الرئيسية » مقالات » الطائفية حين تتغلب على الكفاءة

الطائفية حين تتغلب على الكفاءة

في مرحلة بناء او تأسيس أي كيان سياسي لابد من تشخيص الكفاءات التي تخدم عملية البناء والتأسيس وزجها في عملية البناء ،ولابد من حشد الطاقات التي تكون في مكانها المناسب ودون ذلك يتم البناء مرتبكا وعفويا يتخلله الخلل ويمتلأ بالأخطاء التي ربما تتراكم ويتداعى معها البناء كله .
وعملية المحاصصة الطائفية المقيتة في العراق ، لاتمثل الا موقفا يسيء للعراق ، ولايفيد أو يساعد عملية بناء دولة العراق الديمقراطية والفيدرالية ، ولايخدم رصانة البناء الدستوري والقانوني ، ولايجسد المطلب العراقي الوطني ، حيث يحل تزاحم العناصر الطائفية بديلا عن العناصر الكفوءة ، وهذه العملية ستكلف العراق خسارة كبيرة فوق خساراته المتراكمة فتزيد من مرارته ، وهذه العملية تساهم في تشتيت الطاقات العراقية وتهميش العقول التي لم تجد لها الفرصة أمام التزاحم الطائفي الحاصل في العراق اليوم ، وتزيد من الخسارة الجسيمة التي تلحق به وبمستقبله .
والمتمعن في الأسماء التي غطتها القوائم المتنافسة في مجلس النواب العراقي ، والتي لم يكن لأهل العراق ممن لاسند لهم ولاطائفة ولاحزب ، لم يكن لهم الخيار في ان يتم رفضها اوقبولها ، فكانت مفروضة على العراق بأمر القائمة ، وما عاد للعراقي اي خيار في ان يختار الأكفاً ، وليس له الخيار في ان يشخص ممن ينال ثقة العراقيين ، فحلت تلك الأسماء ممثلة للعراقيين دستوريا في مجلس النواب ، وكان عليها ان تتحمل مسؤوليتها التاريخية ، غير اننا حصدنا منها كل المرارة التي تراكمت خلال هذا الزمن المر الذي يتطلع فيه العراقي بعيون ممتلئة بالدموع وقلوب تنضح بالقيح ، يتطلع العراقي الى وجوه بعض من أعضاء مجلس النواب وهي تضحك ملء أشداقها على الذقون ، فنتحسر على ما صار اليه الحال ونضرب كفا بكف ، ولن نستغرب حين تقف عضوات في مجلس النواب من النساء ضد قرارات انصاف المرأة .
وليت الأمر يقف عند هذه الحدود ، فقد استشرى الوباء الطائفي والتعصب الديني الى كافة مرافق الدولة العراقية ، وبات العراقيين الأصلاء من أهل الديانات غير الأسلامية موضع اتهام ومطاردة وتهميش ، وبات هؤلاء يريدون الحفاظ على كرامتهم وشرفهم وبيوتهم دون ان يجدوا السند في دولة يعز فيها الموقف الرسمي والديني والأجتماعي ، وتضيع الكثير من الحقوق وتنقلب المعايير ، وصار المسيحيين والأيزيديين والمندائيين غرباء في عراقهم الذي رعوه بأعمارهم وسقوه بماء العيون ، وقدموا خيرة شبابهم من اجله .
وليت الأمر عند هذه الحدود ، فقد تم توزيع المراكز الوظيفية وفقاً للحصص الطائفية ، وأستمرار لعملية هدم الأساس المتبقي للدولة العراقية ، بادرت تلك الأحزاب والمراكز الطائفية تبحث عن أي اسم من توابعها وخاصتها ، وحين عجزت أن تجد من الطاقات والكفاءات ، لجأت الى أختيار تلك الأسماء التي لم تكن تملك القدرة في أدارة شؤون بيوتها ، واضحت قادة للعراق مع عجزها الفاضح عن تقديم خدمة للمواطن والعراق ، وعدم تمكنها من خدمة تلك الوظائف او المراكز التي احتلتها بسلاح الطائفية ، وتم تغييب الطاقات والكفاءات من ابناء تلك الديانات ، وصارتوزيع الوظائف والمراكز يتم بينهم قسمة ضيزى ، وصار الأختيار وفقا للطائفة التي يزعم الجميع رفضها ، ويتصنع الجميع استنكارها ، ولم نسمع جريئا يصرح بأنه طائفي سوى عضو في البرلمان ، في حين يخبيء الآخرين رؤوسهم .
وصارت المناصب توزع وفقا لجدول الضرب ، وما على المواطن العراقي الا ان يستمع للفضائح التي تعدت حدود الأختلاس والسرقات ووصلت الى عمليات النصب والأحتيال ، حتى باتت الناس تجزم بأنه مامن أحد لايسرق ، واختلط الحابل بالنابل ، غير ان هؤلاء وهم يسرقون قوت الفقراء والمحرومين ويمارسون عملية النشل والسرقة في وضح النهار بحكم مناصبهم ووظائفهم الطافية ، خانوا الأمانة مع انهم لم يكنوا أهلا لها ، ومع انهم لم يكنوا أصلا أهلا لتحمل تلك الأمانة ، ومع انهم يزاحمون الطاقات العراقية التي لم تجد لها موطيء قدم ولا عملا يتناسب مع قدراتها فغادرت العراق ، او انزوت في اركان بيوتها لاتلوي على شيء ، غير آسفة الا على مستقبل العراق ، وبقي الأسف على تلك الأرواح التي تقدمت للتضحية في سبيل خلاص العراق من الدكتاتورية ليقع في فخ الطائفية وطلاب المناصب وسراق مال العراق .
الصراع الدائر في مجلس النواب والذي يمثل حالة صادقة وطبيعية لما يصدر عن تلك النماذج التي ضمتها القوائم فسترت احوالها ، وأختلطت بأسماء رفيعة وقادرة على العطاء في نفس المجلس ، أسماء يمكن لها ان تقود العملية السياسية بأقتدار ، غير ان دورها بدا ضعيفا امام الأختلاط الحاصل في المجلس فخلطوا حابلهم بنابلهم ، غير ان الأسماء الباهتة وغير الفاعلة لم تزل تطغي على عمل وفاعلية المجلس ، وتعيق عملية التأسيس الدستوري ، وتعرقل بناء الدولة العراقية الجديدة ، وتبذل الجهود لعرقلة كل المشاريع الوطنية ، حماية للطائفية والتعصب الديني الذي بدأ يأخذ منهجا عاما في العراق .
القوائم التي فرضت على العراقيين ، سببت هذا الخلط غير المنصف والحصاد الطبيعي لعملية الزرع الطائفي ، سلبت من العراقي حقه في الأختيار والتدقيق والأنصاف ، وسلبت ايضا حق القدرات الوطنية والكفاءات العراقية من ان تتبوء مراكزها التي تعطي من خلالها للعراق ، والتي تليق بها في هذه المرحلة الصعبة من مراحل عمر العراق ، وسلبت من العراق فرصة أخرى من الزمن واللحاق بالمستقبل .
مامن أحد يقر بأنه طائفي مع ان الجميع تحت ظل الطائفية ، ومامن احد يريد الطائفية لكنهم يوزعون المراكز طائفيا ، فالى أين يمضي العراق وهم يقودون دفته ويكرسون الطائفية ؟ وماذا حصل العراق خلال تلك الفترة التي أعاقوا بها تقدمه ؟ ومن سيحاسب من حين تمت سرقة أموال العراق وعائدات النفط التي لم يتعرف العراقي لحد اللحظة عن حقيقة وحجم السرقات منها ، وبات لايعرف سوى فتات الأخبار التي يتم طمرها واسكات مصادرها عن مئات السراق والنهابين ، وعن عشرات المسؤولين الذين فروا بملايين العراق وبدأوا ببناء امبراطورياتهم خارج العراق ، وعن مئات المسؤولين الذين لم يكن لهم هم او حرقة على العراق ، لكن همهم الأول حصولهم على الرواتب الضخمة من الخزينة العراقية وترتيب امور اقاربهم وعوائلهم ضمن كتائب الحماية والحراسات الشخصية ، فظهرت الشركات والأرصدة والقصور والشقق الفاخرة فجاءة في زمن الجوع والمحنة في العراق .
عن أي بناء يتحدثون والعراق يمضي به قطار الطائفية ، وأمام انظارنا مذابح المسيحيين والمندائيين والأيزيديين ؟ ودون ان يتحرك رجال الدين والمجتمع في وقفة تليق بالعراق ، وعن أي مستقبل يتحدثون وعشرات الأسماء فرت هاربة من وظائفها بعد ان تمكنت من اقتناص الفرص .
نعم للطائفية ولا للكفاءة ولا للطاقات الوطنية التي تخدم العراق ، فضمانة شخص يتمسك بالطائفة خير من عالم عراقي غير مسلم ، وتنسيب شخص من حزب طائفي ضمانة وتكريم لهذا الحزب بديلا عن الطاقة العراقية التي لاحزب لها ولاسند ، وتمت قسمة المراكز العلمية والأمنية وفقا للأعتبار الطائفي ، والمواطن العراقي هو الوحيد الذي لايعرف كيفية القسمة الطائفية ، ولايعرف من يسرقه ومن يخون الأمانة ، والعراقي هو الشخص الوحيد الذي لايعرف كيف يتم التقسيم والتحاصص ، والعراقي هو الشخص الوحيد الذي لايتمكن ان يتعرف على الأسرار التي تشتغل نارا تحت هذا العراق .
وبعد كل هذا لن نتعجب على ما يدور ضمن مجلس النواب ، كما لن نتعجب على ما يدور في مفاصل الدولة العراقية ، ولن نتعجب على النكات العراقية التي تتحدث عن قدرات المسؤولين الذين تم حشرهم حشرا في تلك المراكز ، ولم يحسنوا ادارتها ولا أختصاصها ، ولم يتم محاسبة فاشل او غير مؤهل او مفرط بحق الشعب ، وهذا زمن جديد لابد من تقسيم السلطة طائفيا ، ما دامت المحاصصة بدأت من البرلمان ، وهو سلطتنا التشريعية العتيدة .
نعم للطائفية والف لا للطاقات العراقية التي فرت من العراق في زمن الطاغية العراقي ، او في زمن ما بعد سقوط الدكتاتورية ، ونعم للطائفية التي وحدها توصلنا الى تقسيمات عادلة وتوزيعات متوازنة للوظائف والمراكز، وبغير تلك الطائفية سيضيع مستقبل العراق !!! ويضيع معه النفط وأيراداته التي لم يستطع الأمريكان ان يلحقوا ليسرقوها فسرقها ابناء العراق قبلهم ، ولكن اخوتهم في السلطة خجلوا ان يفضحوا اسماؤهم ، وازدادوا احمرارا حين صارت الأسماء بالعشرات ، وبناء على الطائفية المتنوعة في العراق صار الأتفاق ان يتم طمر كل الأسماء خشية من شماتة الأعداء ، وانسجاما مع الأتفاقات الجارية والأعراف التي تعم العمل السياسي في العراق اليوم صار لزاما ان تتستر لي على ان اتستر عليك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *