الرئيسية » مقالات » الإشكالية المزمنة بين الدين والسياسة / 5 الحلقة الأخيرة

الإشكالية المزمنة بين الدين والسياسة / 5 الحلقة الأخيرة

فلسفة الأهداف السياسية :

متابعة ً لما ذكرناه في الحلقة الرابعة وثبتنا فيها بعض التأصيل , أن لا فرق بين الإسلامي والعلماني من حيث تحقيق الأهداف السياسية , إلا في الاختلاف بالـنظرة , فالأول ينظر من خلال عقيدته والثاني ينظر على إن الدين علاقة فردية . الاثنان يعتقدان أن الغاية والأهداف الجيدة تـُبرر لهم استخدام الوسائل السيئة للوصول إلى ( الحكم) وهذا لا يعني أن الغاية أصبحت سيئة , بالرغم من إن تحقيقها يتطلب وسائل سيئة حتى ولو كانت تلك الوسيلة لاحتلال , مادامت الغاية والأهداف تتحرك وتعمل مع حركة التاريخ وتنتـقـل بالمجتمع من صعيد إلى صعيد تاريخي جديد أي من نظام ديكتاتوري مستبد إلى نظام تعددي ديمقراطي , شريطة أن لا تتحول هذه الوسيلة ( الحكم والسلطة) إلى غاية فتضمحل وتسقط عنها الشرعية الأخلاقية .

سياسة قارب النجاة:
وعلى ضوء هذا النظرية والسلوك المتبع نقول إن الإسلامي والعلماني في قارب نجاة واحد مع اختلاف لون المجداف الذي أبحرا فيه, ولكن يبقى الشرط قائما ً في توجيه البوصلة بيدي الشركة الناقلة. وأفضل مثل لتقريب الصورة ( السلطة العراقية الحالية) . فطبيعة الصراع الدولي والإقليمي والمصالح المتفاعلة لكل هذه الأطراف دفعت وأغرت النخبة السياسية الحاكمة في العراق , العلمانية والإسلامية منها علي حدا ٍ سواء , أن تتخذ من قارب النجاة وسيلة نقل سهلة ومجانية للفوز بالسلطة , ولكن شعبنا العراقي هو من دفع ولا يزال يدفع ثمن الفاتورة للذين اعتقدوا مجانية النقل بحسن نيةٍ أو بخبثٍ سياسي, وهؤلاء لم يكترث للدماء العراقية البريئة , وليس في ذهنهم إلا المحاصصة والاستحواذ على السلطة بأية طريقة كانت , والتي من خلالها استطاعوا الخلط والمزج بين السلطتين الدينية والسياسية ً بنموذج ٍ جديد ٍ ( ناجح ) بحسب ظنهم. وهذا(النجاح ُ)أتى بفضل ديمقراطية الفوضى الخلاقة وديمقراطية القتل والدمار للشعب العراقي , والتي للأول مرة يتعرف الشعب العراقي على نموذج الخليط والتمازج بين هاتين السلطتين الدينية والسياسية في زمن الاحتلال الأمريكي للعراق في نيسان / عام ( 2003 ) بعد أن كانت هذه الأحزاب الإسلامية والحركات الحاكمة ذاتها ترفض رفضا ً قاطعا ً أي مشروع للحكم المشترك مع بعضها البعض!!! وكأني بلسان حال تلك الأحزاب يقول .. وداعا ً أيتها المبادئ !!

مصدر السلطة الدينية والسياسية :

ولنتفحص المرجعيات والحركات والأحزاب الإسلامية من حيث المصدر الذي تعتمد عليه في تشخيص هاتين السلطتين الدينية والسياسية, ولنبدأ أولا بالحديث عن مصدر السلطة الدينية. فكما هو معروف فأن مصدر هذه السلطة هو الله جل جلاله , والسلطة الدينية كما تطرح نفسها ممثلة و متصلة في الغيب من جهة المصدر والغاية . وكذلك يعتقد أصحاب هذا الرأي بان السلطة الدينية تتأرجح في التنافس والتنازع بين الحركات والأحزاب الإسلامية من جهة وبين المرجعيات الدينية من جهة أخرى كما نراه حاصل في الوقت الراهن. وقد تجلت هذه الصورة بشكلها الفاعل والقوي في الانتخابات العامة العراقية لسنة (2005) والتي في حينها أُقحمت المرجعيات الدينية بشكل فاعل ومهيمن في كسب وتجاذب أصوات المقترعين , والتي امتدت تأثيراتها الدعائية إلى إلزام المقترعين بالتصويت لقائمة معينة دون غيرها , والا فأن مصير مَنْ لا يشاركوا ولا ينتخبوا تلك القائمة الويل والثبور في الدنيا والآخرة .

المرجعيات الدينية ولاية الفقيه:

المثل الأخر الواضح قد تجسد عند الجارة الشرقية للعراق , الجمهورية الإسلامية الإيرانية , فان مرجعياتها الدينية طرحت مشروعها في الحكم على انه الممثل الشرعي لهذا المصدر الغيبي على الأرض وحسمت أمرها باتخاذ منهج ولاية الفقيه في الحكم والسلطة, لذلك كان الاندماج كاملا وطبيعيا ً بين السلطتين الدينية والسياسية في آلية نظام الحكم , وهذا ما أفرزته بالفعل التجربة الإيرانية على مدى أكثر من عقدين من الزمان والى يومنا هذا . فإيران دولة إسلامية ومضمون الحكم والسلطة فيها ديني وتعتبر إن الدين أساسا شاملا لجميع ميادين الحياة , وتكون السلطة الدينية فيها مستوعبة للسلطة السياسية . أما في العراق على ما يبدو ليس هناك من عامل ٍ حاسم ونهائي لحل الإشكالية المزمنة, وذلك لعدة أسباب منها طبيعة الحوزات الدينية في العراق ,
والتي يتراوح اعتقادها وعملها بين التصدي الفعلي والكامل لمشروع السلطة وتحكيم الإسلام وحل الإشكالية ضمن هذا التصور , وكان رائد هذا التوجه الإسلامي الشهيد المرجع آية الله السيد محمد باقر الصدر( رض ), والتحق به بنفس المنهج والخط والريادة الشهيد المرجع آية الله السيد محمد محمد صادق الصد( رض ) .
أما التصور والاعتقاد الأخر لبعض المرجعيات التي تفضل الانكماش والابتعاد عن السلطة بكل مفرداتها والاكتفاء بالشكل النظري للإسلام عن طريق النصح والإرشاد تارة والسكوت تارة أخرى . وهذا يدلنا على إن الطرفين قد تلمسا الشكل الواضح لمصدر السلطة بكامل أبعاده , بالرغم من الاختلاف في الطريقة والمنهج عند بعضهم البعض الأخر, و كذلك الاختلاف عند معظم الاتجاهات والديانات الأخرى , و يبقى السؤال المهم والعالق , هل هناك من اتفاق على مرجعية دينية واحدة بين كل هذه الاتجاهات والديانات على من يتولى هذه السلطة من بني الإنسان ؟ وما هي تلك المعايير والمواصفات لذلك الإنسان الممثل لهذه السلطة على الأرض, وماهية هذه السلطة ؟ و ما هي الطريقة والكيفية التي تنتقل بها السلطة إلى الإنسان ؟ وما هي الفترة الزمنية التي يحق للإنسان فيها الاستمرار بالسلطة ؟ وهناك أسئلة وتفاصيل تطول وتطول في هذا الخصوص وتمتد إلى مالا نهاية , وهذا مما لا غرض لنا في بحثه الآن.

فلسفة ومصدر السلطة عند اللاديني :

أما الفريق الثاني اللاديني العلماني فمصدر السلطة السياسية عنده يتحدد في عالم الإنسان من دون النظر إلى ما فوق هذا الإنسان . وهذا الإنسان لا يحتاج بالضرورة إلى بحث ميتافيزيقي خارج عالمه . لان السلطة السياسية كما يقول أصحاب هذا الرأي سلطة دنيوية من ألفها إلى يائها, إذ إن مصدرها لا يتعدى طبيعة الوجود الاجتماعي , وغايتها لا تتعدى الشرط الاجتماعي لسعادة الإنسان في الدنيا . وبهذه النظرة الفلسفية استطاع الإنسان أن يخترق التصور المهيمن على نطاق الأطر الحياتية على الصعيد السياسي والتي كان يعتقد الإنسان حينها ,إنها مقدرة له من قبل نظام الخلق والتكوين , وكان الطابع القدري المحتوم هو المسيطر على عقلية صناعة الفكر السياسي للسلطة , وبعد انهيار النظام الكنسي في عصر التنوير بدأت التحولات الجديدة في الغرب و بدء التحرر من القيود والأغلال الفكرية القديمة و بناء المنظومة السياسية الجديدة بعيدا ً عن الميتافيزيقية للفكر الكنسي وبعيدا ً عن أرباب الكنيسة وثيابها المقدسة . و إن هذا الفريق وهذه الفلسفة جعلت من الإنسان مركزا ً للخليقة ومصدرا ً للتشريع وغاية ً للتطور.

الـنــتيـجـــة :

لقد هدفنا من خلال هذا البحث , طرح اغلب السبل المؤدية إلى فهم الإشكالية بطبيعتها المعقدة والشائكة , وحاولنا بكل جهد أن نفكك هذه الظاهرة لإعادة تركيبها , والقينا نظرة فاحصة حول أهم المقومات والمبررات لوجود السلطة السياسية في الفكر الإسلامي, اخذين بنظر الاعتبار الخصائص العامة للدين كظاهرة تاريخية , وكذلك التداخل بين الدين والسياسة ضمن التركيبية الاجتماعية والثقافية لكل مجتمع . وبعبارة أخرى إن فض الاشتباك الحاصل بين الدين والسياسة , من خلال التطور المنطقي في فهم التحولات الكبرى بكافة محاور الحياة العلمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية .
وتعرضنا بالشرح والتفصيل لتيارين تجاذبا التصدي بين القبول والرفض للدين في بناء السلطة السياسية بين دولة القانون ودولة الفتوى . ثم بعد ذلك مررنا بشيء من التفصيل على بعض الرؤى في وظيفة كل من الدين والسياسة , والكيفية والطريقة التي يفترق فيها الدين عن السياسية لاعتقاد وظن هذا الفريق بان الدين استخدمه السياسيون لخداع الشعوب وتبرير المظالم وغصب الحقوق , وبين الفريق الأخر الذي يعتقد إن السياسة تقوم على مبادئ وأصول إنسانية محورها الدين, وان السياسة التي تخضع لإرادة الدين لا يكون الحكم هدفا بعينه وإنما وسيلة لتحقيق غايات كبرى وسامية لأنها تسعى لمجتمع متكامل . وتابعنا الحديث عن التلازم بين وجود الدولة ودعوة الإسلام لتطبيق شرع الله بحيث لا يمكن الفصل بينهما في التصور الإسلامي . وختام البحث كان التعرض بشيء من التفصيل لمصدر السلطة عند الطرفيين .

2007-06-24

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *