الرئيسية » الملف الشهري » العلاقة بين قيادة ثورة الرابع عشر من تموز والقيادة الكوردية من التوافق إلى الصراع

العلاقة بين قيادة ثورة الرابع عشر من تموز والقيادة الكوردية من التوافق إلى الصراع

أولاً : وطنية عبد الكريم قاسم

عندما قامت ثورة الرابع عشر من تموز عام ١٩٥٨ بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم كان في مقدمة القوى التي التفت حول الثورة وقيادتها واحتضنتها وذادت عنها من تآمر القوى البعثية والقومية والعناصر الرجعية المرتبطة بالإمبريالية هي الأحزاب الديمقراطية المتمثلة بالحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي ،والحزب الديمقراطي الكوردستاني ، وكان ذلك الموقف لهذه الأحزاب أمر طبيعي حيث كانت تناضل من أجل عراق ديمقراطي متحرر من أية هيمنة أجنبية ، وضمان الحقوق والحريات العامة ، وحرية التنظيم الحزبي والنقابي والجمعيات ، وحرية الصحافة ، وإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة ، وتشريع دستور دائم للبلاد يضمن كافة حقوق وحريات الشعب بكل فئاته وقومياته ،وتولي حكومة دستورية حكم البلاد تكون مسؤولة أمام البرلمان .

لكن الأحداث التي جرت في البلاد ، والتي تحدثنا عنها سابقاً ،والثورة ما تزال في أيامها الأولي عطلت المسيرة الديمقراطية ، وأدخلت البلاد في دوامة العنف والعنف المضاد، وأدى بالتالي إلى ارتكاب أخطاء جسيمة من جانب السلطة المتمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم والأحزاب الديمقراطية الملتفة حول الثورة ، وتحولت المواقف إلى الاختلاف والصراع الذي اضرّ بكل تأكيد بالغ الضرر بمستقبل العراق والحركة الديمقراطية ، وأدى في نهاية الأمر إلى اغتيال الثورة بعد أن استطاعت قوى الردة البعثية والقومية ، وأذناب الاستعمار من استغلال التدهور الحاصل في العلاقات بين قيادة الثورة والأحزاب الديمقراطية والتي أدت إلى عزل قيادة الثورة المتمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم ، واستطاعت اغتيال الثورة في انقلاب الثامن من شباط ١٩٦٣ المشؤوم، وإغراق القوى الديمقراطية بالدماء في حملة تصفية لم يشهد لها العراق مثيلاً من قبل.

فهل كان هناك مبرراً لوقوع ذلك الصراع بين حلفاء الأمس ؟
ومن كان السبب فيما جرى ؟
وما هي الأخطاء التي ارتكبتها جميع الأطراف ؟

في حقيقة الأمر أن جميع الأطراف كانت قد ارتكبت الأخطاء التي ما كان ينبغي أن تقع فيها ، فالأحزاب الديمقراطية الثلاث كلها تتفق على كون الزعيم عبد الكريم قاسم كان شخصية وطنية صادقة لا شائبة فيها ، حارب الاستعمار، وحقق الحرية والاستقلال الحقيقي لوطنه.

لقد قاد الزعيم الثورة بدعم وإسناد من هذه القوى ، وحقق إنجازات كبيرة في الحقل الوطني وكان في مقدمة تلك الإنجازات :
١ ـ الخروج من حلف بغداد ،وتحرير العراق من الهيمنة الإمبريالية.
٢ ـ الخروج من منطقة الإسترليني وتحرير العملة العراقية.
٣ ـ إصدار قانون الإصلاح الزراعي وتحرير الفلاحين الذين يشكلون ٧٠ % من نفوس العراق وإنقاذهم من طغيان الإقطاع وكان القانون يمثل بحق ثورة اجتماعية كبرى.
٤ ـ إصدار القانون رقم ٨٠ الذي تم بموجبه سحب ٩٩,٥ % من المناطق النفطية من شركات النفط.
٥ ـ إصدار قانون تشكيل شركة النفط الوطنية كي تقوم باستثمار المناطق النفطية المسحوبة من شركات النفط وطنياً.
٦ ـ السماح للأحزاب السياسية بممارسة نشاطها بحرية وإطلاق حرية الصحافة ، وحرية تشكيل المنظمات والنقابات منذ انبثاق الثورة على الرغم من عدم وجود قانون ينظم مسألة تأليف الأحزاب السياسية.
٧ ـ إزالة حزام الفقر حول بغداد ، وتشييد مدينة الثورة ومدينة الشعلة لإسكان مئات الألوف من الفلاحين الهاربين من ظلم الإقطاعيين وسكنوا تلك الصرائف حول بغداد والتي لا تتوفر فيها أي من الشروط التي تليق بالإنسان.
٨ ـ أقامة علاقات اقتصادية وسياسية وفي كافة المجالات الأخرى مع سائر دول العالم على أساس المنافع المشتركة والاحترام المتبادل لسيادة واستقلال العراق.
٩ ـ أقامة جملة من المشاريع الصناعية التي كان يفتقدها العراق في مختلف الفروع ،وامتصاص البطالة التي كانت مستشرية ، وعمل جاهداً على رفع مستوى معيشة الشعب.
١٠ ـ توزيع مئات الألوف من الأراضي السكنية على المواطنين من ذوي الدخل المحدود ، وتقديم القروض لهم لبناء المساكن فيها ، ونشر التعليم في مختلف مناطق العراق من خلال أقامة ألوف المدارس في القرى والأرياف التي كانت محرومة منها.

ولا أريد أن أطيل في تعداد إنجازات الثورة ، لكنني أستطيع أن أقول أن الزمان لو طال بعمر الثورة وقائدها الشهيد عبد الكريم قاسم لحقق الكثير والكثير من الإنجازات التي كان يمكن أن تجعل من العراق أرقى بلد في المنطقة.

فالزعيم كما يتفق الجميع ، وحتى أعدائه لم يحقق أي مصلحة لنفسه أو لعائلته ، لم يبني له قصراً ،ولا حتى داراً متواضعاً ،ولم يتخذ له ديواناً ضخماً ، ولم يتملك شيئا ، ولم يتنقل بمواكب ضخمة من الحراسة والحماية ، فقد كان محبوباً من قبل الشعب ،كما كان حريصاً على أموال الشعب ، وكان إنساناً بسيطاً ومتواضعاً كأي مواطن آخر ، ولقد قُدر لي أن أزوره في مقره بوزارة الدفاع ضمن وفد لنقابة المعلمين في أواخر شهر شباط عام ١٩٥٩ واطلعنا على مقره البسيط وغرفة نومه المتواضعة جداً.

عبد الكريم قاسم لم يكن شوفينياً ، بل على العكس من ذلك كان على علاقة مع العديد من الشخصيات الديمقراطية المعروفة وعلى صلة بالأحزاب الوطنية ذات الخط الديمقراطي ، وقد أبلغ عدد من أولئك القادة الوطنيين بموعد الثورة ، وضم العديد منهم في حكومته.

إذا الطرفان المتمثلان بالسلطة بقيادة عبد الكريم قاسم والأحزاب الديمقراطية الثلاث الوارد ذكرها يمثلان قوى وطنية ، وأن أي تناقض بين هذه القوى يعتبر تناقض ثانوي ، في حين أن القوى القومية التي تخلت عن جبهة الإتحاد الوطني ، وانسحبت من الحكومة ، وتآمرت على ثورة تموز وقيادتها مستخدمة أسلوب العنف لاغتصاب السلطة كانت قد فقدت صفتها الوطنية ، وبذلك أصبح التناقض بينها وبين السلطة والأحزاب الديمقراطية الثلاث يمثل تناقضاً أساسياً.

كان على السلطة المتمثلة بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم ، والأحزاب الديمقراطية الثلاث ( الحزب الديمقراطي الكوردستاني ،والحزب الوطني الديمقراطي ،والحزب الشيوعي ) أن تدرك المخاطر الحقيقية التي تمثلها تلك القوى المتآمرة على الثورة ، والقوى التي تقف وراءها وتدعمها ، والمتمثلة بالولايات المتحدة بريطانيا بالإضافة إلى حكومة عبد الناصر ، فالجميع كانوا في حقيقة الأمر في سفينة واحدة ، والمتمثلة بالثورة ، وأن غرقها سيعني بلا شك غرق الجميع ، وهذا هو الذي حدث بالفعل بعد نجاح انقلاب ٨ شباط الفاشي عام ١٩٦٣ ، حيث لم تسلم أي من هذه القوى من بطش السلطة الانقلابية.

لماذا حدث كل هذا ؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك ؟

وإنصافاً للحقيقة أستطيع القول أن الجميع وبلا استثناء كانوا مسؤولين عما حدث ، واليوم وبعد مضي ٤١ عاماً على حلول تلك الكارثة التي حلت بشعبنا العراقي بعربه وأكراده وسائر مكوناته الأخرى نتيجة ذلك الانقلاب الدموي الفاشي فإن استذكار مسببات ذلك الحدث أمرٌ هام جداً يستحق الدراسة والتمحيص للخروج بالدروس البليغة للحركة الوطنية لكي لا تقع بمثل تلك الأخطاء من جديد.

لقد أخطأت الأحزاب الوطنية في طريقة التعامل مع الزعيم عبد الكريم قاسم ،وتغليب التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي.

وفي الوقت نفسه أخطأ الزعيم عبد الكريم قاسم في تعامله مع هذه القوى الوطنية ظناً منه أن الأخطار تأتيه من جانب هذه القوى وليس من جانب القوى التي مارست ونفذت الحركات التآمرية ضد الثورة وقيادتها فعلياً.

لكن الذي لا يجب إغفاله أن الزعيم عبد الكريم كان فرداً أولاً ، وكان قريب عهد في السياسة ثانياً ، فلم يكن مركزه العسكري يمكنه من مزاولة أي نشاط سياسي ، وعليه فإن احتمالات وقوعه بالخطأ كبيرة شئنا ذلك أم أبنينا.

لكن الأحزاب السياسية التي تقودها لجان مركزية ،ومكاتب سياسية كانت قد تمرست في النشاط السياسي ،وهي تجتمع لتدارس وتمحيص القرارات السياسية قبل اتخاذها ، فإن وقوعها في الخطأ ينبغي أن يكون في أضيق الحدود إن وقع ، مع تحمل المسؤولية عن ذلك ،إذ من المفروض إن تحرص على عدم الوقوع في الخطأ ،ولاسيما حينما يتعلق الخطأ بمستقبل ومصير شعب بأكمله !!.

ولكون الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم كان في قمة السلطة فقد كان بإمكانه أن يفعل الكثير من أجل صيانة الثورة ،والحفاظ على لحمة الصف الوطني واليقظة والحذر من غدر قوى الردة ،لكنه لم يدرك خطورة الموقف ووقع في تلك الأخطاء الخطيرة والتي يمكن أن نلخصها بالتالي :

ثانيا : أخطاء الزعيم عبد الكريم قاسم

١ ـ لقد اخطأ الزعيم عبد الكريم في سياسة ( عفا الله عما سلف) ، وسياسة ( فوق الميول وفوق الاتجاهات) ، وعفا عن الذين تآمروا عليه وعلى الثورة جميعاً ، وأطلق سراحهم في محاولة منه لخلق حالة من التوازن بين القوى الوطنية الداعمة للثورة ،والقوى الساعية لاغتيالها ، وكان ذلك الموقف خطأً قاتلاً يتحمل مسؤوليته الكاملة.

٢ ـ لقد اعتقد عبد الكريم قاسم أن الخطر الحقيقي يأتيه من قوى اليسار ( القوى الديمقراطية ) ، وبوجه خاص من ( الحزب الشيوعي ) الذي وقع في أخطاء كبيرة ما كان له أن يقع فيها ،والتي سأتناولها فيما بعد بحيث أصبحت لدى الزعيم القناعة أن الحزب الشيوعي قد بات قاب قوسين أو أدنى من انتزاع السلطة ، ومما زاد في قناعة الزعيم هذا الموقف الذي وقفته القيادة اليمينية للحزب الوطني الديمقراطي بغياب زعيم الحزب المرحوم كامل الجادرجي ،والتي أدخلت في روعه الخطورة التي بات يمثلها الحزب الشيوعي على سلطته ، فقرر تقليم أظافر الحزب وأضعاف نفوذه الطاغي في الشارع العراقي آنذاك ،وكانت باكورة إجراءاته سحب السلاح من المقاومة الشعبية ، ومن ثم إلغائها ، ولو كانت المقاومة باقية يوم الثامن من شباط لما تسنى للانقلابيين النجاح في انقلابهم. لقد كان رد فعل الزعيم يمثل الرد على الخطأ بخطأ أعظم وأفدح حيث افتقد قوى واسعة ومؤثرة أكبر التأثير في الساحة العراقية وعزل نفسه عن الشعب مما سهل للانقلابيين تنفيذ مؤامرتهم الدنيئة في الثامن من شباط ١٩٦٣ .

٣ ـ لقد اخطأ الزعيم في أسلوب التعامل مع القيادة الكوردية المتمثلة بالزعيم مصطفى البارزاني ، على الرغم من أنه لم يكن يحمل أي أفكار شوفينية تجاه القومية الكوردية ، وأن استقباله للسيد البارزاني ورفاقه العائدين من الاتحاد السوفيتي وتكريمهم ، والتأكيد على الحقوق القومية للشعب الكوردي في الدستور المؤقت يؤكد هذا الموقف لدى الزعيم في حين أن القوى القومية التي نفذت انقلاب شباط كانت غارقة في شوفينيتها وكراهيتها للشعب الكوردي بحيث لم تصبر على المباشرة بقمع الحركة الكوردية سوى أقل من ثلاثة أشهر،منزلة الخراب والدمار بكردستان بشكل وحشي يندى له جبين الإنسانية ، وسأتناول ذلك فيما بعد.

٤ ـ لقد اخطأ عبد الكريم قاسم في تقييمه لمسألة الصراع مع القوى المضادة للثورة ،الذي أججته قرارات الثورة، وخاصة فيما يخص قانون الإصلاح الزراعي ، الذي أحدث ثورة اجتماعية حقيقية ، سلبت السلطة من الإقطاعيين دعائم الإمبريالية. ولذلك فقد بدأ الرجعيون والإقطاعيون ، وكل المتضررين من ثورة تموز بتجميع صفوفهم وبعث نشاطهم من جديد ، على أثر الموقف الذي أتخذه عبد الكريم قاسم من الشيوعيين والقوى القومية الكوردية. لقد استغلت الرجعية تلك الظروف من أجل تنفيذ هجمتها الشرسة ضد القوى الديمقراطية سند الثورة وحاميها ، وإضعاف السلطة ، وعزلها عن الشعب.

٥ ـ لقد أخطأ عبد الكريم قاسم في تقييمه لخطورة الصراع مع شركات النفط ، من أجل انتزاع حقوق العراق في ثروته النفطية ، والحفاظ على استقلاله الوطني ، وإصداره القانون رقم ٨٠ لسنة ١٩٦١ ، والذي أنتزع بموجبه ٩٩,٩ % من مناطق امتياز تلك الشركات من سيطرة شركات النفط الاحتكارية، والعمل على استغلالها وطنياً. لقد كان الصراع على أشده مع شركات النفط ، وتبادل الطرفان التهديدات ، وكان آخر كلمة لوفد شركات النفط هي التحدي ، وكان الوفد يعني ما يقول ، فكانت مؤامرتهم الدنيئة على ثورة ١٤ تموز وقيادتها ، والأمر المؤسف حقاً هو أن عبد الكريم قاسم لم يأخذ الحيطة والحذر من أحابيل ومؤامرات شركات النفط ، حرصاً على مصالحها ، حتى ولو أدى ذلك إلى إغراق العراق بالدماء. لقد كان على عبد الكريم قاسم إن يدخل في صراعه مع شركات النفط محصناً بجبهة شعبية قوية قوامها هذه الأحزاب الوطنية والديمقراطية تقف إلى جانبه وتدعم موقفه لا أن يدخل في صراع معها غير مبرر إطلاقاً فتستغل الإمبريالية موقفه الضعيف لتنفذ موآمرتها الدنيئة بنجاح في الثامن من شباط ١٩٦٣ .

٦ ـ لقد اخطأ الزعيم عبد الكريم قاسم بلجوئه إلى القوة العسكرية لحل التناقض مع قيادة الحركة الكوردية ، مما سبب إضعافاً خطيراً للسلطة ، وشق جبهة الاتحاد الوطني ، ودفع الحزب الديمقراطي الكردستاني للتعاون مع انقلابيي ٨ شباط. وفي بداية عام ١٩٦٣ ، عندما كانت الحرب تدور في كردستان ،كنت آنذاك في مدينة السليمانية ،إحدى أكبر مدن كردستان ،أتابع مجريات تلك الحرب ، وأتحسر على ما آلت إليه الأمور في بلادي ،حيث يقتل الوطنيون بعضهم بعضاً ، على الرغم من قيام الحزب الشيوعي بحملة واسعة شملت كافة أنحاء العراق مطالباً بالسلم في كردستان ،والديمقراطية للعراق، وأدى موقفه هذا لتعرض رفاقه إلى حملة اعتقالات ومحاكمات للعديد منهم حيث حكم عليهم بالسجن لسنوات ، ولقد كان لي شرف المشاركة في تلك الحملة وتعرضت نتيجة ذلك للاعتقال من قبل قوات الجيش في السليمانية ،وتعرضت لتعذيب وحشي على أيدي أولئك الضباط الشوفينيين المجرمين بقيادة الجلاد الزعيم ( صديق مصطفى ) وآمر الانضباط العسكري المجرم ( رشيد علوان المهداوي ) الذين كان لهم دور فاعل في انقلاب ٨ شباط ١٩٦٣ . وهكذا أصبح النظام منعزلاً وجهاً لوجه أمام مؤامرات الإمبريالية وعملائها ، وبذلك يتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية في إيصال الأمور مع القيادة الكردية إلى مرحلة الصراع المسلح.

٧ ـ اعتماد عبد الكريم قاسم على جهاز أمن النظام الملكي السابق ، الذي لم يجر عليه أي تغيير، سوى إحالة ٤٥ من ضباط الأمن على التقاعد ، ومعلوم أن ذلك الجهاز الذي أنشأته ، ورعته الإمبريالية وعملائها الحاكمون في بغداد آنذاك ، لم يكن يدين بالولاء ، لا للثورة ، ولا لزعيمها عبد الكريم قاسم ، وكان لها دور كبير في إخفاء نشاطات القوى الرجعية ، والحركات التآمرية عن السلطة ، وحماية المتآمرين. ومما يؤكد هذا ، الحديث الذي جرى مع مدير الأمن العام ( مجيد عبد الجليل ) الذي جيء به إلى دار الإذاعة ، التي اتخذها الانقلابيون مقراً لهم ، وقام علي صالح السعدي ، أمين سر حزب البعث ، بالبصق في وجهه ،فما كان من مدير الأمن العام إلا أن قال له : { لماذا تبصق في وجهي ؟ فلولاي لما نجح الانقلاب } ، وهذا خير دليل على عدم أمانة ذلك الجهاز الذي أعتمد عليه عبد الكريم قاسم. ولم يكن جهاز الاستخبارات العسكرية بأحسن حال من جهاز الأمن ، والذي أنيط به حماية الثورة من المتآمرين ، وتبين فيما بعد أن ذلك الجهاز كان ملغماً بالعناصر المعادية للثورة ،وكان على رأسهم ،رئيس الجهاز ( محسن الرفيعي ) ، ومن قبله ( رفعت الحاج سري ) الذي ثبت للمحكمة اشتراكه في الحركة الانقلابية للشواف ، وحكم عليه بالإعدام ، ونفذ الحكم فيه. كما أن موقف رئيس أركان الجيش ، والحاكم العسكري العام ( أحمد صالح العبدي ) المتخاذل دل على مساومة الانقلابيين ، والسكوت عن تحركاتهم ، فلم ينل منهم أذى ، وأطلق سراحه بعد أيام قلائل ، فيما جرى إعدام كل المخلصين لثورة تموز وقيادتها.

٨ ـ إطالة فترة الانتقال وإجراء الانتخابات وتشريع الدستور الدائم للبلاد :
كانت إطالة الفترة الانتقالية والتأخر في إجراء الانتخابات العامة وتشريع دستور دائم للبلاد ، والتي استغرقت ٤ سنوات ، أحد العوامل الرئيسية في نشوب الخلافات بين القوى الوطنية والسلطة المتمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم ، وتحول الخلافات نحو الصراع بين الأطراف الوطنية والسلطة.

لم يكن هناك مبرر لإطالة فترة الانتقال طيلة هذه المدة ، وكان بالإمكان اختزالها لمدة أقصاها سنتين ، والتوجه نحو إجراء انتخاب مجلس تأسيسي يأخذ على عاتقه تشريع دستور دائم للبلاد وعرضه على الشعب في استفتاء عام ، ليتم بعد ذلك قيام حكومة ديمقراطية تمثل إرادة الشعب.

ولم يكن هناك ما يخيف الزعيم عبد الكريم قاسم على موقعه كقائد لثورة ١٤ تموز حيث كان يتمتع بشعبية كبرى لم يتمتع بمثلها أي زعيم عراقي أو عربي من قبل ، وأنا على يقين أن الزعيم عبد الكريم قاسم لو شاء أن يشكل له حزباً سياسياً آنذاك ،ويشارك في الانتخابات فإن حزبه كان سيفوز على جميع الأحزاب ، ولست أنا من يقول ذلك فقط ، بل أن الحزب الشيوعي الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة في البلاد أعترف في أدبياته ونشراته الداخلية في رده على الأفكار والدعوات التي ظهرت في صفوف الحزب داعية إلى استلام السلطة أن هذه الشعبية التي نشهدها في الشارع العراقي هي شعبية الزعيم عبد الكريم قاسم الذي كان يمجده الشعب.

لكن الزعيم عبد الكريم شاء أن يختار لنفسه أن يكون ( فوق الميول وفوق الاتجاهات ) !!، ( وسياسة عفا الله عما سلف ) وأطلق سراح المتآمرين المحكومين بالإعدام والذين أطلقوا عليه الرصاص في رأس القرية ، وفي الوقت نفسه أصدر أمره بتنفيذ حكم الإعدام بحق الشهيد الشيوعي ( منذر ابو العيس ) ، وحاول أن يخلق نوعاً من التوازن بين حماة الثورة والمدافعين عنها ،والحريصين على صيانتها ، وبين الذين تآمروا عليها وحاولوا مراراً وتكراراً إسقاطها والوثوب على الحكم ، وهذه هي إحدى أخطائه الجسيمة التي أوصلته إلى تلك النهاية المحزنة ،وأوصلت الشعب العراقي إلى الكارثة.

تدهور العلاقة بين السلطة والقيادة الكوردية واللجوء إلى السلاح :

كانت ثالثة الأثافي في تدهور الأوضاع السياسية في البلاد ، وانقسام القوى الوطنية، حدوث الخلافات العميقة بين السلطة وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني ، ولجوء الطرفين إلى الصراع المسلح ، واستخدام السلطة للجيش في حسم ذلك الصراع. ولم تجد ِ نفعاً كل النداءات التي وجهها الحزب الشيوعي لكلا الطرفين لإيقاف القتال ، واللجوء إلى الحوار ، وباءت تلك الجهود بالفشل ، واستمرت الحرب بين الطرفين حتى وقوع انقلاب ٨ شباط ١٩٦٣ .

بدأت العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والسلطة بالتدهور عام ١٩٦١ ، عندما هاجمت صحيفة الحزب ( خه بات ) أسلوب السلطة في إدارة شؤون البلاد ، وطالبت بإلغاء الأحكام العرفية ، وإنهاء فترة الانتقال ، وإجراء انتخابات عامة حرة ، وسن دستور دائم للبلاد ، وإطلاق سراح السجناء السياسيين الأكراد ، واحترام الحياة الحزبية ، وحرية الصحافة.

كان الرد من قِبل عبد الكريم قاسم أن أمر بغلق مقر الحزب في بغداد ، وغلق صحيفة الحزب ومطاردة قادته ، واعتقال البعض منهم في آذار ١٩٦١ ، واستمرت العلاقة بين الطرفين بالتدهور حتى بلغت مداها في شهر تموز من ذلك العام.

وفي ٣٠ تموز ١٩٦١ ، قدم المكتب السياسي للحزب مذكرة إلى الزعيم عبد الكريم قاسم تضمنت المطالب التالية :
١ ـ تطبيق المادة الثالثة من الدستور المؤقت والمتعلقة بحقوق الشعب الكردي
٢ ـ سحب القوات العسكرية المرسلة إلى كردستان
٣ ـ سحب المسؤولين عن شؤون الأمن والشرطة والإدارة ، الذين كان لهم دور بارز في الحوادث التي وقعت في كردستان
٤ ـ إعادة الموظفين الأكراد المبعدين إلى كردستان
٥ ـ إطلاق الحريات الديمقراطية ، وإلغاء الأحكام العرفية.
٦ ـ إنهاء فترة الانتقال ،وانتخاب مجلس تأسيسي،وسن دستور دائم للبلاد
٧ ـ تطهير جهاز الدولة من العناصر المعادية لثورة ١٤ تموز.

لكن عبد الكريم قاسم تجاهل المذكرة ، واستمر في حشد قواته العسكرية في المناطق المحاذية لإيران ، حيث كانت قد اندلعت حركة تمرد قام بها إثنان من كبار الإقطاعيين هما كل من ( رشيد لولان ) و( عباس مامند) بدعم وإسناد من النظام الإيراني ، والسفارة الأمريكية في طهران ، وقد أستهدف رشيد لولان ، وعباس مامند ، إلغاء قانون الإصلاح الزراعي ، فيما استهدفت الإمبريالية الأمريكية ، وعميلها (شاه إيران ) زعزعة النظام الجديد في العراق ، وإسقاطه.

أما الحزب الديمقراطي الكردستاني فقد استهل صراعه مع السلطة بإعلان الإضراب العام في منطقة كردستان في ٤ أيلول ١٩٦١ ، حيث توقفت كافة الأعمال ،و أصاب المنطقة شلل تام ، وقام المسلحون البيشمركة باحتلال مناطق واسعة من كردستان ، حاملين السلاح بوجه السلطة ، دون أن يقدروا دوافع تلك الحركة ، والقائمين بها ، والمحرضين عليها ، ومموليها ، مغلّبين التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي مع الإمبريالية وأذنابها سواء كانوا عرباً كما هي الحال مع حزب البعث وحلفائه القوميين ، أو كانوا من الكورد، كما هو الحال مع تمرد الأقطاعيين رشيد لولان وعباس مامند. كما أن عبد الكريم قاسم فضل هو الآخر اللجوء إلى استخدام القوة ، ورفض الحوار وحل المشاكل مع القيادة الكردية ، وإيجاد الحلول الصائبة لل قضية الكوردية حسب ما نصت عليه المادة الثالثة من الدستور المؤقت.

ظن الزعيم عبد الكريم قاسم أن اللجوء إلى السلاح سينهي الأزمة خلال أيام ، ويصفي كل معارضة لسياسته في البلاد ، لكن حساباته كانت خاطئة ، وبعيدة جداً عن واقع الحال ، وكانت تلك الحرب في كردستان أحد أهم العوامل التي أدت إلى اغتيال ثورة ١٤ تموز يوم الثامن من شباط ١٩٦٣.

لقد رد الزعيم عبد الكريم قاسم بدفع المزيد من قطعات الجيش في ٩ أيلول ، لضرب الحركة الكردية مستخدمأً كافة الأسلحة ، والطائرات ، وهكذا امتدت المعارك وتوسعت لتشمل كافة أرجاء كردستان ، واستمرت المعارك حتى وقوع انقلاب ٨ شباط ١٩٦٣ . لقد وقع قادة الحركة الكردية في خطأ جسيم آخر ، عندما وضعوا أيديهم بأيدي أولئك الفاشيين ضد السلطة الوطنية بقيادة عبد الكريم قاسم ، ظناً منهم أن بالإمكان حصول الشعب الكردي على حقوقه القومية على أيدي أولئك الانقلابيين الفاشيين المتعصبين. لقد كان موقفهم هذا ، أقل ما يقال عنه ،أنه ينم عن جهل بطبيعة حزب البعث ، والقوى القومية المتعصبة المتحالفة معه ، الذين لم يكّنوا يوماً المحبة للشعب الكردي ، ورفضوا حتى إشراك الحزب الديمقراطي في جبهة الاتحاد الوطني عام ١٩٥٧. وهكذا فلم تمض ِسوى ثلاثة أشهر على انقلاب ٨ شباط ، حتى بادر الانقلابيون في ١ أيار ١٩٦٣ إلى شن حملة شعواء على الشعب الكردي ، لم يشهد لها مثيلاً من قبل ، منزلين فيه الويلات ، والمآسي ، و ألوف القتلى ، وتهد يم القرى ، وتهجير الشعب الكرد.

لقد تمزقت الوحدة الوطنية ، وتحولت الجبهة الوطنية إلى الصراع المرير بين أطرافها ، ومع السلطة ، جراء الأخطاء القاتلة لكافة الأحزاب السياسية والسلطة على حد سواء ، فقد كان لكل طرف حصة ونصيب في تلك الأخطاء التي أدت إلى التمزق والصراع ، وضياع الثورة ، وتصفية كل مكاسب الشعب ، وإغراق البلاد بالدماء.

ولاشك أن عبد الكريم قاسم يتحمل القسط الأكبر من مسؤولية تلك الأخطاء ، لأنه كان على قمة السلطة ، وكان بإمكانه أن يفعل الكثير من أجل إعادة اللحمة للصف الوطني ، ومعالجة المشاكل ، والتناقضات التي نشأت ، والتي يمكن أن تنشأ مستقبلاً ، بروح من الود والتفاهم ، والمصلحة العامة لشعبنا ووطننا ، والتحلي بإنكار الذات ، وتغليب مصلحة الوطن على كل المصالح.

كان بإمكانه أن يعمل على إنهاء فترة الانتقال ، ويجري انتخاب المجلس التأسيسي، وسن الدستور الدائم للبلاد ، وإرساء الحكم على أسس ديمقراطية صلبة ، ولو فعل ذلك لتجنّب ، وجنّب الشعب العراقي كل تلك الويلات ، والمصائب ، والمصير المظلم الذي حلّ بالبلاد على أيدي انقلابيي ٨ شباط ١٩٦٣.

http://www.geocities.com/bahoz_k/bizavakurdi_4.html

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *