الرئيسية » الملف الشهري » التآخي العربي الكردي حجر الأساس الصلب لعراق ديمقراطي متحرر

التآخي العربي الكردي حجر الأساس الصلب لعراق ديمقراطي متحرر

2 نيسان 2004
يخوض شعبنا العراقي منذُ سقوط نظام الطاغية صدام حسين في التاسع من نيسان 2003 وحتى يومنا هذا مخاضاً صعباً سيتقرر على نتائجه مستقبل العراق لأجيال قادمة
فلقد انزاح ذلك الكابوس الذي هيمن على شعبنا خلال أربعة عقود من الزمن ،والذي قمع سائر الحقوق والحريات العامة ،ونكل أبشع تنكيل بكل القوى المعارضة لذلك الحكم البغيض مهما كان شكلها وطبيعتها وأهدافها ، وانطلق شعبنا في رحاب الحرية التي افتقدها طيلة تلك السنين العجاف وباشرت قواه السياسية بمختلف توجهاتها بتنظيم صفوفها وتجميع قواها واستقطاب أبناء شعبنا إلى صفوفها بعد زوال الخوف من طغيان وبطش السلطة الصدامية المدحورة .
وكان في مقدمة تلك القوى الأحزاب العريقة التي خاضت نضالها عبر تلك المرحلة المظلمة من تاريخ العراق حزب الدعوة الإسلامية ، والحزب الشيوعي ، والمجلس الأعلى والحزب الوطني الديمقراطي والحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني ، وظهر إلى جانبها العديد من الأحزاب الأخرى ،منها ما كان موجوداً من قبل ، ومنها من تشكل بعد سقوط نظام الطاغية ولكل منها أجندتها وتوجهاتها .
وهذا الطيف الحزبي الذي نشاهده اليوم على الساحة العراقية ليس غريباً البتة ،بل هو يمثل ظاهرة صحية شرط أن تسود بين هذه الأحزاب والتجمعات السياسية روح التسامح والنقاش الهادف والبناء ،والأيمان بالديمقراطية ،في النظرية والتطبيق ،والقبول بالرأي الآخر واحترامه ، فإذا ما تحققت هذه الشروط يصبح الوصول إلى القواسم المشتركة بين هذه الأحزاب، والتي ستصب حتماً في مصلحة الشعب العراقي ،والنجاح في بناء أسس النظام الديمقراطي التعددي المنشود .
إن القواسم المشتركة التي يطمح شعبنا بتحقيقها تتلخص بالتالي :
أولاً ـ العمل الجدي والحازم على تحقيق الأمن والسلام في ربوع البلاد ومكافحة العصابات التي تمارس أبشع الأعمال الإجرامية بحق شعبنا وتخريب الممتلكات العامة والخاصة ، ولن يتسنى لنا تحقيق ذلك من دون تعاون وتآزر سائر القوى الوطنية ،وتسخير كل إمكانياتها لتحقيق هذا الهدف الذي بدونه لن نستطيع إعادة بناء العراق الجديد .
ثانياً ـ العمل والحرص على سيادة القانون وتطبيقه من قبل قوات الأمن المختصة وليكن دور القوى السياسية في هذا المجال يتحدد في تقديم المعلومات التي تؤدي إلى مكافحة الأعمال الإرهابية والجرائم الأخرى التي باتت تقلق المجتمع العراقي أشد القلق .
ثالثاً ـ العمل على إنشاء جهاز قضائي كفوء ومستقل يأخذ على عاتقه محاكمة كل من تسول له نفسه الإخلال بأمن المواطنين والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة ،وإنزال العقاب الصارم بهم ليكونوا عبرة لغيرهم ممن يفكرون بالسير بهذا السبيل .
رابعاً ـ القبول بمبدأ الفيدرالية للشعب الكردي بما يحفظ وحدة العراق أرضاً وشعباً ويلبي طموحه في تحقيق حياة آمنة ومستقرة وكريمة .
لقد أثبتت الوقائع عبر القرن الماضي إن القضية الكوردية لا يمكن أن تحل بأسلوب القمع والاضطهاد ومصادرة الحريات ، وأن استمرارها يمثل نزيفاً حاداً بشرياً واقتصادياً لا ينتهي ما لم نعترف بحقوق الشعب الكوردي المشروعة ، وخير سبيل لذلك هو القبول بالفيدرالية المشروطة بوحدة العراق أرضاً وشعباً .
إن الخلافات الحالية التي نشهدها اليوم في الموقف من الفيدرالية ،وما يجري على المستوى الشعبي من هجوم على الفيدرالية من جانب قوى الإسلام الشيعي والسني من جهة ورد الفعل لدى الشعب الكوردي قد أثار، ويثير عنفوان التعصب القومي لكلا الجانبين مما يدفع إلى تنامي موجة العداء والعداء المقابل بين العرب والأكراد ، ويؤدي بالنتيجة إلى انتكاس المسيرة الوطنية الهادفة إلى تحقيق الطمأنينة والسلام في البلاد ،واستقرار الأوضاع الأمنية تمهيداً لجلاء القوات الأجنبية من البلاد كافة وتحقيق الاستقلال الناجز للعراق .
إن استمرار الأوضاع على ما عليها اليوم لن يستفيد منها سوى أعداء شعبنا
من أيتام النظام الصدامي الطامحين للعودة للحكم من جديد ، ولينكلوا بأبناء شعبنا عرباً وأكراداً وتركماناً وسائر الأقليات الأخرى بأقسى وأشد بكثير مما فعلوه أيام حكمهم البغيض .
إن حقدهم على شعبنا بعد إزاحتهم من الحكم قد تضاعف عشرات المرات ، وباتوا اليوم متعطشين للدماء بشكل رهيب ، وأن ما شاهدناه وشاهده العالم أجمع عبر شاشات التلفزة ،وعبر الصحافة العالمية يوم أمس في الفلوجة من جرائم يندى لها جبين الإنسانية ، وترفضها سائر الأديان السماوية ،لهو خير دليل على الصورة التي يمكن أن نشهدها على يد هؤلاء الوحوش القتلة لو قدر لهم العودة إلى حكم البلاد من جديد ، وإن الاستهانة بالأمر والانصراف عن تعزيز اللحمة الوطنية وترسيخها ، والاهتمام بالمصالح والمكاسب الحزبية والطائفية الضيقة لا يهدد فئة بعينها ، بل يهدد هذا الخطر الجميع بكل تأكيد .
إن حسن النية تجاه عصابة البعث العفلقية التي أجرمت بحق شعبنا طيلة أربعة عقود وأغرقت العراق بالدماء ،وشنت الحروب المتتالية الداخلية منها والخارجية ،واعتدت على شعب إيران الجار المسلم ،وشعب الكويت الشقيق واتخذت من الساحة اللبنانية ميداناً للصراع والحرب مع سوريا ، وأرسلت السيارات المفخخة إلى دمشق لنتشر الدمار والخراب ،وحصدت أرواح مئات الألوف ، بل الملايين من شبابنا وشيوخنا ونسائنا وأطفالنا ،وشردت ما يزيد على أربعة ملايين مواطن في مختلف المنافي هرباً من بطشها وطغيانها ،و لم يسلم من جرائمها أحداً ، إن هذا التوجه يشكل أشد الأخطار على مصير ومستقبل شعبنا .
إن على القوى الوطنية أن تتعلم الدروس من الماضي القريب لكي لا تكرر أخطائها ، ولمن نسي تلك الدروس والأخطاء أجد من الضروري أن أذكرهم بها لعل الذكرى تنفع المؤمنين .
1 ـ لم يمض يوم واحد على ثورة 14 تموز 1958 حتى تنكر حزب البعث لجبهة الإتحاد الوطني ،وبدأ بحياكة المؤامرات على حكومة الشهيد عبد الكريم قاسم بحجة تحقيق الوحدة العربية ذلك الشعار الذي رفعوه زوراً وبهتاناً للسطو على الحكم ،ولما وصلوا إلى السلطة في انقلاب 8 شباط الفاشي تنكروا للوحدة ولعبد الناصر ، بل وشنوا أشنع هجوم عليه عبر كافة وسائل إعلامهم حتى يوم وفاته .
2 ـ لقد مارس الشهيد عبد الكريم قاسم سياسة عفا الله عما سلف !!معهم بعد محاولة اغتياله التي أصيب بها ونجا من الموت بأعجوبة ، فقد أطلق سراحهم من السجن ليتآمروا من جديد وينفذوا انقلاب 8 شباط 1963 ويعدموا الشهيد عبد الكريم ورفاقه الشهداء الآخرين وينشروا الموت والخراب في البلاد .
3 ـ تعاون الحزب الديمقراطي الكردستاني مع انقلابيي 8 شباط ضد حكومة عبد الكريم قاسم ،واشتركوا معهم في إضراب طلاب الجامعة والمدارس الثانوية ، وبارك وفد من الحزب ممثلاً بالمرحومين صالح اليوسفي وفؤآد عارف للإنقلابيين غداة نجاح انقلابهم ظننا بأن هؤلاء القوميين الشوفينيين العفالقة يمكن أن يمنحوا الشعب الكوردي حقوقه القومية المشروعة ، غير انه لم تمضي سوى مدة ثلاثة اشهر حتى شن العفالقة الفاشست حرباً شعواء على الشعب الكودي منزلين الخراب والدمار في كردستان،وذهب ضحية جرائمهم الآلاف من المواطنين الأبرياء .
كما ينبغي عدم نسيان جريمة الدكتاتور صدام حسين لإغتيال الزعيم مصطفى البارزاني عندما أرسل إليه وفداً من رجال الدين مع المتفجرات التي انفجرت وكادت تؤدي بحياة البارزاني ، وذهب ضحية تلك المحاولة اللئيمة العديد من رفاقه وحراسه .
4 ـ الخديعة التي مارسها حزب العفالقة ضد الحزب الشيوعي من خلال ما سمي بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية !!! ليكشفوا تنظيمات الحزب وينكلوا بها بأعنف هجمة شرسة ذهب ضحيتها الألوف من قادة وكوادر ورفاق الحزب وأصدقائه في أقبية التعذيب والموت وأحواض التيزاب.
وبعد كل هذا الذي جرى على أيدي العصابة البعثية نجد اليوم من يدعو للمصالحة مع هذه الزمرة الشريرة .
أيها الوطنيون العرب والكورد والتركمان وسائر الأقليات الأخرى :
إن أرواح انتفاضة آذار المجيدة عام 1991،وأرواح شهداء الأنفال وحلبجة الشهيدة ، وأرواح شهداء الحزب الشيوعي وحزب الدعوة الإسلامية ، وأرواح كل الذين ذهبوا ضحية الحروب الصدامية الداخلية منها والخارجية تستصرخ ضمائركم ، وتنادي بأعلى صوتها بأن لا مكان لهؤلاء القتلة وسفاكي الدماء في عراق الحرية والديمقراطية ، لا مكان لمن قمع حقوق وحريات الشعب وقتل وشرد الملايين من أبنائه .
فالنعمل جميعاً على كبح جماح التعصب القومي والديني والطائفي ،عربياً وكردياً وتركمانياً ، ولنثقف جماهير شعبنا بروح المحبة والاحترام المتبادل ، واحترام الرأي الأخر ، وتعزيز الأخوة العربية الكردية والتركمانية ، والتعاون البناء لتحقيق آمال شعبنا في بناء عراق جديد وحضارة متجددة وتحقيق الحرية والأمن والسلام و العيش الرغيد للجميع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *