الرئيسية » مقالات » قراءة نقدية متأنية في كتاب (عندما كنت وزيراً) للأستاذ الدكتور عبد الأمير رحيمة العبود- الحلقة الثانية

قراءة نقدية متأنية في كتاب (عندما كنت وزيراً) للأستاذ الدكتور عبد الأمير رحيمة العبود- الحلقة الثانية

كان طالب الحقوق عبد الأمير قد نجح من الصف الثالث حين انتفضت وحدات من القوات المسلحة العراقية بقيادة حركة الضباط الأحرار التي كان يقودها الزعيم الركن عبد الكريم قاسم. وقد تفجر الفرح من أعماقه عفوياً كباقي العراقيات والعراقيين, ونشأ التصور بأن عهداً جديداً قد بدأ يشق طريقه في حياة الناس, وخاصة الفقراء والكادحين والفلاحين والعمال والمثقفين.
حاولت بعض الأحزاب السياسية قيادة الجماهير من أجل تحويل تلك الانتفاضة الشعبية إلى ثورة شعبية تكون قادرة على إنجاز تغيير ثوري وجذري في أوضاع العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولكنها اصطدمت ببرامجها ورؤيتها المخ0تلفة لمصالح الشعب والوطن. كما اصطدمت برغبة العسكر في أن يواصلوا البقاء في الحكم رغم الاتفاق المبدئي في تسليم السلطة إلى المدنيين بعد فترة انتقال قصيرة. أوجد هذا الواقع فوضى وحالة عبثية بدأت بوقت مبكر بعد انتصار الثورة.
انخرط عبد الأمير, كغيره من شباب العراق والكثير من الشابات, في الحركة السياسية وساهم في العطلة الصيفية في لجان حماية الجمهورية. وعاش في هذه الفترة بعض المفارقات التي تدلل من حيث المبدأ على بساط الناس وتخلف الوعي الاجتماعي, كما حصل مع عمه والإنجليزي الغريب المتوقع وصوله, وهي حكاية طريفة. كما يمر على بعض الأحداث التي عاشها والتي برزت في أعقاب الثورة مشيراً بصواب إلى عدد من الملاحظات المهمة التي ميزت تلك الفترة, ومنها:
• الانطلاقة الشعبية التي لا يمكن أن تحصل إلا في أعقاب أحداث كبيرة والتي اقترنت ببروز الفوضى والصبينة السياسية أو عدم نضوج التي سادت البلاد؛
• غياب الوعي السياسي والاجتماعي لدى الأحزاب السياسية, دع عنك الأوساط الشعبية الكادحة؛
• الصراع القومي – الشيوعي حول شعار الوحدة والاتحاد وانقسام المجتمع إلى معسكرين, كانت الأغلبية لصالح التيار الوطني الديمقراطي والشيوعي؛
• فردية قاسم وعجزه عن وعي المشكلات التي أخذت بالتفاقم وابتعاده عن التفكير بالحلول العملية؛
• المؤامرات التي تفاقمت ضد الحكم والتدخل الفظ من قبل دول الجوار العربية وغير العربية بالشأن العراقي؛
• تفاقم الصراعات الحزبية الضيقة وما جره كل ذلك من خراب على البلاد والذي اقترن بانقلاب 1963 البعثي- القومي أو السوري – الناصري.
ويشير الدكتور عبود في مكان آخر إلى أنه شاهد “في احد الأيام شرطة العاصمة وهم يقومون بمظاهرة في شارع الرشيد وهي تهتف: إعدم إعدم جيش وشعب يحميك من كل ظالم”, (الكتاب, ص 77), كما يتحدث عن “هجوم جماعات من الطلبة الشيوعيين على الطلبة القوميين والبعثيين وينهالوا عليهم ضرباً وتوبيخاً”. ويقول “كنت اشجب تلك الأعمال حينما ألتقي مع بعض الأصدقاء ويخاصة زميلي نصير الجادرجي الذي كان يشاطرني الرأي في شجب تلك المظاهر”. (الكتاب ص 77).
ثم يوجز الدكتور العبود موقف بما يلي: “الآن وبعد مرور خمسة عقود على تلك الأعمال والمظاهرات لم تتحقق الوحدة, ولم يتحقق الاتحاد الفيدرالي, لكن الذي حصل هو توسع عناصر الفرقة والخلاف بين الدول العربية … , وهو ما يؤكد حقيقة أن الاندفاع السياسي الذي كان يحصل من قبل الأحزاب والمنظمات السياسية لم ينطلق من أسس علمية وعملية وديمقراطية سليمة, بل كانت النشاطات السياسية, إلى حد بعيد غير منضبطة وغير مدروسة … وكانت تنطلق في كثير من الأحيان من المصالح السياسية الضيقة والشخصية بعيداً عن المصالح العليا للوطن, واعتماد العنف واختراق القانون والنظام نهجاً لتحقيق الأهداف”. ويخلص الدكتور عبود إلى استنتاج مفاده: ” ولهذا لم يحالفها (المقصود الأحزاب والمنظمات السياسية, ك. حبيب) النجاح في تحقيق أهدافها المعلنة من قبلها سواءً الوطنية أو القومية منها”. ( الكتاب, ص 78). طبعاً للأخ العبود العذر في عدم تعرضه للقوى القومية والبعثية التي صالت وجالت في العراق حتى في فترة قاسم وقتلت الكثير من البشر عبر المؤامرات والاغتيالات وإشاعة الفوضى. وقتل الكثير من المناضلين الوطنيين, وبينهم جمهرة من الشيوعيين واليساريين الديمقراطيين, إذ كان السيد العبود قد غادر العراق بعد مرور سنة واحدة ويوم واحد على ثورة تموز 1958, وكان أثناء انقلاب شباط/فبراير 1963 طالباً في برلين بألمانيا الديمقراطية يدرس الماجستير والدكتوراه.
لا بد هنا من الإشارة إلى أن موضوع ثورة تموز وتعقيداتها لم تأخذ الحيز المناسب لها, وللأخ عبود عذره في ذلك, إذ أنه يكتب من خزين ذكرياته وليس اعتماداً على قراءاته. صحيح أن ثورة تموز والقوى السياسية الديمقراطية لم تحقق الأهداف التي كان يفترض أن تحققها تلك الانتفاضة العسكرية على النظام الملكي. ولا شك في أن السبب يرتبط عضوياً بالقوى التي نفذت تلك الانتفاضة, أي العسكر وعدم رغبتهم في تسليمها إلى الأحزاب والقوى الديمقراطية من خلال تشكيل حكومة مدنية مؤقتة تشرع دستوراً دائماً للبلاد وتجري انتخابات حرة وديمقراطية نزيهة وترسي دعائم البلاد على أسس مؤسساتية. وهذه المسألة ترتبط عضوياً بالمستوى المتخلف لتطور المجتمع اقتصادياً واجتماعياً وسياسيا وتجليات ذلك في الوعي العام للمجتمع. ومع ذلك فقد صدر قانون برجوازي ديمقراطي للإصلاح الزراعي يساعد على نمو الرأسمالية في الريف , وقانون الأحوال المدنية الذي يمنح المرأة بعض حقوقها المغتصبة ويمنع تعدد الزوجات إلا بحدود القانون , وقانون تقدمي للعمل والعمال, والتوجه صوب التصنيع باتفاقيات مهمة مع الاتحاد السوفييتي وبلدان اشتراكية أخرى , وإلغاء معاهدة 1930 العسكرية والخروج من حلف بغداد ومن منطقة الإسترليني والبدء بمفاوضات نفطية وصدور القانون رقم 80 لسنة 1961 الذي استعاد الراضي العراقية التي كانت تحت تصرف شركات النفط إلى الحكومة العراقية لتستثمرها مباشرة, والتفكير بتشكيل شركة وطنية للنفط لتمارس التنقيب عن النفط في تلك الأراضي, وإعادة النظر بالعلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية للعراق. كانت هذه الإجراءات كلها على الطريق الصحيح, إلا أن الصراع الداخلي من جهة والصراع الإقليمي والتدخل في الشأن العراقي من جهة ثانية, والتدخل الدولي وتدخل شركات النفط الاحتكارية من جهة ثالثة, وسياسات قاسم الفردية وغير الديمقراطية وحربه ضد الحزب الديمقراطي الكردستاني والشعب الكردي, ومطالبته غير المشروعة بالكويت ..الخ, كلها أججت ضده قوى محلية وعربية وإقليمية ودولية جديدة وواسعة وبلورت عوامل ساعدت على الإطاحة به بتحالف رجعي واسع.
إذن غادر الطالب عبد الأمير العراق إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية للدراسة فيها بعد مرور عام على ثورة تموز. وعلى القارئ أو القارئة أن يتصورا حالة طالب عراقي لم يزر بلداً عربياً أو أجنبياً قبل ذاك, وهو قادم من منطقة المجر الكبير بأزقتها التربة الضيقة وشوارعها غير المبلطة والحزينة وسوقها الشعبي الوحيد المنهك والمليء بالأوساخ وعدم وجود مجاري لتصريف المياه, وبيوتها الهرمة وسكانها الذين يعانون من الفقر والفاقة وشتى الأمراض, والنساء اللواتي لا يظهرن بالشارع أو حين يظهرن في الشارع يكن برفقة رجل ما من الأقارب والعباءة السوداء تغطي المرأة من قمة الرأس إلى أخمص القدمين, هذا الشاب يدخل من ذلك الجو الكئيب إلى مدينة ميونيخ الجميلة بشوارعها العريضة والمبلطة وبيوتها الشامخة والشرفات المليئة بالنباتات وحدائقها الغناء وطبيعتها الرائعة وحركة السيارات الكثيفة والترامواي الذي يقطع بعض شوارع المدينة ومحطة القطار الجميلة والواسعة, ثم مخازنها العصرية الكبيرة والنسوة الجميلات الباسمات المعطرات يزهون في الشوارع وكأن أحداهن تنادي خذني يا عبود. ورغم كثرة الناس والسيارات فالنظام يسود المدينة. قال لينين عن الألمان مرة أنهم إذا قاموا بثورة وأرادوا احتلال محطة قطار ميونيخ فأنهم سيقطعون بطاقة دخول إلى المحطة, هكذا هو النظام وهكذا هو القانون إلي يحترمه الألمان وكل الأوروبيين عموماً, وهي الظاهرة التي شخصها الدكتور عبود والتي تتناقض مع الوضع في بلداننا لأن حكامنا الذين وضعوا تلك القوانين لم يحترمونها.
النسوة في ألمانيا يتمعتن بالحرية والمساواة من حيث القانون ومن الناحية العملية إلى حدود غير قليلة, ولكنها ليست تماماً, إذ أن الرجل ما زال يقاوم المساواة التامة للمرأة معه. لقد أنعشت هذه الأجواء المشبعة بالحرية والود الدافئ شهية الشاب عبد الأمير ودفعت ببطلنا المغوار ليتحدث بشوق كبير وحنين إلى بعضهن من عائلة شتارك أو غيرهن كثيرات!
كان عبد الأمير صادقاً حين أشار إلى انه كان مثابراً على الدراسة جاداً في تعلم اللغة, تماماً كما كان جاداً في معاشرة البنات الشابات الجميلات اللواتي كن يتطلعن إلى شبابه الطافح وشعره الأسود الفاحم وعينية السوداوتين بين رجال كلهم شقر وعيون زرقاء أو خضراء أو بينهما وغير جائعين للجنس كالقادم الملهوف من المجر الكبير.
يقدم لنا العبود في كتابه مقارنة بين الدراسة الجامعية في ألمانيا الاتحادية, سواء أكانت في ميونيخ أم في برلين الغربية, وبين نظام التعليم في العراق من خلال تقديم جملة من الأسس التي يعتمدها التعليم المتقدم والمجرب والناجح في ألمانيا الذي كان يُخّرج حملة شهادات في جميع الاختصاصات العلمية والإنسانية الصرفة والتطبيقية التي يشار إليهم بالبنان بشكل عام, إضافة إلى إشارته الجيدة إلى الأهمية التي كانت وما تزال ألمانيا تمنحها للدراسات المهنية والفنية, التي ترتبط بقضايا الإنتاج والخدمات مباشرة, واهتمامها الفائق بالبحث العلمي.
انتقل عبد الأمير إلى الدراسة في كلية الاقتصاد ببرلين الشرقية, وكانت عاصمة ألمانيا الديمقراطية بعد أن تعذر عليه مواصلة الدراسة في برلين الغربية بسبب وفاة أستاذه ورفض الأساتذة الآخرين الاعتراف بشهادة البكالوريوس العراقية. وكانت هذه واحدة من المشكلات التي كان العراقيات والعراقيون من حملة شهادة البكالوريوس وما زالوا يعانون منها في كل ألمانيا أو في كل أوروبا.
يقدم لنا عبود في القسم الخاص بوجوده في ألمانيا الديمقراطية تلخيصاً قيماً عن التعليم في ألمانيا الديمقراطية, وهي تجربة غنية ومفيدة كانت ذات فائدة خاصة للطلبة العراقيين لأنها كانت فيها رقابة جيدة على مشاركة الطلبة في حضور المحاضرات أو المشاركة في السيمنارات وتتبع الطلبة في الدراسة ومساعدتهم للنهوض بمستواهم وبلوغ مستوى الألمان. ويبقى المعيار الأساسي في مدى فائدة الطالب من أي نظام تعليمي يكمن في مدى رغبة وجدية الطالب في اكتساب المعرفة والعلم والتخرج بمستوى لائق. ومعرفتي الشخصية بالزميل عبود أثناء الدراسة, إذ كنا في كلية واحدة, كانت تؤكد سعيه الجاد والحثيث للدراسة والتزود بالمعارف والخبر والاستفادة الواعية من الحياة الحضارية الثقافية في ألمانيا.
ومن الغريب في خزين ذكريات الدكتور عبود أن القارئ لا يجد في كتابه أي ذكر للطالبات والطلاب العراقيين والعرب الذين كانوا معه في الدراسة ولم يتحدث عن خبرته معهم أو ملاحظاته عنهم أو عن نشاطه الاجتماعي معهم, خاصة وانه كان من بين النشطين في مؤتمرات الطلبة ونقاشاتهم المختلفة, وقد جاء على ذكر أحد احتفالات الطلبة في ذكرى ثورة 14 تموز لأنه عاش مفاجأة فيها حين ألقى صديقاً ألمانيا له قصيدة بحقه في تلك الحفلة التي أقيمت في برلين. لقد كانت حياة الطلبة العراقيين في برلين أو في ألمانيا الديمقراطية وعموم ألمانيا غنية وحركة وفعالة وشيقة ومتنوعة في آن واحد, إذ كانت هناك نشاطات سياسية واجتماعية وثقافية كثيرة ومؤتمرات تعقد ونقاشات تدور وندوات تنظم . ولا يمكن أن يكون الدكتور عبود قد نسى حضور الشاعر الكبير والراحل محمد مهدي الجواهري إلى برلين بمعية الأستاذ الراحل عبد الفتاح إبراهيم عن “رئاسة لجنة الدفاع عن الشعب العراقي” التي شكلت في أعقاب انقلاب شباط 1963 وإلقاء الكلمات والقصائد في هذه الندوة التي حضرها عراقيات وعراقيون من سائر أنحاء ألمانيا الشرقية والغربية. وكان الجواهري, كعادته بطل تلك الحفلة, اعتقد أن الأخ عبود لم ينس, وأن لم يذكر ذلك, بأن الجواهري نظم أبيات شعر جميلة في إحدى حفلاتنا بذكرى ثورة تموز في العام 1962 في مقابل تقبيله لشابة شقراء جميلة وناعمة كانت بمعية المصور العراقي المعروف جلال البيتوشي. وقد وضع عدة أبيات ولكل بيت شعر قبلة منعشة وضعها جلال البيتوشي في جيبه وكتبت على علبة سجاير. لا شك أن البيتوشي ما يزال يحتفظ لوحده بتلك الأبيات الجملة التي ارتجلها الجواهري. يبدو لي أن ذكرياته مع العراقيين في برلين لم تكن حميمية بما فيه الكفاية, مما جعلته يبتعد عن ذكرها, وإذا كنا قد تعارفنا لأول مرة في ميونخ, ولكن صداقتنا بدأت فعلياً في برلين وفي كلية الاقتصاد وفي جمعية الطلبة العراقيين.
يقدم الأستاذ عبود لوحة معبرة وصادقة عن الحياة في ألمانيا الديمقراطية. يمكن أن أتعرف على صدقها بسبب معايشتي لها والتي تشكلت لدينا ذات الرؤية بشأن الواقع حينذاك. كتب مشخصاً بعض الجوانب المهمة في تجربة ألمانيا الديمقراطية كما يلي:
“الدولة الاشتراكية في ألمانيا الديمقراطية كانت تمتلك كل وسائل الإنتاج, وتطبق نهج التخطيط الاقتصادي والاجتماعي الشامل, وهي تضمن للفرد كل احتياجاته الأساسية الضرورية, فالعمل مضمون والتعليم بكامل مراحله مجاني, والصحة بكافة مستوياتها مضمونة والنقل أشبه بالمجاني لرخص أسعاره, ووسائل الثقافة والمعرفة متاحة للجميع بأسعار زهيدة, ولكن الاقتصاد الوطني لم ينم نمواً سريعاً والإنتاجية بقيت منخفضة, ولم يحصل الازدهار الاقتصادي والاجتماعي, ويعود ذلك على عجز السياسة الاقتصادية عن النهوض بالاقتصاد الوطني والتقيد بالقوالب الصارمة للتخطيط الاقتصادي الشامل, وتجهل تأثير العوامل النفسية على سلوك الأفراد, وغياب عنصر المنافسة وإهمال العوامل المؤثرة في اقتصاد السوق, فالفرد ينظر إليه ضمن هذا النظام كرقم واحد ضمن حركة المجتمع التي تحكمها ضوابط التخطيط الصارمة دون النظر إلى نوازعه النفسية”. (الكتاب, ص 120/121) ثم يشير إلى جانب آخر من المشكلة فيقول:” كانت نتيجة ذلك الإخفاق في تحقيق النمو السريع في الإنتاج والإنتاجية هي العجز في ملاحقة التطورات في حقول العلم والتكنولوجيا, وكان البديل الذي اعتمدت عليه الأنظمة الاشتراكية هو اختيار النهج الدكتاتوري لقيادة المجتمع بدلاً من النهج الديمقراطي الحر, ولهذا أصبح لرجال الأمن والحزب الحاكم الدور الرئيسي في توجيه النظام والحظوة بمزاياه”. (الكتاب, ص 121)
أشاطر الزميل عبود الرأي بما أشار إليه حول النهج السياسي للاشتراكية في كونها تدعو إلى توفير ظروف عمل وحياة أفضل للناس من حيث المبدأ. ولكن الاشتراكية, لكي تعيش وتنجح وتتطور, تستوجب ليس فقط توفير المأكل والمشرب الملبس والسينما والمسرح للفرد, بل تستوجب تأمين تمتع الفرد بالحرية وممارسته حقوقه المدنية وحقوق الإنسان وسيادة الديمقراطية في حياة البلاد, تستوجب التعددية السياسية والحياة البرلمانية الحرة والنزيهة والمشاركة الحرة والوجدانية فيها وليس الإلزام والخشية, وتستوجب المنافسة في خدمة المجتمع ووجود معارضة تنتقد وتطرح البديل. الاشتراكية لا يمكن أن تنمو وتتطور في ظل عدم الثقة في المجتمع والخشية منه وتسليط أجهزة الأمن عليه وسجن من يعترض أو يعارض سياسة الحكومة والحزب الوحيد الحاكم, دع عنك مسرحية الجبهة الوطنية ذات الأحزاب التابعة للحزب الحاكم. لم تكن السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي مارستها الحكومة عقلانية, كما لم تكن واقعية ولم تكن في كل الأحوال اشتراكية, فالمكاسب التي كان يراد توفيرها للناس لم تكن تستند إلى أرضية اقتصادية صلبة, بل كانت هشة جداً تبرز بوضوح بسياسة الأسعار للسلع والخدمات وفي سياسة الأجور ومستوى إيجارات الشقق السكنية الواطئة والنقل الرخيص الأشبه بالمجاني …الخ. لم يكن هناك أي احترام للقوانين الاقتصادية الموضوعية, بل كانت الإرادة الذاتية للحزب الحاكم أو للسكرتير العام للحزب ومكتبه السياسي هو الموجه والمحدد للسياسة والاقتصاد. إن التصادم قد نشأ فعلاً بين القوانين الاقتصادية الموضوعية التي تعمل عفوياً وبمعزل عن إرادة الفرد من جهة, والسياسة الاقتصادية الذاتية المناقضة لتلك القوانين من جهة أخرى. لا يمكن للاشتراكية أن تنفصل عن الحرية والديمقراطية فهما وجهان لعملة واحدة, وغياب أحد الوجهين ينفي وجود الثاني.
الفقرة التي أوردها الدكتور عبود التي تتحدث عن العجز عن اللحاق بالتطور العلمي والتكنولوجي صحيحة, ولكن ليست لها علاقة بما ورد بعدها بأي حال. إذ لا أجد أي ارتباط بينها وبين القول بأن البديل كان سياسة الدكتاتورية. الدكتاتورية لم تكن بديلاً للتكنولوجيا والعلم, بل كانت بديلاً للحرية والديمقراطية. لقد كان هناك تطور علمي وتكنولوجي في الاتحاد السوفييتي وفي ألمانيا الديمقراطية, إلا أن هذا التقدم العلمي والتقني كان قد وجه صوب الجوانب العسكرية والإنتاج العسكري وليس نحو الإنتاج المدني. هنا تبرز واحدة من أكثر إشكاليات الحرب الباردة في حينها والتي أجهزت على النظم الاشتراكية القائمة حينذاك والتي لم تكن اشتراكية طبعاً. أما مسألة الدكتاتورية فكانت البديل الفعلي المعاكس لما كان يفترض أن يسود, أي الثقة بالشعب والحرية للأفراد والجماعات والديمقراطية والتعددية وممارسة النقد …الخ. لقد سادت في هذه البلدان ما سميت بدكتاتورية البروليتاريا, ولكنها لم تكن سوى دكتاتورية الأجهزة البيروقراطية في الحزب والدولة, في حين لم يتمتع الشعب بالديمقراطية ولا بحق النقد وممارسة بقية الحقوق بما فيها السفر إلى الدول المختلفة وحصرها بالدول الاشتراكية. لم تكن السياسة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية عقلانية وإنسانية. لقد تخلت الكثير من الأحزاب الشيوعية عن دكتاتورية البروليتاريا, ويبدو أن البعض منها في بلداننا في منطقة الشرق الأوسط ما يزال يحن لها ويدور حولها يطرحها بصيغة غير مباشرة, وهو حنين بائس للستالينية لا غير.
في هذا الجزء من الكتاب يقدم الأستاذ عبود جزءاً من الأجواء النشطة في مجال الحياة الثقافية ونشاط الأدباء والفنانين الألمان ومشاركته في البعض منها. الشعب الألماني محب للثقافة ويمتلك طاقة كبيرة من حب المعرفة والإطلاع وله إنجازات كبيرة في مجال العلم والأدب والفن والموسيقى والمسرح, وعلى مدى القرون الثلاثة المنصرمة على الأقل قدم الألمان نخبة رائعة من المفكرين والفلاسفة والفنانين والأدباء الشعراء وكتاب الروايات والقصة والمسرحيات, إضافة إلى فن الرسم النحت وفن الغناء والموسيقى. ولهذا فأن ارتباط عراقي بأي امرأة ألمانية ستجره لا محالة إلى التمتع ببعض هذه المجالات وتشده إليها.
المسألة التي كان بودي أن يتطرق إليها الزميل عبود والتي لم أعثر عليها تمس عملية التنوير التي شهدتها ألمانيا والتي تتجلى اليوم وبعد عدة قرون من بدئها في حياتها السياسية والاجتماعية والعلاقة بين الدين والدولة. أي الأخذ بمبدأ المجتمع المدني العلماني الذي يفصل بين الدين والدولة, إذ لكل منهما مجال اختصاصه ولا يتدخل في شئون الآخر, وهو الذي قاد إلى الكثير من الاستقرار والابتعاد عن الخلافات المذهبية في الديانة المسيحية. الاحترام الكامل لكل الأديان والمذاهب وحرية الإنسان في ممارستها, ولا دخل للدولة فيها, كما لا تتدخل الكنيسة في شئون الدولة.
يطرح الأستاذ الدكتور العبود ملاحظة يكتشفها كل عراقي أو أي مواطن من الدول النامية في المجتمعات الأوروبية المتقدمة, ومنها المجتمع الألماني, وهي التي يقول عنها العبود “ظاهرة غياب التماسك العائلي والوفاء والالتزام بين أفراد العائلة. فالفرد الألماني يعتمد على عمله وعلى الدولة في تهيئة متطلبات معيشته الضرورية, والأبوان يلتزمان بتوفير متطلبات معيشة أولادهم حسب القوانين ولحين بلوغ سن الرشد, وبعد ذلك ينبغي أن يعتمد الأولاد على أنفسهم, …”. (ص 114/115).
إن وجود هذه الظاهرة يرتبط عضوياً بواقع التحولات التي بدأت في ألمانيا مع المرحلة الأولى من التصنيع في المانيا, وها نحن اليوم في المرحلة الثالثة, أي مع بدء التصنيع ونمو العلاقات الإنتاجية الرأسمالية والبرجوازية الألمانية والقضاء على الإقطاع والعلاقات الإقطاعية, أي مع بروز ظاهرة العمل الأجير وبيع قوة العمل وتطور العلاقات الرأسمالية التي فرضت علاقات جديدة على الفرد والعائلة والعشيرة والمجتمع. لقد كانت العلاقات العائلية والعشائرية الألمانية في فترة العلاقات الإقطاعية لا تختلف عن العلاقات العائلية والعشائرية في العراق أو في أي بلد آخر من الدول النامية. ولكن مع تطور الرأسمالية والتصنيع ومستلزمات الحياة الجديدة وقوانينها الموضوعية والقوانين الوضعية برزت ظواهر جديدة تحددت عبر طبيعة العلاقات الجديدة, إذ تتكون العائلة الواحدة من الأب والأم والأبناء, من نبات وأولاد, وبالجدتين والجدين من الطرفين. وهنا تنتهي سلسلة العائلة الواحدة, ولكن هذا لا يعني أن ليست هناك علاقات مع أبناء وبنات العمة والعم أو الخالة والخال, ولكنها ليست كثيفة ولا حميمية ومتروكة للصدف. وحين يترك الولد أو البنت بيت الأبوين يكون قد وجد له عملاً أو دراسة, وهو لا يحتاج بالضرورة إلى مساعدة الأبوين. وكانت هذه العلاقة في ريف ألمانيا الشرقية مثلاً تختلف إلى حد ما عن ريف ألمانيا الغربية بسبب التقدم التقني وشروط العمل التي كانت قد تطورت في ألمانيا الاتحادية أكثر منها في ألمانيا الغربية, إلا أن الاختلاف لم يكن كبيراً. وليس في العلاقات الألمانية ما يفترض أن نسميه عدم الوفاء وغياب التماسك العائلي على الطريقة الشرقية المرهقة للجميع, بل هناك وفاء والتزام بالحدود المطلوبة والمعقولة والمقبولة من الجميع. ولا شك في أن هذه الأحكام تبقى شرقية ومعبرة عن شعورنا نحوها ولا تقر وغير مفهومة أحياناً غير قليلة من جانب الألمان. وأعتقد أن حب الأشياء الخاصة حالة طبيعية لدى الأفراد في كل المجتمعات, فالألماني لا يعرف مثلاً كلمة “أگبل” عندما تجد لدى شخص معين حلة جميلة أو مسبحة رشيقة غالية الثمن أو قلماً ممتازاً (باركر 51 مثلاً) أو حتى رباط عنق بديع, فتقول له هذا جميل مثلاً, فيكون جوابه لك عراقياً وبشكل مباشر “بالعرضة” أو “أگبل” أي “إقبله هدية مني”. فهذا الشيء غير معهود لديهم وغريب ايضاً, وهو ليس بالضرورة يعبر عن حالة إيجابية أو كرم خاص بالضرورة.
يقدم الكاتب عبود وصفاً جميلاً وشيقاً عن الأعياد وحفلات الزفاف أو الطلاق لأي سبب كان أو العشرة المشتركة دون زواج, والمتعارف عليه في بلداننا بـ “الخليلة”. كما يمنحنا صورة واقعية عن المهارات التي يتمتع بها الإنسان الألماني أياً كان مركزه العلمي وشهادته العالية أو منصبه الوزاري, فهو قادر ومستعد ويمارس تصليح سيارته أو أي عطل في حنفية بيته أو كهربائيات الدار أو الشقة. ونجد في القسم الشرقي من ألمانيا حتى اليوم أن جميع أساتذتهم في الجامعات وفي مراكز البحث العلمي يحملون مع تلك الشهادات العالية حرفة أو مهنة معينة فيقال أنه حداد أو نجار أو بناء أو ميكانيكي أو كهربائي أو باني أسقف السطوح …الخ.
في هذا القسم من الكتاب متعة خاصة حيث يصف الدكتور عبود الكثير من العادات والعلاقات الاجتماعية وموقفه منها كقادم من شرق متخلف ومهموم ومحروم, كما يوضح تطور علاقاته بعدد كبير من الناس الألمان من أوساط المثقفين, وخاصة علاقاته الحميمة والدافئة بالنسوة. لقد كان عبد الأمير رحيمة العبود فارساً مغواراً وكازانوفاً جائعاً قادماً من المجر الكبير إلى ألمانيا. وكان وما يزال يتندر على زميله كاظم حبيب الذي تزوج مبكراً ولم يذق في حياته غير طعم الباذنجان, في حين أن المفروض في الرجل كما يرى العبود, وخاصة الشرقي, أن يذوق طعم ويشم رائحة كل الأكلات الشهية!
20/6/2007
انتهت الحلقة الثانية وتليها الحلقة الثالثة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *