الرئيسية » مقالات » متى تمنع الوزارات عن الأمريكيين …!؟

متى تمنع الوزارات عن الأمريكيين …!؟

كان من الممكن اعتبار التغيير الوزاري الذي بادر به أول من قدم خطوة بالاتجاه الصحيح السيد مقتدى الصدر تطورا عراقيا إيجابيا حيث أن الحكومة لا يمكنها أن تدعي أن هذا التغيير مرتبطا
بأي جهة خارجية أو يمكن اعتباره واحدا من المشاريع التي تستهدف الإجهاض على ما تبقى من عناصر القوة في تلك الحكومة لتبقى على قيد الحياة ، سيما وأن معاول أعضائها لا تنفك عن النخر في جسدها غير المتراص فكريا ومنهجيا وبل يمكن القول حتى عمليا.
لكن هذا التطور النوعي قد جرى اجهاضه وهو في مهده أثناء تداوله في محاولة من رئيس الوزراء العراقي نوري كامل المالكي بث الروح فيه وعرضه للنقاش أمام قادة الكتل والتحالفات الساعية إلى التسابق من أجل كسب المزيد من المحاصصه ،غير آبهة بما ستؤول أليه أوضاع البلد من سوء كان
ولازال السبب الرئيسي له، هو ذاك الجهل السياسي وأمية قادة الأحزاب والتكتلات الطائفية والعنصرية في قراءة الواقع والقبول بحلول وسطية تعيد التوازن من خلال وعي جملة من الحقائق والقناعة بضرورة اتباع نهج أكثر وطنية وواقعية.
ولعل المتتبع لتطورات العملية السياسية وما يجري من أحداث متلاحقة في الساحة العراقية يدرك جيدا ذلك التعنت غير المبرر من قبل جهات كان ولازال جل همها انتزاع حصة الأسد في مقاعد الحكومة والسعي من أجل الوصول لترأسها من خلال ترسيخ قناعتها بحجة الاستحقاق الانتخابي تارة ومن أجل إقناع أتباعها بأنها الكفء لتلك الأهلية التي تتنازع في دائرتها كل الأطراف تارة أخرى .والأكثر من ذلك أنها لم تعد تتقبل فكرة التوصل إلى حلول جذرية للوصول بالحالة المختنقة التي تعاني منها العملية السياسية ، خاصة وهي الرافضة لأي مشروع وطني يتعدى حدود حجم مشاركتها ودرجة تلك المشاركة التي عملت على تأصيل فكرة الأخذ والاستحواذ فيها تتصاعد يوما بعد آخر حتى وكأنها القيم على كل الشعب وبكافة مختلف انتماءاته وتكويناته المتعددة.وفكرة الاستحواذ تلك لا تعني بالضرورة أنها قائمة على التعامل مع القضايا المادية والاعتبارية فقط،
بل أنها تتعدى الحدود تلك لتشمل حتى التعامل مع الأفكار والآراء المطروحة من قبل الشركاء في الوطن الواحد أو المحسوبين على تكتلها على حد سواء ، وألا فما المعنى من مصادرة مبادرة السيد
مقتدى أو غيرها من تلك المبادرات الساعية إلى لملمة الأوضاع للخروج بالعراق إلى ظروف لا نقول أفضل بل إلى تلك التي عاشها المواطن في ظل تحكم الطاغوت والعودة به ليعيش ويساهم بدور افضل في بناء الوطن على أساس الشعور بالانتماء والمصير الواحد وليس كما يبدو عليه الحال في وقتنا هذا المتمثل بتخمة التفاخر بالتبعيّة للآخر في خارج الحدود والعمل بإطار أجندته الحريصة على تحقيق مصالحه هو فقط وليس مصالح العراق الوطنية أو مصالح أبناءه الذين عانوا الأمرين من تجاهل ظلاما تهم من قبل المجتمع الدولي الذي لم يكن قادر إلا على فرض عقوباته بحق الشعب العراقي المظلوم بغطرسة النظام العفلقي الصدامي وجرائمه المتكررة بحق هذا الشعب.
وعودة على بدأ ، فالأطراف المشاركة في الحكومة لا يبدو أنها تسعى وبشكل جدي لمعالجة الخلل القائم على تكرار نفس المعوقات المتمثلة بغلق الآذان عن ما أنتجته السياسات الأمريكية التي
أبتدعها بول بريمر والتي وجدت منها متنفسا لم تصدق أنها فتحت الباب لها واسعا من أجل إشباع رغبة ذاتية في السيطرة على فرض القرار والتزام الصمت إن لم نقل ، مقاومة الرأي الآخر والأخذ بمجابهة كل فكرة قد تأتي من الآخرين لحلحلة الوضع المتزايد تفاقما .مرحلة صعبة لا يمكن تجاوز
آثار السلبيات التي تخلفها منهجية التعتيم على الفكر الخلاق فيها وعدم السماح بالمساهمة الجديّة لأصحاب الكفاءات في صنع الواقع المطلوب عراقيا للنهوض به إلى الأرقى حتى بعد زوال تلك الجهات المتخلفة بسنين طوال عن الساحة السياسية وعدم مساهمتها بصناعة القرار لا من بعيد ولا من قريب.
ولو أننا سلمنا بعدم سوء النيّة من قبل تلك الجهات ، فهذا لا يكفي بحد ذاته لكي يعوض الحالة المزرية التي وصل إليها البلد من جراء اعتماد المبدأ القائل بأن الموجود هو أفضل من السابق وهو الحصيلة التي لابد من أن تفتح المجال واسعا للقول بأن الموجود هو افضل أيظا من الذي سيأتي !
فالعملية السياسية لم تدخل النفق المظلم الذي دخلته لولا تطفل أشباه السياسيين وتسلقهم لمراكز صنع القرار ، وعدم فسح المجال لمبادرات ورؤى وأفكار يمكن أن تشكل النموذج الذي يأتي بالحل
وينهي حالة الجمود و الانغلاق على ما متوفر من نماذج باتت تشعر بأن أفكارها لا تماشي الواقع المعاش بكل حيثياته ومتغيراته.
والان قد بدأت تعيد حساباتها من جديد للخلاص من تلك الحالة لما تشكله من عبء حقيقي لها يمكن أن يساهم في تقويض فرصة الوجود على رأس الهرم المتعري بسذاجة السابق واللاحق من رجالات
المعارضة القديمة.فلقد بحثت عدة آراء من جانب واحد لتطوير عمل الحكومة وفق تصور من طرف القائمين على رأس المكونين الرئيسين لها ، ومنها اعتماد اختيار وزراء من طبقة التكنوقراط أو
مستقلين ليسوا حزبيين ولكن لم يحسب حساب المهنية الحقيقية وطول التجربة الحياتية والخبرة العملية في نطاق الإدارة الناجحة والنزاهة بمفهوم التحليق بعيدا عن السرب فالرجال الثقاة هم مشكلة وزارة المالكي اليومية ورئيس الوزراء ومستشاريه ومن يتبع لهم في أحزاب الائتلاف قد خلت جيوبهم وحقائب ذاكرتهم من أسماء قد تبدو لامعة لاكتساب الأهلية والارتقاء بمستوى المسؤولية وتحمل العبء لهذا المنصب الذي جعله معارضي العهد السابق بمثابة التشريف لا التكليف.
وليس بعيدا من هذا التصور نجد أن الآخرين من شركاء الائتلاف لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن بدلاء لمن أختارهم قادة التحالف أو التوافق، والمشكلة الحقيقية قد يحاول الكثيرين الركض
بعيدا عنها وتحاشيها وهي ، أن الحكومة العراقية لا تستطيع مقاومة أي أراده أمريكية تفرض في سبيل تدعيم السياسة الأمريكية القائمة على تفويت الفرصة على العراقيين بالاعتماد على أنفسهم والنهوض بالمستوى المطلوب الذي تتطلبه المرحلة ومن تلك السياسات هي فرض بعض الأسماء التي قبلت بها الأطراف المشكلة للحكومة على أساس أنها كانت جزء من الكيانات التي وظف لها جهدا كبيرا في الأعداد والتجهيز من قبل المحتل قبل سقوط النظام الصدامي وقبل دخول الأمريكان للعراق حيث كانت أفكار المحتل الأمريكي لم يترشح إليها أن درجة النضوج لدى كافة
طبقات الساسة العراقيين لم تصل حد المراهقة السياسية والتعلق بالموروث القديم . وتماشيا مع مبدأ عدم التصادم مع القوة الكبيرة التي تتحكم بالقرار العراقي السياسي وانتهاج سياسة التعامل
بالحذر من المحتل لغرض الوصول إلى المصالح الفردية ، والخلاص من أزمة المساومة على المناصب مع الاخوة الأعداء ، حتى وان وصل الأمر بضرب المصلحة العليا للوطن عرض الحائط، بدأ أكثر السياسيين بترك لعب الدور المشرف لهم كسياسي ممثل لطائفة عريضة وواسعة قد لا يستهان بها في مسألة المراهنة على أنها أعظم ظهير وأكبر احتياطي من هذا الشعب سواء كان تواجده في البرلمان أو في طاقم الحكومة وابتعد كثيرا عن هذا الدور ليلعب دورا أقل بكثير من مستوى وكيل لدى جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية ، ولهذا وذاك تتكشف الحقائق والوقائع لدى عدد كبير من العراقيين من الناس العاديين من أمثالي من خلال تصريحات مثل التي صرح بها بريمر ، حينما ترك العراق ، في سبب عدم احترامه لأي من الشخصيات السياسية العراقية واحترامه لشخص المرجع الأعلى السيد علي السيستاني حفظه الله فقط.
وبغض النظر عن ما يشكله تصريح أو كلام لشخصية سياسية لها دورها البارز في أداء المهام الصعبة والمهمة في عمل السياسة الخارجية الأمريكية من أهمية ، فأن الملاحظ يستطيع أن يتصور
مدى صحة التمايز والتوجه الدقيق الذي تعالج به السياسة الأمريكية كافة الملفات التي لها يد فيها وقد يتصور الآخرين بأنها تكيل بمكيالين ، ولكن الحقيقة الأمريكية تبقى واحدة سواء صرح بريمر أو بوش في أن هدفهم الأساسي هو بناء ديمقراطية في العراق لم يؤسس الأمريكان لها عمقا زمنيا بل أختار لها العراقيين الزمن والوقت المناسب ، فحقيقة أمريكا هي أنها تبحث أولا وقبل كل شيء عن ما يخدم وما يهم مصلحة أمريكا وليس تدخلهم بالشأن العراقي الآن وفي كل تفاصيله الصغيرة والكبيرة إلا دليلا على أنها لا يعنيها أن شكل الساسة العراقيين ركائز قويمة لبناء مستقبل بلدهم أم انهم تقاعسوا عن ذلك ويبقى لديها أن تتعامل وبصورة جديّة مع كل ما يشكل لها عمقا إستراتيجيا في داخل أمريكا وخارجها وسوف لن تفرط كما يفعل الساسة العراقيين بأي كائن أكتسب صفة الانتساب إلى الأمة الأمريكية سواء كان من أصل عراقي أم هندي !
وسوف نرى في الأيام القادمة كيف ستتعامل السياسة الأمريكية مع وصول بعض القادة السياسيين العراقيين إلى مواقع التأثير وصنع القرار في العراق ممن أكتسب جنسية أمريكية ولن يتعامل مع
الشروط الأمريكية في قبول مسودات قوانينها الطارئة والمرتجلة كبديل عن ما يختاره العراقيون أنفسهم ، حيث أن حسابات الشراكة لا تكون بنفس مقاييس الانتماء الطارئ بالنسبة للرجال العظام ممن استثنتهم أمريكا من قوائمها للعب دورا بارزا في العراق وجعلت من تهميشها لهم حدا فاصلا بين قبول الشارع العراقي لهم وأستأثر لديهم ذلك كردة فعل لعمل كل ما يمكن عمله من اجل الشعور بالإخلاص لهذا الوطن ، وبين رفضهم للانتماء إلى غير هذا الوطن وتقديم مصلحة أحد على مصلحته . فلو أن أحدا مثل شخص الدكتور أحمد الجلبي تعرض إلى ما تعرض إليه أيهم السامرائي ، مع الفرق الشاسع بين كلتا الشخصيتين طبعا، فهل نرى ذلك الذي حصل مع أيهم السامرائي من قبل الأمريكان وتهريبه من السجن وتجاهلهم للعدالة والقضاء العراقي واستخفافهم بكل الموازين الأخلاقية ، فهل سيحصل ذلك لو كان المتهم مثل شخصية الجلبي؟ والجواب طبعا بالتأكيد : لا ، ولأن
معايير الأمريكان في التعامل مع الحالة العراقية تضفي نوعا من التناقضات لا يمكن فهم أسبابها ألا
بتفسيرها على أساس خدمة المصالح الأمريكية والتلاعب ( بالخطوط الإرشادية ) التي تستهدف المتعامل معها فلا غرابة من أن نجد أن الأمريكان يبادرون بإخفاء وزير الثقافة العراقي الذي تطلبه العدالة العراقية للتحقيق في مسألة التهمة التي وجهت له في محاولة اغتيال رئيس حزب الأمة العراقية مثال الآلوسي والتي تسببت في مقتل نجليه قبل أكثر من عام.وستظل الحكومة العراقية قاصرة في اختيار الوزراء الجيدين ما دامت لا تراعي المصلحة العراقية العامة
أولا وقبل كل شيء ، وما دامت لا تراعي الخصوصية الحرجة التي تتناساها في تعاملها مع المحتل الأمريكي.وليس أسهل من درس قد تكرر عليها ولم تتعظ به ، سوى أنها غير مؤهلة لفهم ذلك الدرس أو غيره مادامت غير قادرة على الأختيار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *