الرئيسية » مقالات » لماذا يكره البريطانيون بلير؟

لماذا يكره البريطانيون بلير؟

احتفالاً بانتهاء الفترة التي قضاها رئيساً لوزراء بريطانيا، اقترح أعضاء المطبخ السياسي في 10 دواننج ستريت على بلير أن يقوم بجولة وداعية يزور فيها المدارس والمستشفيات ومراكز الفن والمحميات الطبيعية والثكنات العسكرية ليمنح” الناس الحقيقيين” -كما يحب السياسيون أن يشيروا إليهم- الفرصة كي يقولوا له “شكراً”، ولكي يربت هو على ظهورهم رداً على مجاملتهم.

ولكن الاقتراح الخاص بتلك الجولة، تعطل لسبب ما وهو ما أتاح لمستشاريه الوقت للتفكير في شيء آخر. وفي النهاية استقروا على أنه يجب أن يقوم بنفس الرحلة الوداعية،ويقابل نفس الأشخاص الذين كان سيقابلهم، ويزور الأماكن نفسها تقريباً، ولكن ليس هنا في بريطانيا وإنما في قارة أفريقيا. نعم في قارة أفريقيا، لأنها ستكون أكثر تعاطفاً وأكثر امتناناً بدليل أن الزعيم الليبي معمر القذافي يحبه أكثر مما يحبه بعض ناخبيه. المهم أن هؤلاء المستشارين قد شعروا أن زيارة أفريقيا ستكون أفضل في جميع الأحوال.

فبعد عشر سنوات من وجوده في الحكم، وعلى الرغم من الإنجازات التي حققها في المجالات الاقتصادية، والمالية،والبطالة والضرائب، والتعليم والصحة، فإن بلير نجح في أن يجعل نفسه مكروهاً من شعبه – على الرغم من أنه حاول جاهداً أن يجعل نفسه محبوباً. ليس مكروها فقط، وإنما عرضة للسخرية والاستهزاء.

والبريطانيون كما هو معروف قوم لا يحبون السياسيين، وهو ما لا ينطبق على بلير فقط،وإنما كان ينطبق أيضاً على “مارجريت تاتشر” التي كانت مكروهة في الداخل (ولكنها محترمة في الخارج) وعلى “وينستون تشرشل”، الذي خذله الشعب البريطاني على الرغم من أنه الرجل الذي قاده للنصر في الحرب العالمية الثانية، فأخرجه من الوزارة في أول انتخابات تجرى بعد الحرب العالمية الثانية، ليأتي برئيس وزراء متواضع بدلا منه هو “كليمنت أتلي”، الذي سرعان ما خذله الشعب في الانتخابات التالية، على الرغم من الإنجازات التي حققها خلال قترة ولايته القصيرة.

هناك قول إنجليزي قديم مأثور يقول إن” حياة كل السياسيين تنتهي على نحو مأساوي” ويمكن لبلير أن يجد العزاء في حقيقة أن كراهية السياسيين تعتبر من الثوابت الشعبية في بريطانيا، بصرف النظر عن الحزب الذي ينتمون إليه، أوجنسهم البيولوجي، أو العرقي، أو عقيدتهم، أو تصفيفة شعرهم.

والفرق بين السياسة الأميركية والسياسة البريطانية إن الأميركيين يحترمون المنصب السياسي في حد ذاته، حتى وإنْ لم يكنوا الاحترام لشاغله وهو ما يعني أن أي رئيس أميركي مهما كان محدود القدرات، فإنه عندما تنتهي فترة ولايته، لأي سبب، فإنه سيظل يحمل لقب” السيد الرئيس” أما في بريطانيا فإن أي رئيس وزراء بمجرد أن يترك منصبه فلا يخاطبه الناس سوى بلقب “السيد فلان”.

وترجع كراهية البريطانيين لسياسييهم لأسباب عديدة ومعقدة وسادية في الحقيقة منها أسباب تاريخية على اعتبار أن الديمقراطية البريطانية هي الأقدم في العالم، وأنها كانت حتى عشرينيات القرن الماضي الأقل فساداً والأقل تعفناً والأقل إقصائية، قبل أن يتحول أمرها إلى النقيض بعد ذلك، ومنها أسباب ترجع لطبيعة النظام السياسي والبرلماني- وهو ما لا ينطبق على بريطانيا ذاتها- الخصامية كما يتبين من المساجلات والمناقشات البرلمانية أو المجالسية وهو ما يشجع بعضهم على المعارضة والسخرية والحط من القيمة والتنمر في مواجهة الخصوم.

وأنا من واقع قيامي بتغطية ستة انتخابات أعرف أن الشكوى المستمرة من الناخبين قبل أن يدخلوا إلى مكان الاقتراع هو أن جميع الساسة كاذبون. وفي الحقيقة أنني أختلف مع هذا الرأي، وأرى أنه قد يكون من الأصوب بأن نصف البريطانيين يشبهون الساعات المعطوبة التي تخبرك عن الزمن بطريقة بينما يكون الزمن الحقيقي شيئا آخر. وبالنسبة للسياسيين، فإن إقدامهم على قول الحقيقة من عدمه يعتمد على الوقت الذي نسألهم فيه عن تلك الحقيقة.

وفي الحقيقة أن “توم بين” الذي يعتبر من أعظم المفكرين البريطانيين على الإطلاق، كان هو الوحيد الذي اقترب إلى حد كبير من وضع يده على السبب الذي يجعل البريطانيين يكرهون الساسة على هذا النحو. ففي بداية كتابه الموسوم “الفطرة السليمة” يشير”بين” إلى الفارق بين المجتمع والحكومة بقوله:”المجتمع في كل دوله ينظر إليه على أنه “خير” أما الحكومة فينظر إليها- حتى في أفضل حالاتها وفي أعظم الدول- على أنها”شر” بالضرورة… فعندما يحقق المجتمع إنجازاً طيباً فإنه ينسب هذا الإنجاز إلى نفسه. أما حينما يفشل فإنه عادة ما يلقى اللوم على الحكومة أو حتى يلجأ إليها طلبا للمساعدة – على رغمه.”

آيه. آيه. جيل – المحرر المشارك في” فانيتي فير” ومؤلف الكتاب الصادر أخيراً تحت عنوان:” الجزيرة الغاضبة: اصطياد البريطانيين”

“لوس أنجلوس تايمز” و “واشنطن بوست”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *