الرئيسية » الملف الشهري » الوحدة الوطنية العراقية والزعيم عبد الكريم قاسم

الوحدة الوطنية العراقية والزعيم عبد الكريم قاسم

لا يوجد على سطح الارض بلد واحد يتكون شعبة من قومية واحده او عرق واحد او ديانة واحدة او مذهب واحد، هذه حقيقة منذ اقدم العصور معروفة وملموسة فكيف بنا الان والكرة الارضية اصبحت قرية صغيرة بفضل ثورة الاتصالات والمعلومات التي اجتاحت العالم فظاهرة الهجرة للناس من دولة الى اخرى او بالاحرى من الدول الفقيرة او التي تعاني من مشاكل سياسية الى دول أكثر رخاء واستقرار صبحت سمة من سمات العالم الحديث، ومع ذلك نرى ان الجميع يعمل لمصلحة البلد وكل جهودهم تصب في ذلك رغم تعدد قومياتهم واديانهم والدول التي هاجروا منها .
قامت ثورة 14 تموز 1958 والعراق خاص والدول التي ترزح تحت ظل الاستعمار البريطاني المقيت عامة خلقت لها مشاكل كبيرة كانت القومية والديانه والمذهبية احجارهاالرئيسة، فبعد ان فشل الاستعمار في تفريق الشعب العراقي كسنة وشيعة وخاصة بعد ثورة العشرين لجأ الى الخيار القومي وكانت احداث الاثوريين واحداث الاكراد في الشمال وكان يوم الثورة المباركة والقيادات الكردية والكثير من الاخوان الاكراد منفيين في مختلف جمهوريات الاتحاد السوفيتي.
قادة الثورة ومع رأسهم الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم هم ابناء بررة من الشعب العراقي العظيم لم تغب عن عيونهم المشاكل التي خلقها الاستعمار للعراق وعلى راسها الوحدة الوطنية فقد تضمن البيان الاول للثورة الفقرة التالية (لقد اقسمنا ان نبذل دماءنا وكل عزيز علينا في سبيلكم فكونوا على ثقة واطمئنان باننا سنواصل العمل من اجلكم وان الحكم يجب ان يعهد الى حكومة تنبثق من الشعب وتعمل بوحي منه وهذا لايتم الا بتأليف جمهورية شعبية تتمسك بالوحدة العراقية الكاملة وتربط برباط الاخوة مع الدول العربية و الاسلامية) الوحدة العراقية الكاملة هي عبارة مقدسة في معتقد الزعيم عبد الكريم قاسم فهي تشتمل وحدة الاراضي التاريخية الكاملة ووحدة الشعب العراقي بجميع قومياته ومذاهبه، فكل عراقي له الحق بالاعتزاز يقوميته وبالتالي لغته ولباسه القومي وله الحق بالاعتزاز بديانته وحرية ممارسة طقوسها على ان يحترم قومية وديانة الاخرين، على هذا الاساس بنيت فلسفة ثورة 14 تموز الخالده وقد ترجمها الزعيم عبد الكريم قاسم الى افعال ملموسة في انجازاته الثورية وهنا لابد لنا من ذكر الوقائع التاليه:-
1- (تحيا الوحدة الوطنية الصادقة) هو الهدف الثاني من حيث التسلسل في اهداف ثورة 14 تموز 1958 والهدف الاول هو (تحيا الجمهورية العراقية الخالدة).
2- الاختيار الذكي لمكونات شعار الجمهورية العراقية الذي اعتمد بعد قيام ثورة 14 تموز فاحدى اهم مكونات هذا الشعار هو السيف العراقي الذي يرمز للقومية العربية والخنجر الكردي الذي يرمز للقومية الكردية وهاتان القوميتان هما القوميتان الرئيستان في الجمهورية العراقية ووجود السيف العربي والخنجر الكردي في شعار الجمهورية هو رمز زكي وخالد للوحدة الوطنية العراقية والتي تشمل جميع القوميات واطياف الشعب العراقي ممثلة بهاتين القوميتين.
3- ومما يركز الاعتقاد ان الوحدة الوطنية العراقية هي ستراتيجية اساسية لسياسة ثورة 14 تموز 1958 وليست كلمات للتشدق هو ظهور السيف العربي والخنجر الكردي في رمز الثورة وهما يحتضنان حرف (ج) والذي يرمز للجيش العراقي بما معناه ان الشعب العراقي بكل قومياته واطيافه ممثل بالعرب والاكراد يحتضنون الجيش العراقي الذي هو جزء من هذا الشعب وقد عبر الزعيم عبد الكريم قاسم عن هذا في حفل افتتاح نصب الجندي المجهول (14 تموز 1959) الذي ازاله نظام البعث ظلماً وعدواناً، ومما قاله في هذا الخطاب مايأتي:-
(ان هذا النصب هو للجندي المجهول بصفته ابن الجيش، وبصفته احد افراد هذا الشعب، فهذا النصب يمثل جميع طبقات الشعب، هذا النصب يمثل الجنود والمخلصين والعاملين في سبيل الله والوطن من اجل الوطن).
4- سمح الزعيم عبد الكريم قاسم للقيادات الكردية وعلى رأسها الملا مصطفى البارزاني بالعودة للعراق من الاتحاد السوفيتي بتاريخ 5 تشرين الاول 1958 وتم تخصيص رواتب سخية لجميع الاشخاص الذين عادوا معه على امل ان يأخذ كل منهم دوره في بناء الجمهورية العراقية الفتية، كل هذا وغيره كان نابعاً من قناعة الزعيم عبد الكريم قاسم بأن الاكراد وباقي القوميات والملل الاخرى هم جزء لايتجزأ من الشعب العراقي وهم عراقيون وطنيون ومخلصون لهذا الوطن وهنالك الكثير من الشخصيات العراقية الكبيرة هم من الاكراد وقد اثبتوا اخلاصاً وجدارة في مناصبهم سواء العسكرية منها ام المدنية كما اثبتوا الشجاعة النادرة في ادائهم لواجباتهم، و كان الزعيم عبد الكريم قاسم يتغنى بشجاعة واخلاص الاكراد على مدى التاريخ ففي خطابه في افتتاح المؤتمر الثالث لنقابة المعلمين في الجمهورية العراقية والمنعقد بتاريخ 20 شباط 1961 قال سيادته ( انني اوضح لكم ايتها الاخوات وايها الاخوان سبب تسمية الاكراد بهذا الاسم .. ان هذا الاسم متأت من القاب الشجاعة التي كانت تضفى على ملوك اشور والبابليين كسنحاريب وسرجون وغيرهم فالمحارب او المحارب الشجاع كان يضفي عليه لقب (كوردو) ولما جاء الاسلام اندمج هؤلاء مع جيش المسلمين وذهبوا في الفتوحات الاسلامية، ان هؤلاء من السكان القدامى في العراق فمن يريد تفرقة الصفوف فهو ليس من سكان العراق) هذه الكلمات كانت خير معبر عن الرؤيا الصادقة للوحدة الوطنية العراقية، ومن جهة اخرى فأني لم ارى الدموع في عيني الزعيم عبد الكريم قاسم غير مرة واحدة وهي عند تشييع جثمان العضو الكردي في مجلس السيادة في الجمهورية العراقية المرحوم خالد النقشبندي وكان ذلك بتاريخ 28 تشرين الثاني 1961.
5- ان احدى فضائل الزعيم عبد الكريم قاسم والتي يذكرها كل العراقيون هو انه ادى دوره الوطني في قيادة عراق 14 تموز ورحل لدار الخلود ولا احد يعرف هل انه سني او شيعي، وحتى اسمة فقد كان بمنتهى التوازن الذي لا يمكن ان يستدل منه هل انه سني او شيعي فقد كان عادلاً في تعامله مع الجميع العراقيين بعيداً كل البعد عن الطائفية، فقد فتح جميع الوظائف في الدولة للتعيين بها بكل مساواة امام جميع العراقيين بدون أي حصص او مفاضلات وكذلك الانضمام الى الكلية العسكرية وكلية الطيران وبقية الكليات والمعاهد العالية بعد ان كان النظام الملكي السابق يضع الكثير من القيود في هذه الامور، مما سمح للكثيرين من الاخوان الشيعة بالانضمام للكلية العسكرية والانخراط في البعثات العلمية خارج العراق بعد ان كانوا محرومين منها.
6- لم يكن الزعيم عبد الكريم قاسم مع اقل من هذا المستوى الرفيع والسامي بالتعامل مع العراقيين من ابناء الاديان الاخرى فقد كانت نظرته لغير المسلمين لا تختلف عن نظرته للعراقيين من المسلمين وقد اثبتت الاحداث ان هذه المواقف لم تكن باناً للدعاية او المراءاة، وهنا لابد لي من ذكر حادثتين مهمتين بهذا الخصوص:-
1- عين الزعيم عبد الكريم قاسم الاستاذ نجيب الصائغ (عراقي مسيحي) بمنصب سفير العراق في بيروت، وهذه الحادثة تدل على مدى مجامله الزعيم للجمهورية اللبنانية التي يرأسها رئيس جمهورية مسيحي.
2- لم يكن قبل ثورة 14 تموز 1958 شيء اسمه جامعة بغداد بل كانت هناك كليات بمختلف الاختصاصات متناثرة هنا وهناك، وبعد قيام الثورة قرر الزعيم عبد الكريم تأسيس جامعة بغداد تضم مختلف الاختصاصات ومعاهد البحوث والدراسات لكي تتولى مسيرة التقدم العلمي والحضاري في جمهورية 14 تموز الفتية، ولكي تأخذ هذه الجامعة الجديدة مكانتها العلمية في العالم وتعيد الى الاذهان تاريخ بغداد العلمي العتيد فلا بد لها من شخصية علمية عراقية فذة، رشح الزعيم عبد الكريم قاسم الدكتور عبد الجبار عبد الله رئيساً لجامعة بغداد، والدكتور عبد الجبار عبد الله هو عراقي من طائفة الصابئة المندائيين وهو من اشهر علماء الفيزياء النووية في العالم وترأسه لجامعة بغداد الفتية يكسبها مكانه علمية مرموقة وسمعة عالمية كبيرة، وهو وما تكون بأسس الحاجة له. ولم يبال الزعيم كون الدكتور عبد الجبار عبد الله غير مسلم وما الى ذلك من الامور فهو عراقي مخلص وهو المهم، عرض الزعيم عبد الكريم هذا الاسم على مجلس الوزراء للمصادقة عليه حسب الاصول المرعية، ولكن الذي حصل ان عدداً من وزراء وبمساندة رئيس مجلس السياده الفريق نجيب الربيعي ولاسباب طائفية وعنصرية محضة رفعوا اسم الدكتور عبد العزيز الدوري كمرشح لهذا المنصب، حاول الزعيم اقناع المجلس بمزايا الدكتور عبد الجبار عبد الله والفوائد التي ستترتب على اشغاله هذا المنصب وبنفس الوقت اوضح لهم بعض الشبهات التي تلازم شخصية المرشح الثاني وارتباطاته وغير ذلك. جاهد الزعيم على البقاء على موقفه هذا اكثر من شهرين وبالنتيجة وافق مجلس الوزراء على تولي الدكتور عبد الجبار عبد الله منصب رئيس جامعة بغداد .
من هنا نستدل على مدى سمو اخلاق الزعيم عبد الكريم وايمانه وقناعته الكبيرة بالعراقيين جميعاً دون ادنى تمييز او تفرقة.
ومن الحوادث التي نذكرها، قصة الدكتور داود كباي وهو من اشهر اطباء بغداد ففي عام 1961 داهم رجال الامن منزله في بغداد للتفتيش بحجة كونه جاسوساً يعمل لحساب اسرائيل وبعد تفتيش داره صادروا منه مبلغ واحد وعشرين الف دينار واودع التوقيف لبضعة ايام ثم اخرج بكفالة، فما كان من الدكتور داود كباي الا ان قصد مقر رئيس الوزراء الزعيم عبد الكريم قاسم في وزارة الدفاع، لقد كان هذا المبنى المهم يخلو من مظاهر للحراسة المشددة التي تمنع الناس من التقرب منها كما كان الزعيم عبد الكريم قاسم يتجول في شوارع بغداد ولم يكن بمعيته سوى سائقه واحد المرافقين، والدكتور كباي هو زميل الزعيم عبد الكريم قاسم في الاعدادية المركزية، حيث كانا طالبين فيها.
وعندما لاحت سيارة الزعيم عبد الكريم وبدأت الاستعداد لدخول وزارة الدفاع برز الدكتور داود كباي من بين الحشود التي اصطفت لتحيه الزعيم واوقف السيارة حيث عرفه الزعيم فوراً، اركبه معه في السيارة ودخلا معاً مقر الزعيم. استذكر الاثنان ايام الدراسة بعد ان امر له الزعيم بكوب من القهوة، ثم سأله ان كان بحاجة الى أي مساعدة، عندها قص الدكتور كباي على الزعيم قصته مع مداهمة رجال الامن العام والمبلغ الذي اخذه منه، كان الدكتور كباي قد سجل كل هذا على ورقة عريضة قدمها للزعيم ، اخذها منه الزعيم وبعد ان قرأها همش عليها (يعاد المبلغ للدكتور كباي فأنا اعرفه ولايمكن ان يتجسس على الدولة) وفوراً استدعى الزعيم مرافقه المرحوم وصفي طاهر وطلب منه متابعة الموضوع شخصياً مع الجهات المسؤولة.
لقد كانت الوحدة الوطنية العراقية الصادقة محور الكثير من خطب الزعيم عبد الكريم قاسم يحاول من خلالها تعزيز الاخوة والمساواة بين جميع فئات ابناء الشعب، مما قاله في خطبه اورد لكم بعض الفقرات منها:-
(ان هؤلاء الخونة ارادوا ان يتخلصوا مني ليبقى الشعب بدون قيادة ويتفرق شذر مذر انني او صيكم بعدم الفرقة وأن تكونوا قوة واحدة فان الاستعمار مازال يعمل في الظلام ان الاستعمار مازال يعمل للقضاء على هذه الجمهورية).
من خطاب الزعيم عبد الكريم قاسم يوم 7/10/1959 من مستشفى السلام بعد محاولة اغتياله.
(اننا نعتز بامتنا ووطننا واننا نعتز بوحدتنا العراقية الصادقة فشعب العراق يتكون من القوميات المتآخية، القومية العربية والقومية الكردية والتركمانية والقوميات الاخرى المتآخية المحتابة في هذا الوطن)
من خطاب الزعيم عبد الكريم قاسم في المؤتمر العالمي السادس للطلبة في 8 تشرين اول 1960
(انني اوصي ابناء شعبي ووطني اوصيهم بعدم التفرقة وليكونوا يداً واحدة ولاتنطلي عليهم احابيل الطامعين والمستعمرين ومفرقي الصفوف، أريد منهم ان يكونوا يداً واحدة ليفوتوا الفرصة على الاجنبي والطامع للتغلغل في صفوفهم)
من خطاب الزعيم عبد الكريم قاسم في الاحتفال بحفر قناة الجيش 10 تشرين الاول 1960
من هذه الاقوال الخالدة ومن هذه الروح السامية التي وان خسرها مادياً جميع العراقيين مبكراً فهي مازالت ترفرف عالياً في سماء هذا العراق العظيم الخالد تحث ابناءه الابرار على توحيد صفوفهم لكي يخدموا تربة هذا الوطن، والحق يقال ان دروس هذا الزعيم العظيم اضافت الى السفر الخالد للعراقيين من وطنية ونكران ذات وتلاحم الكثير الكثير فالشعب العراقي العظيم يقف اليوم وقفته الخالده لنصرة قيمه العليا ومثله الخالدة وهو في هذه الحال المأساوية يعطي العبر والدروس للعالم كله، فلا يوجد في العالم كله وعلى مدى التاريخ تجربة تماثل تجربة العراق خلال السنة الماضية، الوطن مباح والحدود مفتوحة وعصابات الاشرار الممولة من خارج الحدود تعيث في الارض فساداً . فلا يوجد جيش وطني وتوجد حكومة بالمعنى العملي ولا توجد أي اثر لقوة امنية في العراق اليوم ومنذ سنة والعراقيون يعيشون تحميهم اخلاقهم وقيمهم الوطنية الراسخة رسوخ جبال شمالنا العزيز في ارض الرافدين العريقة.
لتقر عينا الزعيم عبد الكريم قاسم بأبناء الشعب العراقي ولترفرف روحه السامية عالية في سماء هذا الوطن العظيم حارسة له من كيد الاعداء.
المدى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *