الرئيسية » مقالات » القضية الفلاحية في العراق المعاصر – القسم الاول

القضية الفلاحية في العراق المعاصر – القسم الاول

القضية الفلاحية في العراق المعاصر – القسم الاول المهندس الاستشاري/ سلام ابراهيم عطوف كبة يعاني المجتمع العراقي في ظل السياسة الاميركية الخاطئة والارهاب والمحاصصة وتردي الاوضاع الامنية والسياسية من مظاهر الاحباط والتمزق ومحاولات اخضاع كامل البلاد لصناعة الفوضى البارعة واسباغ المغانم والاهمية على المؤسسة العشائرية وزعماء العشائر ، وتصاعد سيطرة رجال الدين مع انتعاش للآمال العروبية والبدع الطائفية ومشاعر التمرد والضياع ! … ورغم ما تتميز به العشائر العراقية من سمات الشجاعة والجسارة والاقدام والتي افصحت عنها ابان ثورة العشرين الا انها كانت ولازالت مرتعا للبؤس الطبقي والفقر والقذارة والظلام على حد تعبير الروائي الراحل محمود السيد ” قصة ( في سبيل الزواج )/1921″ حين يقول :”الفلاح العراقي احقر من الدواب شأنا”. لا تملك الحكومة العراقية العصا السحرية لحل الازمات العامة المستعصية والمستفحلة التي تعصف بالوطن لكنها تتحمل الجزء الكبير من المسؤولية ، عن الوضع الامني والخدمي بالاخص .. لقد ساندت اجهزة دولة ما بعد التاسع من نيسان العشائر بهدف احتواء الارهاب وعصابات الاجرام المنظم والميليشيات المتعددة الارتباطات المتنوعة الخفايا لأن العشيرة وفق تقاليدها تبقى مسؤولة عن تصرفات افرادها واخطاءهم وحمايتهم حتى لو كانوا مخطئين ضد اي اعتداء عليهم … الا انها اي الحكومة العراقية بدل ذلك عمقت الاستغلال الطبقي في الريف ليستمر الصراع على الارض وليبقى العراق بلدا زراعيا متخلفا كما عمقته داخل المدن لتشيع أخلاقيات المجتمع الأستهلاكي – الطفيلي الصاعد. تحت تهديد البطالة يتعمق عناء الفلاح العراقي العامل بأجر زهيد لساعات طويلة قاسية بينما يكون مصيره في حالة التمرد والعصيان ورفض الانخراط في فعاليات السوق السوداء والتهريب والاعمال اللصوصية والاجرامية اللعنة العشائرية التي تحول بيوت الفلاحين الى رماد ليجر صلم الآذان وتشويهها واجبار اصحابها على اكلها .. ولا تجد المرأة في الريف العراقي سبيلا للخلاص من المظالم العشائرية الا بالموت . كما توسعت قداسة المضايف العشائرية وصلاحيات السادة لتتحول من مجالس حل للمنازعات وفق الاعراف العشائرية الى محاكم تفتيش قروسطية تفوح منها رائحة الموت والدمار !. هكذا ينتشر الارهاب والفساد الاداري والرشوة واعمال النهب وتتوسع قسوة الطبيعة والآفات والاوبئة والأمية ويزداد تآمر كبار الملاك على المشاريع الزراعية ومظاهر العلم وعلى المتعلمين وخريجي الجامعات. ويبرز رجل الدين مجددا معينا لكبار الملاك ضد الاجراء المعدمين ومعاديا للتطور وللعلم ناشرا للخرافة معمقا للشعوذة .. لا غرابة ان تقف الطبقات في الريف العراقي اليوم وجها لوجه امام الحياة في كفاحها اليومي المرير في سبيل البقاء وسط حمى طبقية حامية الوطيس . سنتناول في هذه الدراسة القضية الفلاحية العراقية من زوايا : • التوازنات العشائرية القلقة . • البنية الاجتمااقتصادية الهجينية . • العامل الجيوسياسي . • الثورات الفلاحية . • حركات الاصلاح الزراعي . • التعاون الزراعي . • السياسة الزراعية والتنمية الريفية . كان تشجيع الاستعمار للولاءات دون الوطنية وتحفيزه حراك المجتمع الاهلي هو سياسة ثابتة متعمدة لبناء المؤسسات السياسية التي أقامها وفق مظلة الأفكار الأبوية والطائفية ، والإبقاء على البنية التقليدية بكل هياكلها الأساسية، واسناد الثقافات الخرافية السحرية الغيبية والظلامية ، والطائفية والأمية والذكورية سائدة بين الشعوب. وحتى حين نشأت الحركات التحررية الوطنية والقومية و الدينية المختلفة، فإن هذه الحركات واصلت إعادة إنتاج الثقافات دون الوطنية و العابرة للوطنية والتخلف والجهل ، حين أضفت على العرب والكرد والاسلام طابعا سحريا كأمم غير مقسمة طبقيا، ومتحدة في جوهر غيبي خارج تحليل التاريخ. • التوازنات العشائرية القلقة إن العشائرية مؤسسة مراتبية طبقية سياسية لمؤسسة فكرية ثقافية اقتصادية هي الأبوية (البطريركية) ، وكلتاهما تشترط الاخرى وتستدعيه بالضرورة ، وهي جزء من المجتمع الاهلي الذي لم يرتق بعد الى مصاف المؤسساتية المدنية او المجتمع المدني . إذا حفرنا تحت المستوى الاجتماعي للبناء العتيق والولاء للقوى التقليدية السياسية والمذهبية في عراقنا لوجدنا خصائص الكمون الأبوي ، والذكوري المتسيد ، والعشائري ، والطائفي ، وتمجيد التجارة ، وكراهية العمل الصناعي التقني … وغيرها من الخصائص التي تتحكم في نشاطه الاجتماعي الخفي…. وهذه الخصائص هي سمات المجتمع الأهلي اي الولاءات القديمة وريثة العلاقات ما قبل الرأسمالية حيث بقي محافظا على كيانه و مقومات وجوده …. اما المجتمع المدني فيعني الولاءات الجديدة المنسجمة مع التقدم الاجتماعي وقد بقي في عموم العراق مهيض الجناح تهزه زلازل أعماق المخزون السلطاني والمملوكي الانكشاري وتتقاذفه حمم براكين العشائرية والطائفية……! ( سلام كبة / الطائفية السياسية – قطار رجعي ينطلق دون رحمة داهسا تحته الجميع !) لا يمكن لشيخ العشيرة وزعيمها الا إن يكون الأغنى ، ولذلك ينافسه على الزعامة من هم اقرب إلى قامته في الثروة … ولا يمكن للفقير إن يحلم بهذه المنافسة . كان يمكن للفقير ان ينافس الغني في العصور القديمة وربما البدائية على الزعامة اذا كان الأقوى جسديا، لكن هذا العصر انتهى عندما حلت الملكية الخاصة محل المشاعية وحلت الثروة محل هبات الطبيعة . بمعنى اكثر وضوحا ترتكز هذه المؤسسة المراتبية السياسية بالضرورة على مؤسسة الملكية الخاصة ، على قوة الثروة . في العشائرية والمجتمع العشائري يصبح “تنصيب” الغني او الثري ( وليس شرطا الرأسمالي ) زعيما أمرا مقبولا وأساسيا بغض النظر عن مصدر الثروة . لا يسال الغني في العشيرة عن مصدر ثروته ولا تهتم العشيرة بذلك ولا تحاسبه حتى لو كان المصدر هو اللصوصية والنهب والتجارة غير المشروعة والقتل والاغتصاب وحتى الاحتلال الاجنبي على حد تعبير الكاتب الفلسطيني عادل سمارة …. كل ذلك بسبب انخفاض مستوى الخلفية الثقافية والسياسية لدى أكثرية المجتمع العشائري على حساب القضية الوطنية. وحينما تنخفض مستوى القيم الوطنية ، لا يعود هناك تساؤل عن نظافة ومصدر الثروات .. اما السلطات الاجتماعية والاقتصادية التي تستجمعها البيوتات والأفخاذ عبر الصلات العشائرية فتمكنها من البروز المستقل ، وخاصة لحظات تعرض الدولة إلى الوهن. مع ذلك تبقى العشائر العراقية وحدة اجتماعية وسياسية عريقة ذات تاريخ مشرف امتلكت الادوار السياسية الهامة في تاريخ العراق السياسي الحديث . وقد لحق بالفعل العسف الكبير بمكانة العشيرة الاجتماعي في بلادنا بفعل امعان الحكام في توظيف العامل العشائري في الاعمال الحربية والعسكرية والميليشياتية ودور بعض المشايخ والرموز المتنفذة في تكريس السطوة الاستبدادية واذلال الشعب . اسهم تغلغل علاقات الانتاج الرأسمالي في العراق بداية القرن العشرين في تقويض العلاقات العشائرية الابوية القائمة على الاقتصاد الطبيعي والاستثمار المشاعي للارض ، ونشوء العلاقات شبه الاقطاعية وتنامي وزنها في الانتاج الزراعي . لقد تحول ابناء العشائر من مشاركين فعليين وفق العرف في ديرة العشيرة الى مجرد اجراء عند زعماء العشائر – اصحاب الاراضي الجدد … مع ذلك لم تختف القيم العشائرية التي جرى توظيفها لخدمة العلائق الاقتصادية الجديدة! حاولت العلاقات الاقتصادية شبه الاقطاعية والرأسمالية تضمين القيم العشائرية المحتوى الجديد لصالح ترسيخ انظمتها من جهة وتعزيز السيطرة الاقتصادية على ابناء العشائر من جهة أخرى! وبحجة الوحدة العشائرية استثمرت التقاليد العشائرية في الغزو والحروب واعمال النهب واللصوصية والتجارة غير المشروعة لمواجهة التضامن الفلاحي في الريف ويقظة ابناء المدن معا الامر الذي تسبب في زج الفلاحين والكادحين البسطاء في معارك لا مصلحة لهم فيها كالاقتتال والصراع بين اصحاب الاراضي وكبار التجار انفسهم ! كما استغلت الراسمالية الجديدة التقاليد العشائرية في استفحال مظاهر الوساطة والارتشاء والتعامل مع الانشطة الطفيلية وخاصة التجارة وتهريب المحروقات ، وممارسة الفساد والافساد واعمال المضاربة، واقتصاد الصفقات والعمولات، واقامة مجتمعات الارتزاق، وتدمير منظومة القيم الاجتماعية ، والاستيلاء غير المشروع على اموال كان الواجب تخصيصها للاعمار والتنمية. الى جانب التقاليد العشائرية كان تأثير البيروقراطيات الادارية عبر الروتين العقيم والسلوك المتعالي المتعجرف للموظفين وتعقيد الاجراءات والفساد في الادارات الرسمية والمؤسسات الخاصة الامر الذي الغى كل ذلك المنافسات المشروعة، وزاد من اسعار كلف المـــشاريع والتجهيزات، وأبعد الكفاءات المهنية والاختصاصية من سوق العمل والتنافس.. وعرقل خلق المجتمع المتكامل، الذي لمواطنيه حقوق في العمل وفرص متكافئة للابداع في مناخ ديموقراطي حر، وعليهم واجبات يمليها عليهم شرف الانتماء والمواطنة. لقد اذكى النظام السائب في الدولة العثمانية نيران الاحترابات العشائرية عكس ما تمثل من ضبط للدولة عهود مدحت باشا و داود باشا حيث ركنت اكثر العشائر الى الهدوء ، ولم يشهد العراق في هذا العهد اية معركة اشترك فيها أهل المدن مع عشائر الريف ، ومع ذلك لم تعترف الدولة العثمانية بالنظام القبلي ولم تحاول ان تخلق منه كيانا قانونيا . وفي فترة الاحتلال البريطاني شهدت العشائر نظاما غير مستساغا لأنهم وجدوا فيه الصرامة والتشدد في تطبيق القوانين والانظمة . وكانت ثورة العشرين مخاض الفرق بين نظامين .. الأول : الحكم العثماني الذي ترك الحرية للعشائر في العيش وفق نمط حياتها وتقاليدها العشائرية .. الثاني : نظام الاحتلال الانكليزي الصارم الذي يتناقض مع نمط الحياة العشائرية ويحاول تطبيق نظم عدالته الاجتماعية بالاكراه والقسر حسب تعبير الدكتور سليم علي الوردي . ثبت اعتراف حكومات الاحتلال البريطاني والحكومات العراقية المتعاقبة بالنظام القبلي .. ثبت العلاقات الاقطاعية العشائرية عبر سلسلة من القوانين الوضعية في مقدمتها نظام دعاوي العشائر لسنة 1918 وتعديلاته (1). واستخدمت سلطات الاحتلال والانتداب البريطاني قانون العشائر وسيلة للتأثير على ابناء العشائر وللتلاعب واختلاق الفتن والمشاغبات بين العشائر والافخاذ والبطون والبيوتات والافراد . في الاحتلال الاول أقام الإنكليز توازنهم للقوى السياسية الداخلية في سبيل أحكام السيطرة على العراق وتمرير المشاريع والخطط وقد ادخلوا المؤسسة العشائرية في اللعبة. واختلفت سياسة حيازة الاراضي بين الاتراك والإنكليز ، فالأتراك عمدوا الى اضعاف العشائرية وأصر الانكليز على احياءها. آمن الإنكليز بالمقولة ” من يسيطر على شيوخ العشائر يسيطر عليها وليحكم العراق بسهولة “، وقد تركوا الفلاحين العراقيين في ظروف معاشية قاسية .. نهبتهم وامتصت قوتهم السلطات البريطانية والاغوات والمشيخات والسركلة . ساندت اجهزة الدولة العراقية في العهد الملكي الاستغلال الاقطاعي بدعمها الملاكين الجدد وتكبيلها الفلاحين بسن التشريعات التي تسحقهم . لقد نزعت العلاقات الاقطاعية عن البداوة رداءها وتلفحت به بعد ان تركتها عارية في الصحاري ولتمارس الاستغلال والاستبداد الاقطاعي على ابناء العشائر ، ولتتكرس ازدواجية الفرد العراقي في الريف حاله حال اخيه في المدينة !. وقد فتحت الثغرة في المؤسسة العشائرية مع تدخل النقد ، وشروع التجار باستثمار الرساميل الفائضة في الزراعة والبدء بشراء الاقطاعيات الكبيرة . كانت سيطرة الاغوات والبيكوات على الفلاحين طبقيا نتيجة منطقية للعوامل التالية:  ازدراءهم واحتقارهم للفلاحين غير العشائريين واحتقار التزاوج معهم.  خدمتهم الجليلة للعثمانيين والإنكليز والسلطات المركزية بتحولهم من زعماء وآباء يأخذون الضرائب أو وكلاء للزعماء الى جباة ضرائب للدولة .  تحولهم الى ملاك أراضي بعد الطابو واللزمة لما يتضمناه من نظام ملكية شبه خاصة وبالتالي اغتصاب الأراضي العشائرية المشاعية. ملأ الملك فيصل – السيد المطلق في البلاد بعد المعتمد البريطاني – البرلمان بزعماء الإقطاع وتجار السياسة في اتفاق غير معلن ترعى بموجبه الحكومة الاستغلال الإقطاعي للفلاحين ويوافق به الاقطاعيون على سياستها المستمدة من مصالح الاستعمار البريطاني ،وقد حصل 34 شيخ وزعيم اقطاعي عام 1924 من مجموع 99 نائبا على شرف عضوية الجمعية التأسيسية. مع ذلك امتنعت سلطات الاحتلال عن منح زعماء القبائل والعشائر الحقوق القانونية الكاملة لامتلاك الأراضي الزراعية بصورة نهائية وقانونية للأسباب التالية :  سيطرة سلطات الاحتلال على مصائر الشيوخ والاغوات مع إبقاء حق الرقبة في يدها وليبقى هؤلاء مدينين لفضل السلطات طيلة بقاءها .  إن انتزاع أراضي الفلاحين قانونيا يؤدي الى تشديد التناقضات الطبقية في الريف وخلق المحاذير للنظام الحاكم.  لا يتفق اعطاء حقوق تملك الاراضي بصورة مطلقة للنخب مع أهداف سلطات الانتداب في الكشف عن حقول النفط واستغلالها في البلاد. لقد سعى الإنكليز الى تمكين الإقطاع عبر استحداث كيان خاص للعشائر يحميه نظام مستمد من العرف العشائري ، وتطوير الزراعة في العراق من خلال نظام شبه إقطاعي ، وتعزيز نفوذ طبقة ملاك الأراضي عبر الإدارة بواسطة زعماء القبائل واصحاب الأراضي المتنفذين . ودعمت الحكومة العراقية مركز الشيوخ والاغوات ومنحتهم الملكية القانونية الخاصة على أراضي عشائرهم وجعلت البرلمان العراقي ندوة لممثليهم دون أن يلتزموا بأي التزام.وكان دورهم قد اقتصر على مجرد الاحتفاظ بمراكزهم في المجالس النيابية وعلى مقاومة التغيير.وتعاون الاقطاع المؤلف من المشايخ والافندية من محترفي السياسة باستمرار مع نظام الحكم الملكي على اساس واحد هو التأييد المطلق لسياسات الحكم القائم مهما كان ضررها بالمصالح الاساسية للشعب. وسنت لهذا الغرض التشريعات المتلاحقة : نظام دعاوي العشائر سنة 1916 ، قانون تسوية الأراضي رقم 50 لسنة 1932 ، قانون حقوق وواجبات الزراع رقم 38 لسنة 1933 .. في أجواء خانقة سادتها القيم العشائرية البالية.وقد أجاز نظام دعاوي العشائر تشكيل المجالس ( المحاكم القبلية) واحالة المتخاصمين من أبناء العشائر بأمر الحاكم السياسي اليها، والعرف العشائري قواعد تبنى عليها الأحكام وتسمى ( سواني ).. والمتخصص بعادات العشيرة يدعى العارفة ، وكان هذا القانون خطر على وحدة المجتمع لأنه يقسمه الى قسمين يخضع كل منهما لأحكام قانون خاص يختلف عن الآخر. ساهم اعتماد سلطات الاحتلال البريطاني على شيوخ العشائر عملياً في إعاقة تطور العلاقات الرأسمالية والاتجاهات الديمقراطية في المجتمع. وأصرت السلطات البريطانية، ومعها المجموعة الحاكمة من الضباط الشريفيين التي اصطف أغلب أفرادها مع سلطات الاحتلال البريطاني، على تنفيذ المخطط الذي جاءت به ورسمته لها وزارة المستعمرات البريطانية في الهند وتلك التي في مصر على سلب المزيد من أراضي الفلاحين وتسجيلها باسم كبار الملاكين وشيوخ العشائر، إضافة إلى منح الأراضي الزراعية التابعة للدولة إلى ذات الفئات الاجتماعية لتوطيد دورها ومكانتها الاقتصادية وبالتالي السياسية والاجتماعية في الريف والمجتمع عموماً، خاصة وأن الفئة الحاكمة في العهد الملكي أصبحت ممثلة أساسية لسلطات الاحتلال البريطاني ومن ثم للمصالح البريطانية في العراق من جهة، ومصالح فئة كبار الملاكين والإقطاعيين وفئة الكومبرادور التجاري اللتين استحوذتا على نسبة عالية جداً من الأراضي الزراعية ومن الدخل القومي. واكتسب ملاكو الأرض في العراق سماتهم الطبقية المشتركة بعد أن رفدوا من مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية لتمتزج روابط العراق الجديدة نسبيا مع السوق العالمية بالصيغ الاجتماعية التقليدية التي تربط قيمة الإنسان بعراقة النسب وبالدين وبالورع والبسالة القتالية في الغزوات العشائرية وسيطرة الحرف اليدوية الصغيرة وانتاج زراعة الكفاف وحتى خارج المدن بالملكية العشائرية المشاعة. لقد فعلت مبادئ التراتب الاجتماعي التقليدي فعلها عشائريا الى جانب الهرميات الدينية والاثنية والطائفية وهرميات الثروة والمنزلة والانتماء التي كانت تتطابق الى درجة كبيرة .. فمن يقف في قمة السلطات العشائرية يميل الى أن يقف في القمة فيما يتعلق بالثروة والنواحي الدينية والطائفية والانتماء والمنزلة الاجتماعية .. وارتبط التحول الى الملكية كقاعدة للتراتب الاجتماعي وفي سلم السلطة وهبوط عوامل القربى والنسب والموقع الديني واعتبارات المولد بالدور الأكبر للمال واغتصاب الاغوات للأراضي المشاعية العشائرية وبروز المضاربة بالعقارات والدعم القانوني للملكية لاسيما قوانين الأراضي العثمانية والقوانين التي اخذت بها سلطات الانتداب البريطاني . وكان التحول من مجموعة عشائرية ذات منزلة اجتماعية الى طبقة ملاك الأراضي بطيئا وهادئا … واصبحت الملكية عامل تحديد للموقع الاجتماعي أهم بكثير من المنزلة الاجتماعية التقليدية مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين ! هكذا تحول ملاك الأراضي من طبقة بذاتها الى طبقة لذاتها بعد أن رص الجميع مصالحهم المشتركة (2). ومع تعمق الوعي الطبقي كانت دائرة الازدواجية تضيق باستمرار بينما اسهم تعثر قوانين الاصلاح الزراعي المتعاقبة بعد ثورة 14 تموز 1958 المجيدة في كبح حركة الجماهير الفلاحية . ولايزال قانونا رقم (30) لسنة 1958 ورقم (117) لسنة 1970 ورقم (90) لسنة 1975 عرضة لانتفاع العناصر الاستغلالية من ملاكين وسراكيل وشيوخ عشائر ومتحايلين وغيرهم حيث اقر التوزيع بمساحات واسعة نسبيا على الملتزمين والسراكيل الرسميين والعناصر غير الفلاحية . لم تنه قوانين الاصلاح الزراعي الارتباطات العشائرية للفلاحين رغم انشاء الجمعيات الفلاحية والتعاونية لأن الاخيرة قد ظهرت ضمن الاطار العشائري مما خلد المؤسسة العشائرية في الريف العراقي . وقف عدد من زعماء العشائر العراقية الى جانب الشعب العراقي وقارعوا دكتاتورية صدام حسين وحضوا على اسقاطه .. من امثال سامي المعجون وحسين الشعلان وضاري علي الدليمي وآخرين من انصار العدالة واقامة الحكم المدني وتعزيز خيار التسامح في المجتمع .. لكن ذلك ليس تزكية للاعراف العشائرية او تأشير لخطر عودة الحياة للقيم العشائرية او حتى التحذير من تسييس الانتماء العشائري وتعشير السياسة ومن اختزال الازمة العراقية الى مكرمات وامتيازات والقاب توزع في غياب او تغييب التأسيس المدني بل هو تعبير عن القلق من اعادة انتاج النسخة الصدامية للاستقطاب العشائري ومحاولة اغواء العشائر وتحويلها الى كيانات متقابلة متقاتلة متكارهة وتحت الطلب .. وفق تعبير الاستاذ عبد المنعم الاعسم ( تعشير السياسة في العراق / الزمان / العدد 1524 ).. بذل النظام العراقي البائد حتى وهو يضخ شبكات القرابة في القوات المسلحة والإدارة الحكومية الجهد للتخلص من قوة العشائر خارج الدولة بطمأنة شيوخها على حسن النوايا وباللقاءات المباشرة معهم والثناء على ادوارهم التي يمكن ان يلعبوها في صيانة الثورة باعتبارهم ابناءها المخلصين حينا ومن بين هؤلاء الشيخ عبد الكريم الفالح رئيس عشيرة البزون والشيخ حربي المزعل رئيس عشيرة بني ركاب ، وبالاساليب الترغيبية الارهابية كاستدراج العشائر الى فخ خدمة النظام الجديد وضم الفلاحين الى جمعيات فلاحية وتعاونية هي اطر تنظيمية للحزب الحاكم مما احدث الخلخلة الحقيقية في البنية العشائرية واشاع الريبة والخوف داخل المؤسسة العشائرية حينا أخرى . وأذكى الفراغ الذي خلقته عملية احتواء الدولة للمجتمع المدني الناهض بمختلف مؤسساته شبكات القرابة بوصفها دريئة حماية و أمن و طمأنينة لتنمو الحاجات لشبكات القرابة بازدياد مع ضعف خدمات الدولة تحت تأثير الحروب والعقوبات. لم تقض عشائرية الدولة ( نموذج دولة البعث في العراق ) على جميع علاقات الالتحام العشائرية (فالح عبد الجبار / الشيخ والآيديولوجية / تقرير الشرق الأوسط /العدد 215 /2000) ….. لقد شجع النظام المقبور تأسيس العشائر التي أطلق عليها تعبير العشائر الحرة أي التي تقبل من هب و دب مادام قادرا على دفع الودي والاشتراكات الشهرية حيث لا تشترط هذه العشائر الانتساب فيها الى نسب واحد .. كما شجع شيوخ التسعينات وهم من اتباع النظام الذين لم يرثوا مواقعهم من الأجداد أو الآباء أو عبر الاستحقاق كما هو متعارف عليه بل أسسوا مكاتب الدلالية العشائرية تحت مختلف الواجهات كالعقارات مثلا لحسم النزاعات العشائرية وضمت الدواوين والصناديق العشائرية للإعانة في الأزمات المادية. وكانت بالفعل جهاز بوليسي قمعي ارتبط ب (مكتب العشائر المركزي) في حزب البعث حيث لا تقل الدرجات الحزبية للمرتزقة – الشيوخ الجدد عن عضو فرقة في حزب السلطة، وهم يحظون بالإسناد والتسليح واعتمادهم كوكلاء. وفرضت عليهم إقامة السيطرات على الطرقات في مناطقهم ومنحتهم سيارات البيك آب والغواصة والصالون التي تحمل علم العراق و علم العشيرة الخاص معا . ولم تقصد السلطات تغليب القيم العشائرية الإيجابية من اباء واعتزاز بالكرامة ورفض الظلم وحماية المظلوم والتصدي للعدوان ونخوة وشجاعة وإيثار لأنها تتنافى مع القبول بشرعية هذه السلطات نفسها .. لتسود قيم نكث الوعود والغدر واهدار دم الخصوم وإبادة العوائل وارتكاب الجرائم بأسم العشيرة. وقد وجدت هذه السلطات في تسعير الخلافات العشائرية ولو على جثث الضحايا وسيلة أخرى لحرف الغضب والنضالات الجماهيرية لأدامة حكم العشيرة الواحدة والعائلة الواحدة من جهة واضعاف قوة كامل المؤسسة العشائرية من جهة ثانية . وصرعاتها هذه أضعفت العلاقات الاجتماعية وخلفت البلبلة والتوتر وعدم التوازن ودق الأسافين في العلائق الأسرية والإنسانية…. بعبارة أخرى كان نهج النظام غائي سياسي لتحويل المؤسسة العشائرية الى تابع للاعتبارات الأمنية بالترغيب واحياء امتيازات وامجاد الماضي وبالضغط واسترداد المكارم . لقد بذل النظام العراقي البائد الجهد لتهميش الدور العشائري في شتى المجالات كالاستيلاء على المساحات الشاسعة من الأراضي وشراء ذمم الأبناء لزجهم في الأعمال التجسسية على أبناء نفس العشيرة ، وذبح زعماء العشائر بغرض إرهاب جميع العشائر وكسر شوكتها ، والتهجير القسري للعشائر وتشريدها وزرع الفتن فيما بينها ، وإذلال الشيوخ والاغوات بتنحيتهم عن زعامة العشيرة وتنصيب آخرين موالين له ..ومنع أفراد العشائر من كتابة أسماء عشائرهم أي انتماءاتهم الأصلية. سار التعشير قدما الى الامام مع انهيار نظام الخدمات الاجتماعية للدولة بسبب الحروب الكارثية والعقوبات الدولية . وجرى أحياء الديوان العشائري وأعيدت الأراضي للشيوخ ” (1000) دونم للمتعاونين ذوي العشائر الكبيرة ،(500) دونم للمتعاونين ذوي العشائر الصغيرة ، ( 100 ) دونم للفلاحين والعشائر الصغيرة.. ” ومدت المياه ومنحت المكافآت للقبض على المطلوبين من النظام .. وراكمت المشيخات المقاطعات الواسعة وبنت جيوشها الخاصة وتولت حفظ الامن في الأرياف .. وجرت قنونة القيم العشائرية الجديدة لتتحول من رجعية الى تقدمية في ليلة وضحاها منافاة للعقل وإثارة للدولة العراقية نفسها وهي حملت جنين تدمير الدولة قبل سقوط النظام الدكتاتوري والاحتلال الأميركي.ولاحت في الأفق العشائرية الاجتماعية المدينية لدعم التكافل الحزبي المديني العشائري بموازاة بيروقراطية الدولة وبتداخل معها لأن البيروقراطية تحتمي بها عند المحن ! .. والعشرنة أو السياسة العشائرية الجديدة للدكتاتورية البائدة عالم قلب رأسا على عقب ونهج أضر بالقيم الوطنية استهدف تمزيق لحمة النسيج الاجتماعي العراقي ..والعشائر الجديدة – القديمة تحولت الى مجموعات ضغط قرابية على طريقة العرابية واللوبية أي عصابات امتزجت بالتقاليد والاعراف القديمة لخلق البلبلة العشائرية بديلا لتوازن القوى العشائري التقليدي ..وتتقاطع التقاليد العشائرية الجديدة مع العرف العشائري التقليدي ، ويزرع الأول الفاشية الجديدة والثاني – عبارة عن تشاورية ديمقراطية ومصالح مشتركة رغم كونها ديمقراطية بدائية و ساذجة. ونقطة التقاطع براغماتية !( سلام كبة / المجتمع المدني والمؤسسة العشائرية). أدى تداخل الدولة والعشيرة إلى إثارة صراعات مؤسساتية وعشائرية متبادلة. وكان هذا التداخل نتيجة طبيعية لتفاعل تأثيرات العشائرية الاجتماعية وعشائرية الدولة. وهكذا فان الأفراد والمجموعات التي فصلت عن عشائرها في المراحل الأولى من تطور عشائرية الدولة عادت لتندمج بعشائرها، ويعاد اعتبارها بعد نهوض العشائرية الاجتماعية . وولدت حركة إحياء العشائر او ما يطلق عليه العشائرياتية ( Retribalization ) ما يلي : نزاعات بين الدولة والعشائر ، نزاعات بين العشائر والقطاعات اللا عشائرية في المجتمع، نزاعات بين العشائر نفسها، ونزاعات داخل الدولة. الواقع إن العشائر التي اعيد بناؤها ، سواء كانت تقليدية اصلية أم مزيفة ، لم تمتلك شيئا مشتركا مع العشائر التقليدية السابقة الا القليل ، فالوحدة والتكافل الجديد قام في المدينة فقط. ولا تعرف العشيرة المعصرنة شيئا عن الزراعة ولا تمتلك صنيعة محددة . أما المشايخ فهم في اكثر الاحيان أصحاب مهن من الطبقة المتوسطة او موظفين وما شابه ذلك. وعوضا عن المضيف العشائري يؤجر الشيوخ الجدد الشقق والمكاتب الحديثة باعتبارها مراكز استقطاب للحياة الاجتماعية العشائرية العصرية، وتتولى العشائر الحديثة حفظ النظام والقانون وحل النزاعات العشائرية بين أفرادها او مع أفراد العشائر الأخرى.وتمتد الخلافات من المظالم التجارية حتى الجنائية وتشمل دفع الديات عن القتلى.ومع فساد المحاكم وأجهزة فرض القانون تطلب الدولة من العشائر القوية المتنفذة تسوية الخلافات الصعبة او توفير الحماية ، وهذه الخدمات تدر المداخيل . وبذلك تتحول العشائر الجديدة بوضوح إلى قاعدة للتمويل المستقل. وبينما يجري إحاطة شيوخ العشائر الاصلية باحترام عالي فان الصنائع الآخرين لا يحظون بالتقدير . وقد شاعت عبارة ( شيوخ من صنع تايوان) سخرية بالشيوخ المزيفين. يعيش حتى المتعلمين في البنية العشائرية حالة من الانفصام الذي يبدو في معظم الاحيان حتى على ملامح الوجه “السحنة” ، حيث يكون هذا المتعلم موزع بين وظيفته كمدرس او محاضر جامعي وبين ارتباطه بالعشيرة. هناك يجلس في ديوان شيخ العشيرة جلسة الولد المطيع لهيبة الزعيم الذي غالبا ما يلبس اللباس التقليدي المحلي كي يبدو بحجم كبير خاصة إذا كانت قامته صغيرة خلقا، ويتعمد مخاطبة حامل الدكتوراه بكلمة ” يا ولد ” او ” يا حبيبي ” او ” ابو الشباب ” وحتى ” عفية بالسبع ” قاصدا إرهاب غير المتعلمين. أما الولد والحبيب و ابو الشباب والسبع فيقبل بذلك اللقب او تلك المرتبة! فما هو المكون الحقيقي لشخصية هذا المتعلم؟ انه المكون العشائري. و من بين سمات المؤسسة العشائرية الجديدة ولسخرية القدر توفير التكافل حتى بين أصحاب الشهادات العليا وأساتذة الجامعة والمثقفين والأطباء والمهندسين بحجة توفير الحماية الشخصية وليجري إخضاع هذه الإسطبلات العشائرية سياسيا أو تسييسها لتحقيق السيطرة الاجتماعية ..وكانت هذه التجمعات – الإسطبلات سند النظام الدكتاتوري لفترة طويلة إلا أنها كانت ولا زالت أداة تفتيت المجتمع والعودة به القهقرى.. وهي لا تعرف شظف العيش وكل شئ متاح لها ..وتخلق أشكال الوعي الزائف لأن قوة النزعة العشائرية داخل الأحزاب السياسية تعرقل التأسيس المدني الديمقراطي وتسهم بفاعلية في خلق بؤر التوتر والاحتقان الداخلي . في العقود الاربعة الاخيرة من تاريخ العراق مرت العشيرة تاريخيا بالمراحل التالية : العشيرة داخل الحزب الواحد ، العشيرة إزاء الحزب الشمولي ، العشيرة بديل للدولة ، الدولة تكتشف العشائرية الاجتماعية ومحاولات إحياء العشائر مجددا وفق ضوابط احتوائية ، العشيرة ضد الدولة …… وكان تحالف الدولة مع العشائر الجديدة قد قوى الدولة، الا إن العلاقة بينهما بقيت حافلة بالتوتر . أما العناصر اللا عشائرية ( Detribalized ) في المجتمع فخشت الشيوخ الأقوياء الجدد الذين يمكن إن يفرضوا القانون العشائري على أبناء المدن. وتولدت خشية ايضا من العصابات العشائرية في المناطق الريفية . على سبيل المثال أرهبت قطاعات من الدليم الركاب على طريق بغداد- عمان في التسعينيات …. وسارت مركبات النقل في قوافل وضح النهار لتتحاشى حملات قطاع الطرق والقرصنة الدليمية. كما ازداد معدلات جرائم العنف بسرعة لتصبح مصدر قلق وحرج العشائر الجديدة التي تطبق القانون. واندفعت قطاعات غير عشائرية إلى خلق عشائر جديدة خاصة بها بينما واجه الحزب الحاكم اعتراضات على إحياء العشائرية مجددا …. وكما هو الحال في البنية السابقة لتراتب العشائر التقليدية ، فان المخلوقات العشائرية الجديدة شكلت تراتبا جديدا تتغير فيه التحالفات باستمرار. وكان هناك توازن قلق ومؤقت، لكنه هش وضعيف لاعتى النزاعات. كان حل النزاعات بين العشائر وفق اعرافها يكشف عن ضعف الدولة . على سبيل المثال عقدت قطاعات عشائرية في العاصمة العراقية اتفاقات على طريق التعويض والتسويات من دون الرجوع إلى الدولة – في عملية كانت تبدو شبيهة بمهام المجتمع المدني في المناطق الأخرى. وأدى انعدام الحدود بين صلاحية موظفي الدولة وصلاحية شيوخ العشائر إلى نزاعات مباشرة ما بين مؤسسات الدولة وقوة العشائر . وجرت ملاحقة ممثلي الحكومة من الزعامات العشائرية بسبب خرق هؤلاء العرف العشائري ، مثل إصابة فرد عشائري بإطلاقة نارية أثناء مطاردته بسبب ارتكابه فعلا جنائيا او هرب من الخدمة. وشرعت العشائر برفع قضاياها ضد الدولة والحزب الحاكم مطالبة بالتعويض العشائري وحتى الديات، ووقعت بالفعل تهديدات باستخدام العنف حتى القتل المتعمد ضد ضباط امن الدولة والقوات المسلحة من جانب العشائر المطالبة بالثأر . لقد منح صدام حسين بعض اعضاء الجمعيات الفلاحية درجات حزبية عليا لم يكن بمقدور شيخ العشيرة كسر اوامرهم او الوقوف ضدهم والتمرد عليهم .. لكن الحرب العراقية – الايرانية ادخلت عوامل جديدة مؤثرة في التوازن العشائري القائم .. وسارع النظام الى كسب ود زعماء العشائر لمنع حالات التعاطف التي اظهرتها العشائر العراقية مع الثورة الايرانية فاغدقها بالمكرمات واتبع معها سياسة اللين وشراء الذمم .في هذا الوقت انحسر دور الجمعيات الفلاحية والتعاونية لتتحول الى سخرية بين العشائر بعد ان فشلت في مهماتها ! … ولأغراض عسكرية صرفة اتسع اهتمام الدولة العراقية بالطوق العشائري والقبلي وتجنيد المقاتلين من العشائر الصديقة.. ومع غزو الكويت وحرب الخليج الثانية وتجفيف الاهوار والعقوبات الاقتصادية الدولية وقرار مجلس الأمن الدولي المرقم – 986- في 14/4/1995 واختزال القدرات القمعية للدولة وظهور الفراغ الأمني والسياسي وتفكك حزب البعث كجهاز ضبط آيديولوجي و ظهور الفراغ الاجتماعي الناجم عن غياب منظمات المجتمع المدني ظهرت العشائرياتية أو العشرنة او التعشير أي محاولات ترميم الثقافة العشائرية واحيائها على أسس صنعية ( Artificial)واحياء العشائر وتمجيدها وإيقاف ابتعاد الريف عن العشائرية واصطناع العشائرية داخل المدن ومنع تمازج العشائر فيما بينها وتحاشي هروب الفلاحين من العمل في الاقطاعيات العشائرية … مما خلق التوترات وسبب الأضرار الكبيرة في المجتمع .. وعمد صدام حسين الى جانب السياسات الترغيبية اتباع الحرب النفسية ضد بعض العشائر بحجة تسريبها المعلومات العسكرية الى العدو واعتقال شيوخها لينالوا الجزاء العادل مثلما حصل مع شيوخ بعض عشائر محافظة العمارة .. أقرت إجراءات دكتاتورية البعث اواخر عهدها بسلطة شيوخ العشائر لحسم النزاعات وادارة الأمور ضمن إقطاعياتهم العشائرية ليتم استعادة شكل من أشكال الفضاء المنفصل لمناطق العشائر. ومنح صدام حسين العشائر المتعاونة حقوقا على الأراضي ، ورقى أبنائها في مختلف أقسام الدولة وسمح لهم بتسليح اتباعهم ، وناصر قيم العرف العشائري ليجري تمييز الهوية القبلية والعشائرية كإطار لشبكات الحماية التي تؤثر بشكل ملحوظ على فرص الأفراد في البقاء على قيد الحياة. سعت السياسة العشائرية الجديدة الى بسط نفوذها داخل المدن بلبوس حضاري يحتمي بها المواطن كملاذ له من الأخطار التي لم يعد قادرا على مواجهتها خصوصا في حال يمكن فيها شراء ذمم المسؤولين بالأموال لتنتشر مظاهر الفساد والابتزاز والسرقات والاختلاس..وبات الفصل العشائري يكلف الفرد عبءا يشغل كاهله مما أثار التساؤلات عن معنى دفع الدية عن أعمال ارتكبها خارجون عن القانون تراوحت بين القتل والاخلال بالامانة وجرائم الشرف والنكث بالعهود الى جانب الفساد الإداري والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والقانوني..وتحمل الأفراد الضرائب الجديدة المفروضة على التجار والصناعيين عبر التعشير الجديد ومنها جبايات المهنة ، الأمانة ، الكمارك ، مراجعة دوائر الدولة ، حراسة السيارات ، تبرعات جيش القدس ، تبرعات ميلاد القائد ، تبرعات الحملة الوطنية لبناء المدارس ، تبليط الشوارع ، ترميم وبناء المعالم الدينية والتاريخية ..وهذه الضرائب كانت استعاضة (Compensation) لضرائب الدولة على التجار ورجال الأعمال الذين يداورونها ويستغلون الفصل العشائري لتعديل الميزان.وباتت حياة الإنسان وصحته تقاس بالمال بعدما اعتادت المستشفيات والمراكز الصحية هي الاخرى على الابتزاز. بعد مضي قرن كامل استبدلت في بلادنا الشرعية السياسية والتحالفات المدينية مجددا بالتحالفات والمجالس العشائرية وخاصة مجلس العشيرة الحاكمة ، وذلك انعكاس لأعنف عملية تدميرية تعرض لها العراق في بناه الداخلية وقواعده الحضارية التي شكلت منه معلما تاريخيا متميزا منذ 4 عقود عبر مناهج مخططا لها سلفا لأيصال العراق وشعبه الى قعر الهاوية حتى وصل الامر الى تمزيق التاريخ بحجة إعادة صياغته. ولعب المرتزقة الدور الخبيث في تحريف الأنساب وإرجاع الناس الى غير أنسابهم والتشكيك بألقاب وانساب العراقيين عبر ضوابط وزارة داخلية النظام. ولم تجد الزمرة الحاكمة حيلة لإقحام الشعب في دوامة المتاعب إلا وصيرتها قانونا ملزما بهدف شل حركة هذا الشعب الأبي كي لا يقوى على التفكير بما يدور حوله. ولعبت العشائر الدور المرسوم لها بالفعل في انتفاضة آذار 1991 ودفع ابناءها ثمن التضحية في سبيل حرية الوطن وامتلأت بهم القبور الجماعية .. وتقدمت الهويات الطائفية والعشائرية والإقليمية لملء الفراغ عبر تقديم العون والعلاج والتعليم أو المواساة في أسوء الحالات.. نعم ، الظاهرة الجديدة ذات وظائف اجتماعية براغماتية وليست استمرار للهويات القديمة. ومع انسحاب الدولة ظهر الجميع عزلا دون ضمانات. في هذه الفترة امتلكت العشائر العراقية السياسة المزدوجة لممالأة الحكومة والدفاع عنها ولأيواء ابناء المعارضة العراقية ومدهم بالمواد التموينية الغذائية في أن واحد !.وارشادهم الى الطرق والدروب الآمنة فضلا عن حسن الضيافة .. واحتفظت العشائر العراقية بالسياسة المزدوجة شبه المستقلة هذه حتى بعد سقوط الدكتاتورية .. كان انتعاش العشائرية في سنوات الصدامية بسبب تراجع الأمان الاقتصادي والامان الاجتماعي ، وضعف المستوى الفكري والسياسي لمعظم التنظيمات ، وتراجع الأمان السياسي أيضا للمواطن …. مما اخرج العشيرة من كمونها لتصبح المؤسسة التي تزعم توفير الأمان الاجتماعي والسياسي والشخصي وحتى جزء من الأمان الاقتصادي لأفرادها.وعليه، فان استدعاء الكثير من القوى السياسية العراقية للعشائرية وتركيب قوائم مهجنة بين العشائري والحزبي يكشف لنا عن هشاشة الحركة السياسية وعن اختلال الانتماء او عن براغماتية من المستوى الأدنى. هذا يكشف إن القوى السياسية والنخب الثقافية تقوم عن قصد بإنعاش العشائرية بإخراجها من كمونها للاستفادة منها لتلبية مصلحة ضيقة ومحصورة في مرحلة معينة ، وهذا ليس سلوكا ثوريا . بسلوك كهذا يتم في الحقيقة او في النهاية توظيف السياسي لخدمة العشائري وليس العكس لان ارتكاز السياسي على العشائري هو ردة إلى الوراء في مجتمع تقليدي يستلطف ويستعذب الارتداد مما يجعل إعادة إنهاضه عالي الكلفة. انطلقت العشائرية بقوة من عقالها بعد التاسع من نيسان 2003 وكان لها دورها الفاعل في حفظ النظام ضمن حدود مناطقها وجهودها في تعويض غياب السلطة والوقوف بوجه العناصر الوصولية والانتهازية التي اعتلت مناصب ليس اهلا لها بعد ان تسلقت على اكتاف ابناء الشعب العراقي وتضحياته . في السنة الاولى لسقوط الدكتاتورية كانت هذه العناصر من مرتزقة النظام المخلوع ثم انقلبت عليه لتعيش مرتزقة للاجنبي . هكذا وجدت العشائرية لها المبررات للقفز والبروز مقابل المجتمع المدني لتبيع الولاءات على قدر الوعود وتوزع الوعود على مقاس المكاسب وتجتاح السوق السياسي والحزبي وتطلق التهديدات بالنيابة محسوبة بالعائد السياسي .. وليصبح لها ناطقون اعلاميون وسفراء في الخارج وحاملو اختام وارقام هواتف الثريا والمواقع الالكترونية !… وبعد مضي اعوام اربعة كاملة لسقوط الدكتاتورية والانتشار الميليشياتي المسلح باتت العشائرية الاساس الراسخ لبنيان دائرة العنف والعنف الطائفي المضاد الذي يكاد من الصعوبة بمكان كسرها أو وقفها. وسرعان ما ترسخ الاعتقاد لدى عامة الناس بأن الشيء الوحيد الذي يستطيع حمايتهم من عنف الآخر وشره ، هو الميليشيا العشائرية العسكرية أو شبه العسكرية، التي تنتمي إلى العشيرة- الطائفة نفسها …. وليس قوات الشرطة أو الجيش. فظهرت الاحلاف العشائرية الطائفية اي التي تنتمي إلى الطائفة نفسها .. واليوم ، رجعنا الى الايام الخوالي ، فكل عشيرة تعتبر نفسها سيدة ديرتها تقتل وتنهب لأجل ارساء مفاخرها وغير مبالية بالعواقب . وبالتالي فان ابن العشيرة هو رهن اشارة المشيخة والعرف العشائري الضيق .. وتكبر العشيرة في افرادها اعمال الفوضى لأنعدام الضوابط القانونية والدينية وتغرس في نفوسهم الولاء . وتعد الغارات على العشائر الاخرى وازهاق نفوسها لأتفه الاسباب مفخرة للعشيرة ونصر لا يدانى .. وتعددت السلطات مع تعدد العشائر . ما أن تشكلت هذه الميليشيات التي تنشأ أصلاً لحماية العشيرة والأهل وأفراد الطائفة، حتى قويت شوكتها وعودها ، فكان لها وجودها المستقل عن الجميع. ثم ما لبث ريشها أن نمى وطال ، لتنتشي بمنعتها وقوتها ، وليصبح شغلها الشاغل الحؤول دون استعادة الحكومة لهيبتها وسيطرتها على الوضع الأمني والسياسي في البلاد. وصل هذا السيناريو إلى خواتيمه مع اعتقاد السياسيين بأن في مقدورهم التمتع بسلطات سياسية أكبر فيما لو عولوا على ولاءاتهم الطائفية ، مقارنة بما يكسبونه سياسيا من التشبث بشعار حكومة الوحدة الوطنية.. وبسبب الاضطراب والنزاع بين القوات الأميركية والجيش ووزارة الداخلية نشأ وضع أمني لم يعد فيه المواطنون قادرين على التمييز بين ما إذا كانت قوات الأمن المنتشرة في الشوارع ، أعداء أم أصدقاء ، وما إذا كانوا إرهابيين أم مجرد لصوص ومجرمين. فالكل يرتدي الزي الرسمي نفسه. بل تسقط قطاعات من مدن بكاملها في قبضة الميليشيات المسلحة – العصابات والإرهابيين ! … حاولت الولايات المتحدة في بداية حربها على العراق تقريب وكسب وشراء ولاء شيوخ العشائر للتمرد على النظام لكنها فشلت في مسعاها ولم تقم هذه العشائر بأي تمرد إلا بعد أن دخل الأميركيون مدينة بغداد – العاصمة وتأكدت بأن النظام قد تهاوى . وحافظت العشائر على قوتها ولجأت للتمرد في سبيل المغانم فحسب .. بمعنى آخر إن العشائر واصلت التعاون مع صدام حسين حتى آخر رمق دون الالتفات الى همجية الدكتاتورية التكريتية أو المخطط الأميركي – البريطاني والعملات الصعبة.. لكنها تمشدقت فيما بعد بالمكارم الأميركية من التقنيات الاستهلاكية والحرية على طريقة شيكاغو .. هكذا اعتقد الأميركيون هذه المرة وليس الإنكليز أن العراق مطلع القرن الحادي والعشرين مازال مجتمعا تسوده العشائرية التي تسعى لركوب العربة الاجتماعية بموديلها الحديث. أدركت السياسة الأميركية أن المجالس العشائرية والعشائر الحرة وعشائر التسعينيات موجودة في بلادنا لأن سياسة دكتاتورية البعث كانت عشائرية الطابع ولأن حزب البعث نفسه قد تحول الى عشيرة جديدة لكن بأسم وأسلوب عمل آخر ليس بالضرورة أرقى من الأسلوب العشائري بل أسوء منه لأنه ولاء من النمط الفاشي الجديد – الذراع المافيوي للنخب الرأسمالية الكومبرادورية الطفيلية. وانتجت الاسقاطات القسرية للنظام البائد المحصلات الكارثية التي طالت بأضرارها مشروع الدولة وتماسك المجتمع على حد سواء . وتمثلت هذه الاسقاطات في المرشحات – المصاهر الجبارة لأنتاج السبيكة العشائرية المؤلفة من أرومة واحدة والمغلفة بالإطار العصري للحزب الواحد أو العشيرة الموحدة فكانت العملية القيصرية للولادة التي أدت بالحامل والمحمول . لقد تفاقمت الانقسامات العشائرية والعرقية والطائفية بفعل الاستعمار القديم والحديث وطبيعة النظم القمعية الانقلابية التآمرية الى جانب العقوبات الاقتصادية المدمرة وآثار الحروب الكارثية .وفرض صدام حسين بالقوة الطائفية السياسية والتأسيس القبلي بزعامته … وضمن بالتالي بعد انهياره ان تعم الفوضى وان تسود روح الانتقام ولتتفشى الطائفية السياسية قطارا رجعيا ينطلق دون رحمة داهسا تحته الجميع !! وقد عقد تحطم الدولة العراقية والسلطات المركزية محاولات اعادة بناء وحدة هذا البلد النفطي ذو الموقع الاستراتيجي مثلما تعقدت اعادة تركيب بيضة محطمه !. ليس خفيا القول أن الموقف السياسي لقوات الاحتلال لم يكن سليماً لمعالجة المظاهر الغريبة التي رافقت دخولها الأراضي العراقية بالأخص الفرهود . فبدلا من التوجه صوب القوى السياسية التي ناصبت النظام العراقي العداء وناضلت ضده ، توجهت صوب شيوخ العشائر. وشرعت بالاعتماد ، كما فعل البريطانيون قبل ما يزيد على ثمانية عقود ، على شيوخ العشائر العراقية بدلا من الاعتماد الفعلي على القوى السياسية العراقية وعلى الفنيين والتكنوقراطيين العراقيين سواء الموجودين منهم في الداخل أم الذين عادوا بعد إسقاط النظام إلى الوطن . الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت ضمن المسؤولين المباشرين عن مجيء البعث وصدام حسين إلى السلطة، وهي التي قامت بالإطاحة به، وحكومات ما بعد التاسع من نيسان تلجأ اليوم كما فعل الانكليز قبل قرن إلى شيوخ العشائر للاستعانة بهم في الحكم في العراق أو إلى تهدئة الاوضاع ومعالجة حالات الفلتان الامني والخدماتي … رغم المخاطر الكبيرة وراء العودة لترجيح كفة التعامل مع المؤسسة العشائرية وإهمال العمل المدني الجاد والمسؤول مع القوى السياسية العراقية ومنظمات المجتمع المدني على قلة وجودها وتواضعها حتى الآن . ان دعوة رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي لتسليح العشائر وتشكيل لجنة عليا تشرف على ذلك لا تستند على اية قاعدة قانونية وانما اجراء اخرق وخطير ينم عن هشاشة فكرية ونفس تسلطي .. فقرارات خطيرة من هذا النوع لا مشروعية في اتخاذها سوى مجلس النواب العراقي اي السلطة التشريعية التي لازالت عند موقفها بضرورة انهاء التسلح الميليشياتي . قرار المالكي هذا سابقة خطيرة لمزيد من الفلتان الامني والاحتقان الطائفي – العشائري ويصب الماء في طاحونة الموت والدمار اليومية للعراقيين ! ويبدو ان المالكي ذو النفس البورجوازي الصغير باجراءه هذا يغطي على نشاط الميليشيات الشيعية المسلحة وهو يتجاهل متعمدا ان معالجة اوضاع العراق الكارثية لا تتم الا عبر مجموعة كاملة من التدابير لأعادة بناء المؤسسات العسكرية والامنية العراقية لتأخذ على عاتقها الحفاظ على الامن والاستقرار .. أن نظام العشائر يعود إلى ماضٍ بعيد لا يجوز تشجيع عودته إلى الساحة الاجتماعية والسياسية العراقية، وهو في المحصلة النهائية سيتوجه ضد المجتمع المدني والقوى التي تسانده وضد أفراد العشائر ويسلط أبشع أشكال الاستغلال عليهم … أنه يتداخل مع قوى الإسلام السياسي المعتدلة والمتطرفة في آن واحد ويعزز مواقعها في غير صالح الفصل المطلوب بين الدين والدولة. العشائرية وحدة اجتماعية وسياسية عصبوية ذات نفس استبدادي لتوارث المناصب وقمع الحريات .. ورغم التأثير الاسلامي ومواجهته القبلية الا انها عادت كأداة لتثبيت الاسس الدكتاتورية للانظمة العراقية المتعاقبة وللتخلف . واذ تستطيع العشائرية توفير الحماية لأبناءها في ظل الفلتان الامني لكن النزعة العشائرية تقتل الديمقراطية البرلمانية والمدنية في المهد !. العشائرية ذات قدرة هائلة على التلون الأميبي مما يسمح لها بالتعايش مع العولمة وحتى مشاركتها مضجع الأمة. إن العشائرية في النظام السياسي العراقي حليف فعلي للعولمة المتوحشة لأنها تقوم بتفتيت النضال الطبقي والسياسي نيابة عن السلطات… وتبقى العشائرية قوية طالما النظام الأبوي اقتصاديا قائم بالقوة والفعل … وهذا ما يقوم بتخليده النظام السياسي طبعا حيث يمارس الفساد ويباعد ما بينه وبين التنمية ويهرب من التصنيع ويقيم نظاما سياسيا يقوم على الملكية الخاصة ولا يقيم نظاما رأسماليا تصنيعيا وإنتاجيا.العشيرة هي نقيض الطبقة، والعشيرة هي مغتصب المرأة وعدوها الذي يعلن عن نفسه جهارا نهارا بفجاجة وصلف، اذا كانت هي ضد كل هؤلاء ، فمن هو حليفها ومعسكرها؟ انه النخبة السياسية – الاقتصادية الحاكمة والنخبة الثقافية المحيطة بها والملتفة حولها ، انها الطبقات ذات المصالح الاقتصادية المسيطرة ، انها الطبقات الاقطاعية والبورجوازية الكومبرادورية والطفيلية وبيروقراطية الدولة الاستبدادية… ولو حليفها لفترة من الزمن حتى استكمال احكام قبضتها على العملية السياسية – الاقتصادية الجارية. وأبرز المخاطر هو الاستعداد التقليدي لدى شيوخ العشائر في تغيير تحالفاتهم وفق المصالح اليومية، وليس غريباً أن تنشأ علاقات جديدة وتقارب بين تلك العشائر التي أيدت صدام حسين ووقفت إلى جانبه وبين تلك التي ناصبته في فترات معينة ولأسباب مصلحية . كما أن التحالف بين شيوخ العشائر وإيران أسهل لها من الناحية الدينية من التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر في عرفها أنها كافرة وأجنبية، في حين أن الدولة الإيرانية مسلمة وضمن الأمة الإسلامية ، وتزدهر معها اعمال المضاربة والتجارة غير المشروعة دون حسيب او رقيب. تنتج الديناميكا العشائرية هذه ابعاد واحتمالات صعوبة السيطرة على الاوضاع وفلتان زمام الأمور من أيدي سلطات الاحتلال والحكومة العراقية ، خاصة وأن العشائر تبتعد بشكل منظم، وكأنها خطة مرسومة سلفاً، عن الأحزاب السياسية العراقية مولدة البنى شبه المستقلة لها … ومن الممكن ان تنتج هذه الديناميكا العشائرية الإقطاع الديني والطائفي الذي يعتبر ربيب الدول، وصوت الكرنفال السياسي للحكام والذي يفصل الأحكام لبدلات الحكام …. فإذا كانت ضيقة ضيقها، وإذا كانت واسعة وسعها، وأجره في آخر الشهر… كلما سكت عن الظلم اتسع رزقه وحصل على الأراضي وكثرت أمواله في البنوك…. وكلما نبه إلى ظروف (الرعية) السيئة ورأى العين الحمراء بلع ألفاظه ولغته وضميره الديني وهلوسته الطائفية . بعبارة اوضح ولدت الديناميكا العشائرية مع عزل الإقطاع السياسي البعثي واستمرار الاحتلال الاميركي وهشاشة اداء الحكومة العراقية الإقطاع العشائري- الديني بكل تلاوينه والذي يقوم بالمغامرات المذهلة والدموية حتى ضد طائفته !… لا تختلف تكتيكات صراع الإقطاعيات السياسية والعشائرية والدينية والطائفية ولتتحول الدولة إلى مزرعة خاصة بهم. عززت وخلدت التوازنات العشائرية القائمة وصراع الإقطاعيات السياسية والعشائرية والدينية والطائفية .. عززت المؤسسة العشائرية في الريف العراقي واحكمت قبضتها على الفلاحين وسائر الكادحين من ابناء الشعب العراقي . جيوسياسيا كان جهل الفلاح العراقي وانعزاليته بادئ ذي بدء التربة الخصبة لترعرع التقاليد العشائرية والروابط القبلية الثقيلة في ذاكرته وعقله بينما كبلته انظمة الحكم الاستبدادية المتعاقبة فيما بعد بهذه التقاليد والولاءات دون الوطنية الى ابد الآبدين .. ولم تكن المؤسساتية المدنية الفلاحية الوليدة من جمعيات فلاحية وتعاونية بعيد ثورة 14 تموز 1958 المجيدة مجرد جمع وادارة بل كانت بالفعل صراع حقيقي ضد المؤسسة العشائرية التقليدية المغروسة في السايكولوجية الفلاحية .. مع ذلك اتخذت ديمقراطية هذه المؤسساتية الوليدة الطابع البدائي الموسوم بفردية الفلاح او بولائه العشائري وحتى بالمفاخرة والاستبسالات المتحمسة دونما ضرورة .. وبقت الشخصية الفلاحية موزعة بين 3 جبهات : الغرس الاقطاعي عبر وهم الابوة العشائرية والاقطاعية وبالتالي الروح الفردية ، جبهة الجذر المشاعية والنقاء الفطري المتجرد من المصلحة الانانية ، جبهة الحرمان والحلم بالامان والخبز وعشق الارض والكادحين كرد فعل على الفعل الاقطاعي واعمال السخرة والاتاوات والنهب والتهجير القسري … بامكان شيخ العشيرة والمراتب العشائرية اليوم التنقل من ديرة الى ديرة والى المدن طلبا للامان عكس الفلاح الذي يطرد مع عائلته من ارضه دونما رجعة ليدشن عهد الضياع والمستقبل المجهول . وحسب تقارير المنظمات الدولية ان نسبة الفلاحين قي اعداد المهجرين قسريا والتاركين بيوتهم واكواخهم واراضيهم بحثا عن ملجأ في الاعوام 2005 – 2007 في بلادنا كبيرة للغاية .. وان مدن الاكواخ الجديدة في تزايد مستمر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *