الرئيسية » مقالات » عندما يكون وزير الثقافة قاتلاً، فماذا ينتظر الشعب من حكومته؟

عندما يكون وزير الثقافة قاتلاً، فماذا ينتظر الشعب من حكومته؟

تناولت وكالة أنباء [كونا] عن مصادر الحكومة العراقية خبر صدور مذكرة اعتقال بحق وزير الثقافة العراقي [اسعد الهاشمي] على خلفية اعترافات أدلى بها معتقلون قتلة أشارت إلى تورط الوزيرالهاشمي وأفراد حمايته باغتيال الشهيدين أبناء النائب السيد مثال الآلوسي. وأفاد الخبر أن قوات عراقية أمريكية دهمت أمس مبنى وزارة الثقافة في بغداد، واعتقلت عددا من أفراد حماية الوزير بينما تعذرالقبض على الوزير الهمام الهاشمي لوجوده خارج العراق!!.
لقد تلقى المثقفون العراقيون هذا الخبر المفجع الذي نزل عليهم وعلى الجميع كالصاعقة، فهو يشير إلى هذا الدرك المخيف من الهاوية الذي وصل إليها العراق كدولة ونظام حكم ، وكمجتمع.
فإذا كان أحد وزراء الدولة من لابسي الجبة والعمامة ، والذي كان قبل استزاره بموجب المحاصصة الطائفية السيئة الصيت عن قائمة التوافق إماماً للمسلمين ويشغل حالياً منصب وزير الثقافة ، وتلك هي لعمري قمة المأساة ، ومهزلة المهازل في عراقنا الديمقراطي المتحرر اليوم !!!
أنه العار الأكبر أن يقود وزارة الثقافة العراقية عدو للثقافة ، وعدو للإنسانية ، ولو قلدوه منصب وزير الداخلية ، أو وزير الأمن القومي لهان الأمر فهذه الوزارات تمارس أعمال القتل والاغتيال في الدول الديمقراطية بعالمنا العربي !!، أما أن يكون وزيراً للثقافة التي من أولى مهامها النهوض بالمجتمع العراقي من خلال نشر ثقافة المحبة والتسامح ، واحترام الرأي الآخر، والأيمان بالحوار سبيلاً أوحداً لحل الخلافات بين أبناء المجتمع والوصول به إلى شاطئ السلام ، بدلاً من هذا الصراع الدموي الذي يجري اليوم في الوطن المنكوب بهؤلاء الطائفيين والمتخلفين والمتوحشين الذين او صولوا الشعب العراقي إلى الحرب الطائفية المدمرة ، وكل ذلك يجري باسم الدين والطائفة الذين يقودون السلطة في عراقنا الديمقراطي ، قادة الأحزاب الدينية الطائفية والشوفينية بشقيها الشيعي والسني.
إن هذه الحالة المزرية التي يمر بها العراق تعبر أدق التعبير عن الانهيار العميق للبينة الاجتماعية العراقية ، هذا الانهيار الذي بدأ على عهد طاغية العراق صدام حسين وزمرته المتوحشة من خلال حروبه الكارثية ، وتسببه في فرض الحصار الكارثي على المجتمع العراقي، والذي دام ثلاثة عشر عاماً من الفقر والعوز والحاجة ، وانهيار العملة العراقية، وفقدانها لقوتها الشرائية، هي التي كان لها التأثير الفعّال في انهيار القيم الاجتماعية النبيلة والأصيلة ، لتحل محلها قيم وسلوكيات على النقيض منها ، حيث تسود اليوم قيم الكراهية والعدوان والقتل والسرقة والاغتصاب والتعذيب والكذب والغش وخيانة الأمانة وغيرها من السلوكيات الشائنة الأخرى التي كانت غريبة عن المجتمع العراقي قبل أن حل طاعون البعث في العراق عام 1963 لينشر الخراب والدمار في المجتمع العراقي قبل الخراب المادي والاقتصادي.
إن عملية بناء البنية الاقتصادية للعراق ربما تتم خلال عشر سنوات إذا ساد الأمن والنظام في ربوع البلاد ، لكن إعادة بناء البنية الاجتماعية سيكون أمر في غاية الصعوبة ويتطلب عقوداً عديدة من العمل التربوي المثابر، ومنذ المراحل الأولى للطفولة ، ذلك أن عملية البناء للمجتمع تتطلب إلغاء عادات وقيم وسلوكيات سيئة سادت المجمتع في ظل تلك الظروف الشاذة ، وإحلال قيم وعادات وسلوكيات جديدة نبيلة ، قيم إنسانية ناضلت البشرية لقرون عديدة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في البلدان المتقدمة بعالمنا اليوم .
إن العراق اليوم يغط في ظلام دامس لم يشهد له مثيلاً في كل تاريخه المعاصر، وليس هناك أي ضوء يمكن مشاهدته في آخر هذا النفق المظلم ، وما بناه المحتلون من سلطة ودولة ونظام وبرلمان ودستور وحكومة تقف كلها عاجزة عن الوصول بالعراق إلى شاطئ الأمن والسلام والحرية والديمقراطية الحقيقية ، والمثل الذي يقول بأن فاقد الشئ لا يعطيه ينطبق على وضعنا العراقي 100% دون أدنى شك .
وستبقى سلطات الاحتلال والحكومة الصورية التي نصبوها ، وبرلمانهم ودستورهم عاجزة كلها عن إخراج الشعب العراقي من محنته القاسية التي يعيشها اليوم ، ولا حل لأزمة العراق المستعصية إلا بإلغاء الطائفية بكل صورها وأشكالها ، وإعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنية من جديد بعيداً عن الحزبية والطائفية والمليشياوية وحل البرلمان وإسقاط الدستور ، وتشكيل حكومة مستقلة غير حزبية لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات ، وذات سلطة حقيقية ، لتتولى مهمة إعادة بناء سلطة جديدة بعيدة عن الطائفية والرجعية والتخلف ، وإعادة بناء جيش قوي يدين بالولاء للعراق وحده، وتسليحه بأسلحة حديثة وثقيلة كي يصبح قادراً على التصدي للإرهاب الداخلي، والتدخل الإقليمي من أي جهة كانت.إن الولايات المتحدة تتحمل كامل المسؤولية فيما آلت إليه أوضاع العراق ، وما حل فيه من خراب ودمار في كافة المجالات ، وعليها أن تصحح أخطائها الجسيمة منذ أن ولت على العراق بول بريمر وما أصدره من قرارات كارثية اوصلت البلاد إلى هذه الحالة المزرية، وإلا ستبقى هي الأخرى غائصة في هذه الكارثة التي صنعتها بأيديها .

26 حزيران2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *