العراق أولاً وأفغانستان ثانياً هما الموقعان الأساسيان لجذب الإرهابيين إلى العراق وأفغانستان بهدف “التقاطهم” والخلاص منهم. لقد أصبح العراق الموقع الأول والأمامي في الصراع ضد القاعدة,
2. وكان لا بد من أجل تحقيق هذا الغرض ترك الحدود العراقية مفتوحة على الدول المجاورة لكي ينفذ منها الإرهابيون إلى العراق لتبدأ المعركة معهم على أرض العراق. وكان لا بد من تدمير مؤسسات الدولة أيضاً, كما كان لا بد من ترك فراغ سياسي يسمح بتوفير الأرضية المناسبة للصراع, وكان لا بد من إصدار قرار حل القوات المسلحة وقرار “اجتثاث البعث” لخوض المعركة دفعة واحدة ضد هؤلاء جميعاً. وكان لهذه القرارات وقع الصاعقة على الوضع في العراق.
3. وكان على بريمر أن يضع مجموعة من المستشارين العراقيين الذين وصلوا معه على رأس إدارة استشارية تابعة له وخاضعة لمجموعة من الاستشاريين الأمريكيين يحكم من خلالهم العراق ولفترة غير قصيرة. وكانت الوعود قد أغدقت على العديد من الاستشاريين العراقيين بأنه سيحتلوا مراكز وزارية في العراق ليساهموا في بناء بلدهم وتعزيز التحالف العراقي – الأمريكي!
4. وكان لا بد من إنجاز عدة مهمات في الجانب الاقتصادي والاجتماعي, ومنها :
a. إنهاء دور الدولة الاقتصادي وتصفية مشاريعها ومؤسساتها الاقتصادية, أي تنفيذ عملية الخصخصة لكل مؤسسات الدولة الصناعية وغيرها, والكف عن الحديث عن قطاع دولة أو عن دوره في الحياة الاقتصادية العراقية.
b. اعتبار القطاع الخاص هو القاعدة الأساسية الوحيدة للنشاط الاقتصادي في البلاد والأخذ بنموذج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في وجهة النشاط والتطور الاقتصاد العراقي التي تركز على نموذج التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي.
c. فتح الاقتصاد العراقي بالكامل أمام السوق العالمي والتجارة الخارجية, مما يحرم الاقتصاد العراقي من القدرة على الاحتفاظ بمشاريعه الاقتصادية أو بناء مشاريع صناعية جديدة.
d. فتح الأبواب لولوج ونشاط وتوظيف رؤوس أموال القطاع الخاص الأجنبي, وخاصة الأمريكي وتأمين رفع كل القيود عنها.
e. التهيئة الجادة لعقد اتفاقيات وإصدار تشريعات حول اقتصاد النفط الخام العراقي وربطه بعجلة الاقتصاد الأمريكي وشركات النفط الدولية.
5. بناء السلطة السياسية وفق ما هو مرسوم في رأس الإدارة الأمريكية والبنتاگون في أن يجري إرساء السلطة على أسس طائفية ومحاصصة طائفية في ضوء تقديرات النسب السكانية.
لقد أساء بريمر إلى الاقتصاد والمجتمع العراقي وتسبب في مختلف المجالات التي كان مسئولاً عنها, وكان مسئولاً عن كل شيء في العراق, بإلحاق جملة من الأضرار الفادحة والتي كان وسيبقى يعاني منها الشعب العراقي طيلة السنوات العشر أو أكثر القادمة. إذ لم يكن المجتمع قادراً على تحمل فكرة الاحتلال أصلاً, وكان أول من اقترح ذلك على الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش, ولم يكن الاقتصاد العراقي مؤهلاً للخصخصة على الطريقة التي سار عليها بريمر, كما لم يكن العراق قادراً على تحمل تسريح كل الجيش العراقي والشرطة وجميع الأجهزة العسكرية الأخرى وتركها تسرح في البلاد لتقوم بتنظيم الكثير من العمليات الإرهابية أو تشارك في عمليات مضادة للاحتلال. ورغم البنية السكانية التي يطرحها الدكتور عبود كتبرير للمحاصصة الطائفية, فأن هذا التوزيع لم يكن صائباً وأدخل العراق في نفق مظلم وطويل لا يمكن لأحد أن يتنبأ عن الفترة التي سنقضيها فيه قبل رؤيتنا النور ثانية… وهكذا في بقية المسائل بما في ذلك اتساع نطاق الفساد المالي والإداري ونهب أموال الدولة والمساعدات التي تقدم والتي كشفت عنها لجان الرقابة المالية التابعة للولايات المتحدة الأمريكية وليس العراقية. لقد كان بول بريمر واحداً من أسوأ الحكام الأجانب الذين عرفهم العراق الحديث ويبقى اسمه يحمل الحزن والألم ومشاعر الغضب في ذاكرة العراقيات والعراقيين, لأنه كان الأداة المنفذة والمبدعة لتطبيق سياسات خاطئة ومضرة بالعراق وشعبه. وهذا ما شخصه الدكتور العبود ايضاً.
عند قراءة ما كتبته الدكتور العبود بشأن حلقة النقاش الاقتصادية والمالية ذات الطبيعة الاستشارية غير الملزمة, التي كان عضواً فيها والتي شكلها بريمر من حوالي 40 عضواً أجنبياً وموظفاً محلياً وخبراء اقتصاد وممثلي أحزاب سياسية لفترة قصيرة, يتيقن دون أدنى ريب من تلك الأهداف الاقتصادية التي كان يسعى إليها بريمر بكل السبل, إضافة إلى أنه وفيما بعد كان يسعى إلى نزع صلاحيات مجلس الحكم الانتقالي. يقول الدكتور العبود في هذا الصدد ما يلي:
” ومما تجدر الإشارة إليه لغرض توضيح العلاقة بين مجلس الحكم الانتقالي وسلطات التحالف هو أن قرار مجلس الأمن المرقم 1483 (لسنة 2003, ك. حبيب) قد أقر خضوع العراق للاحتلال على وفق مبادئ القانون الدولي ومنح قوات الاحتلال كافة الصلاحيات التي يشير إليها هذا القانون , وبناء على ذلك أصبحت بيد السفير بريمر صلاحيات كاملة لحكم العراق سياسياً وعسكرياً , وأصبحت العلاقة بين مجلس الحكم الانتقالي والسفير بريمر مرهونة بما يقرره ويصادق عليه السفير بريمر” (الكتاب, ص 214). ثم يشير إلى ما يلي:
” ومن هنا وجد مجلس الحكم نفسه وهو يدير شؤون البلاد مجرداً من الصلاحيات الأمنية والمالية , بل أن كافة قراراته لم تأخذ طريقها للتنفيذ ما لم تقترن بتوقيع السفير بريمر…”, (الكتاب, ص 214).
لم تطرأ على بال الدكتور عبود حلاً لهذه المشكلة في حينها ولم يسجل ملاحظة كحل كان يمكن أن ينتهج من جانب أعضاء مجلس الحكم الانتقالي للخلاص من حقيقة “اسمه بالحصاد ومنجله مكسور”, أي رفض هذه الوصاية وتقديم استقالة جماعية من المجلس التي كانت تضع الإدارة الأمريكية كلها أمام أحد أمرين إما التسليم بالأمر الواقع ووضع السلطة بيد حكومة عراقية وعدم تصرف المستبد بأمره بول بريمر كما يشاء وكنائب لملك الهند في العراق, أو أنهم يتركون الأمر للأمريكيين. ولم يكن أمام الإدارة الأمريكية سوى النزول عن بغلتها والرضوخ لإرادة أعضاء مجلس الحكم. إلا أن هذا لم يحصل لسبب بسيط هو أن الوحدة بين القوى الفاعلة كانت غائبة, وكان البعض يرى أن من مصلحته البقاء للمشاركة في ترتيب الأوضاع بدلاً من فقدان مقعد له في المجلس.
ورغم ذلك يقول السيد العبود على أن مجلس الحكم الانتقالي قد أنجز الكثير من المهمات, رغم أني أرى بأن سياسات وتصرفات بول بريمر هي السبب الأول والرئيسي وراء ما يعاني منه الشعب العراق منذ ما يزيد عن خمس سنوات عجاف.
لم يكن عبد الأمير العبود طيلة حياته السابقة حزبياً, إذ كان باستمرار يتحرك على هامش حزبين هما الحزب الشيوعي العراق والحزب الوطني الديمقراطي, وهي مرتبطة بالأصدقاء الذين ارتبط بهم وكانوا أعضاء في أو مؤيدين لأحد هذين الحزبين. أما بعد سقوط النظام فقد التحق عن طريق صديقه الشيوعي السابق والكادر الطلابي النشط محمد الحاج حمود بالحزب الوطني الديمقراطي, بعد أن أصبح الأخوة الثلاثة يعملون في إطار الحزب الوطني الديمقراطي, أي, السادة هديب الحاج حمود ومجيد الحاج حمود ومحمد الحاج حمود, بالحزب الوطني الديمقراطي. لا شك في أن لهذا الحزب تاريخ نضالي طويل في العهد الملكي بسبب الشخصيات الوطنية والديمقراطية البارزة التي ساهمت في تشكيل جماعة الأهالي ومن ثم الإصلاح الشعبي في منتصف الثلاثينات, ومن ثم الحزب الوطني الديمقراطي منذ العام 1946. وكانت هناك شخصيات بارزة فيه بدءاً بالأستاذ كامل الجادرجي, رئيس الحزب والأساتذة محمد حديد وحسين الجميل وهديب الحاج حمود ونجيب محي الدين وغيرهم, ممن كان لهم دور كبير في النضال الوطني العراقي وفي سبيل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في العراق. والتأسيس الجديد جاء على يد الأستاذ نصير الجادرجي, ابن كامل الجادرجي, والأستاذ هديب الحاج حمود والأستاذ نجيب محي الدين (نقيب المعلمين السبق) والأساتذة هاشم شبلي ومجيد ومحمد الحاج حمود وغيرهم. ولكن سرعان ما دب الخلاف الذي يحاول أن يوضحه الدكتور عبود في كتابه على عجل. لا شك في أن مثل هذا الحزب يمكن أن يلعب دوراً كبيراً في الحياة السياسية العراقي إذا ما نمت الطبقة الوسطى في العراق والتي هي في حكم الوداع, ولا شك في أن الوضع سيتغير وستنمو هذه الطبقة وتكبر ويزداد وزنها وتأثيرها في الحياة السياسية العراقية. ولا شك في أن هذا الحزب يمكن أن ينمو ويتقدم إن استطاع كسب الشبيبة له, إذ مع أهمية معارف وتجارب وخبرة الكادر القديم, فأن مهمة العمل الحزبي تستوجب حيوية وفكر ودور الشباب. وإذا فشل في ذلك, فلن يكون في مقدوره أن يلعب الدور المنشود, بل سيبقى يلعب دوراً هامشياً ضعيفاً في أحداث العراق. ولا يمكن لأي حزب أن يبقى ويعيش على تراثه النضالي السابق.
في العام 2003 اتصل بي الأستاذ الدكتور منذر الفضل عبر الهاتف من بغداد مستفسراً مني عن أصدقاء اعرفهم يمكن ترشيحهم لمنصب وزيري الزراعة والاقتصاد. وفي حينها أخبرني بان من المجموعة المحيطة ببول بريمر طلبت منه أن يقدم بعض السماء. قدمت له أربعة أسماء في حينها كان من بينهم الدكتور مهدي الحافظ والدكتور عبد الأمير العبود والدكتور فائق عبد الرسول والدكتور جعفر عبد الغني. فشكرني وانتهى الموضوع. كان في حينها يعمل بريمر على تشكيل حكومة تعمل تحت أمرته الكاملة, في حين كانت تدار شكلياً من قبل أحد أعضاء مجلس الحكم الانتقالي حين يكون رئيساً لمجلس الحكم لشهر واحد.
بالتأكيد كان الدكتور العبود مرشح الحزب الوطني الديمقراطية والدكتور مهدي الحافظ مرشح حزب الوسط الديمقراطي الذي كان يرأسه الدكتور عدنان الباججي, وبالتالي جاء تعيينهم في ضوء ذلك, وليس بسب اقتراحي لأسمائهم.
في أول حكومة مؤقتة بعد سقوط النظام عين الدكتور عبد الأمير رحيمة العبود, أستاذ الاقتصاد الدولي والتجارة الخارجية السابق والحقوق, وزيراً للزراعة. وها نحن ندخل الفصل الذي أصبح عنواناً لكتابه, وهو موضوع الحلقة القادمة والأخيرة.
انتهت الحلقة الرابعة وتليها الحلقة الخامسة والأخيرة.
27/6/2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *