الرئيسية » مقالات » حوار في الجرح العراقي ودوائه مع الدكتور عبد الخالق حسين

حوار في الجرح العراقي ودوائه مع الدكتور عبد الخالق حسين

أجرت الحوار لافا خالد

الدكتور عبد الخالق حسين يختزل تجربته كطبيب عراقي مغترب ورحلته الإنسانية والثقافية والسياسية في الحوار التالي :

لافا خالد- بين البصرة ومدينة الضباب سنوات اختزلت فيها تجربة حياة، عرفنا بهذه الرحلة ؟

ج: أولاً، أتقدم لكم بالشكر الجزيل على هذا الحوار وإتاحتكم الفرصة لي للتعبير عن أفكاري ونقلها إلى القراء الكرام أينما كانوا.
بدأت هذه الرحلة في الأربعينات من القرن العشرين والتي استغرقت سنوات عمري الستين اختزلت خلالها عملية تطور اجتماعي أمدها 1400 سنة. وبعبارة أخرى، أني بدأت مراحل التطور الاجتماعي من العصر الأموي والعباسي إلى العصر الحاضر أي عصر الإنترنت. فقد ولدت في قرية جنوب مدينة الفاو/محافظة البصرة جنوب العراق، وهي عبارة عن غابة كثيفة من أشجار النخيل على الشاطئ الغربي من شط العرب المعروف بالمد والجزر مرتين في اليوم! وكانت الحياة فيها لا تختلف أبداً عن الحياة في العصر الأموي كما قرأنا عنها في الكتب فيما بعد، حيث لا كهرباء ولا أنابيب إسالة الماء ولا سيارات، ولا طرق مبلطة. وكنا نسكن في بيوت طينية فسيحة متناثرة بشكل عشوائي على حافات الأنهر المتفرعة من الشط، ونأخذ الماء العذب مباشرة من النهر. لا مدارس ولا خدمات صحية ولا أية علامة من علامات الحضارة في القرن العشرين، ولا حتى أي علامة أو أثر للحكومة ما عدا مختار القرية. وفي عمر الخامسة دخلت “الكتاب” أي الملا، لكي أتعلم القرآن الكريم، تماماً كما في العصر الأموي أو العباسي. وبعد سنة أو أكثر ختمت القرآن.
وبعدها حالفني الحظ حيث وافق أهلي على إدخالي المدرسة الابتدائية التي كانت تبعد عن قريتنا أكثر من ميلين. وعندها دخلت القرن العشرين، وكانت هذه قفزة نوعية كبيرة في حياتي. فكنت أذهب إلى المدرسة مع أخي الذي كان يكبرني بعامين وأطفال القرية الآخرين مشياً على الأقدام يومياً إلى أن تخرجت من الابتدائية وهي أعلى شهادة يطمح إليها أبناء تلك القرية آنذاك. والمشكلة الأخرى التي واجهتني بعد إكمالي مرحلة الابتدائية أن ما كانت توجد مدرسة متوسطة في مدينة الفاو، فكان عليً أن أنتظر عامين بلا دراسة إلى أن حصلت ثورة 14 تموز 1958 حيث فتحوا لنا مدرسة المتوسطة. وبعد إكمال المتوسطة نمى لي الجناحان فاستطعت الطيران لأواصل الدراسة بالاعتماد على نفسي حيث أكملت الإعدادية في ثانوية البصرة – عشار، وقد وفرت لنا حكومة ثورة 14 تموز القسم الداخلي للسكن والمعيشة للطلبة القادمين من أماكن بعيدة خارج مدينة البصرة. وبعدها إلى كلية الطب في الموصل التي تخرجت منها عام 1968، أي عام الكارثة، عام مجيء البعث الثاني إلى الحكم.(المجيء الأول كان في 8 شباط 1963).
وبعد سنوات من العمل والتدريب حصلت على إجازة دراسية لنيل شهادة الدبلوم في الجراحة في جامعة بغداد، ومن ثم سافرت إلى بريطانيا مع عائلتي في الشهر الأول من عام 1979 لإكمال التدريب في الجراحة ونيل شهادة الزمالة من كلية الجراحين الملكية البريطانية التي حصلت عليها عام 1981، والعمل في بريطانيا إلى أن تقاعدت قبل سنوات لأسباب صحية.
وهكذا كانت رحلة شاقة وممتعة في آن، رغم أنها استغرقت ما يقارب الستة عقود إلا إنها اختزلت 14 قرناً من التطور الاجتماعي في المنطقة. ومن هنا يمكن أن نعرف أحد أسباب هذا الغليان السياسي والاجتماعي الذي يجري في منطقتنا، ألا وهو سرعة التطور الاجتماعي الذي حصل في القرن العشرين وخاصة في مرحلة جيلنا من هذا العصر.

لافا خالد – كونك طبيب ولك باع طويل في هذه المهنة ما هو دواء الجرح العراقي برأيك ككاتب ؟
ج: لكوني طبيب، ولي اهتمامي منذ الصبا بالسياسة وعلم الاجتماع والثقافة العامة، وجدت معظم المبادئ الطبية تنطبق على الحياة السياسية والاجتماعية. فمهمة الطبيب الأساسية هي حماية الحياة من الأمراض وذلك بالعلاج، سواء عن طريق الأدوية أو الجراحة في حالة وقوع المرض، والطب الوقائي عن طريق رفع الوعي الصحي ونشر الثقافة الصحية وتوفير البيئة النظيفة للإنسان والحيوان والنبات. فهناك أمراض يمكن معالجتها بالأدوية، وأمراض أخرى لا تفيد معها الأدوية بل تحتاج إلى عمليات جراحية وأحياناً عمليات جراحية كبرى. ودور الطبيب في حماية الحياة لا ينتهي عند معالجة الأمراض الجسمية والعقلية فقط، بل يجب عليه حماية الحياة من الأمراض السياسية والاجتماعية أيضاً.
وفيما يخص الجرح العراقي، فهو ناتج عن تراكمات لتقيحات (خرّاجات) مزمنة عمرها قرون طويلة. وكانت هذه التقيحات مسدودة تنشر سمومها من الداخل في الجسد العراقي العليل، إلى أن سقط النظام البعثي الفاشي على أيدي القوات الأجنبية بقيادة أمريكا، فتم فتح الخرّاج بمشرط الجراح الأمريكي، فراح القيح العفن يتدفق مدراراً، وصعدت رائحته إلى العنان لتزكم الأنوف. فما يجري في العراق الآن من إرهاب وغليان وفلتان أمني هو ليس وليد اللحظة بل تراكمات الماضي، وقد توفرت له الآن الفرصة للانفجار. وعليه يمكن معالجة هذا الانفجار بترك الجرح مفتوحاً إلى أن ينتهي هذا القيح العفن ويجف. كذلك هناك أورام سرطانية خبيثة من الإرهابيين والمليشيات الحزبية المتصارعة تنهش في الجسد العراقي، تحتاج إلى مبضع الجراح لإزالتها وتخليص الشعب منها وملاحقة الخلايا السرطانية بجميع الوسائل العلاجية المتاحة والممكنة للقضاء عليها، تماماً كما يعالج السرطان الخبيث من قبل الأطباء.

وعليه فالأزمة العراقية أو الجرح العراقي، تحتاج إلى نوعين من العلاج: إجراءات مستعجلة (emergency measures) لمعالجة الأزمة الراهنة وتبعاتها المدمرة. وإجراءات بعيدة المدى (long term measures) لمنع تكرار هذه الأزمة في المستقبل.

الإجراءات المستعجلة:
1- يحتاج العراق إلى رجل قوي ومخلص ذي خبرة، يعمل على إعادة الحكم المركزي وهيبة السلطة لتحقيق الأمن والاستقرار. وإعلان حالة الطوارئ وتعليق الديمقراطية والبرلمان لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد. فمعظم النواب لم يحضروا الجلسات وغالباً ما تؤجل الجلسات بسبب عدم تكامل النصاب. إذ ليست في العراق الآن ديمقراطية حقيقية لكي نعترض أو نأسف على تعليقها أو تأجيلها، فما يسمى بالديمقراطية في العراق ليس أكثر من انتخابات تحت تأثير فتاوى المراجع الدينية انتهت أخيراً بمساواتها مع الحذاء من قبل رئيس البرلمان. فهذه “الديمقراطية” لم يستفد منها الشعب بل استفاد منها الدجالون والمشعوذون والانتهازيون والمجرمون والإرهابيون والباحثون عن المكاسب الشخصية من الوجاهة والمناصب والمال والرواتب والمخصصات الخيالية، بينما الشعب يعاني أشد المعاناة.
2- تشكيل مجلس إنقاذ وطني من ضباط عسكريين ومدنيين معروفين بنزاهتهم وكفاءتهم، غير منتمين لأية جهة سياسية، وبمشاركة القادة العسكريين من قوات التحالف، لتتحمل مسؤولية الأمن في العراق،
3- تشكيل حكومة مدنية رشيقة من التكنوقراط من أصحاب الاختصاصات والكفاءات من المستقلين من شخصيات معروفة بكفاءتها ونزاهتها وإخلاصها للوطن، واختزال عدد الوزارات إلى الحد الأدنى (10 -15 وزارة فقط) وذلك للمحافظة على تماسك أعضاء الحكومة وتسهيل أدائها،
4- وخلال فترة الطوارئ، يجب مراقبة الإعلام وعدم السماح لأي كان في تمجيد العنف والإساءة للأمن الوطني والترويج للطائفية والعنصرية تحت غطاء حرية التعبير والشفافية!!،
6- حل المليشيات بالوسائل السلمية أولاً، وبالقوة إذا اقتضت الضرورة، وإيجاد عمل لأفرادها، ولكن في جميع الأحوال عدم دمجها بالقوات المسلحة، وإلا ستواصل هذه المليشيات التخريب من خلال القوات الحكومية، كما يجري الآن، إذ نرى بين حين وآخر هجوم عدد كبير من المسلحين وبزي الشرطة على مؤسسة حكومية وخطف عدد من الناس. وفي رأيي أن الخاطفين هم فعلاً شرطة حكومية تابعة للمليشيات تنفذ أوار قادة أحزابها بدلاً من تنفيذ أوامر الحكومة.
7- اعتماد الحزم في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والبحث عن المجرمين وأوكارهم ومخابئ أسلحتهم، والإسراع في محاكمة المعتقلين منهم وتنفيذ حكم الإعدام بحق من يستحقها وفق القانون، ليس بدافع الانتقام، بل بدافع الردع وتحقيق العدالة لضحايا الإرهاب، إذ كما قال الرئيس الأمريكي الرئيس ترومان في أعقاب ضرب أمريكا لليابان بالقنبلة الذريّة: “عندما تواجه وحشا عليك أن تتعامل معه على أساس أنّه وحش. هذا مؤلم لكنّه الحقيقة!”
8- غلق الحدود، وفضح الدول المشاركة في دعم الإرهاب في العراق وتقديم شكاوى ضدهم إلى الأمم المتحدة لمحاسبتها.

إجراءات بعيدة المدى
هذه الإجراءات هي عبارة عن إعادة النظر ودراسة الأوضاع في تاريخ العراق وثقافته الاجتماعية وموروثه الاجتماعي التي أدت إلى تفجير الأزمة وتفاقمها، وتبني سياسة علمية واضحة وصريحة لمعالجتها بشفافية لمنع تكرارها مستقبلاً. وذلك كما يلي:
1- يجب بناء دولة المواطنة الصحيحة، ونبذ التمييز بين المواطنين بجميع أشكاله، والتأكيد على حقوق الإنسان وفق اللوائح والقوانين التي أصدرتها المنظمات الدولية وصادقت عليها الحكومات العراقية المتعاقبة، بما فيها حقوق المرأة والطفولة…..الخ
2- تنفيذ اقتراح العلامة الراحل علي الوردي الذي قدمه قبل أكثر من 40 عاماً و هو: ” إن الشعب العراقي منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما في أي شعب عربي آخر- باستثناء لبنان- وليس هناك من طريقة لعلاج هذا الانشقاق أجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه، حيث يتاح لكل فئة منه أن تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية. ينبغي لأهل العراق أن يعتبروا بتجاربهم الماضية، وهذا هو أوان الاعتبار! فهل من يسمع؟! (على الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ص 382- 383).

3- شن حملة ثقافية متواصلة وبدون انقطاع تشارك فيها أجهزة التربية والتعليم والإعلام، ابتداءً من العائلة والروضة إلى الجامعة، يساهم فيها بفعالية علماء النفس والاجتماع والتربية والكتاب والصحفيون والفنانون، تعمل على نشر ثقافة الديمقراطية وروح التسامح ومعنى المواطنة واحترام حرية الفرد وحق التعددية والاختلاف القومي والديني والطائفي والسياسي والتعايش بسلام، وتذكير الشعب على الدوام بجرائم البعث كما تعمل الشعوب الأوربية بتذكير أجيالها بجرائم النازية والفاشية لكي لا تتكرر. ومنع الترويج للعنف والعنصرية والطائفية، والعمل على تطهير مناهج التعليم من كل ما يسيء إلى الثقافة الإنسانية ويحرض على بث الفرقة بين أبناء الشعب الواحد.

لافا خالد- تقّيم كتاباتك بأنها منهج فكري منفتح بل مدرسة قائمة بذاتها وآخرون يرون بعض ما تكتب بالمثيرة للجدل وإثارة قضايا خلافية ليس عليها إجماع من مرجعيات كثيرة بل شبهوك بفولتير المثير للخلاف. في أي تيار فكري تضع نتاجك وكيف ترد على التيار الديني الذي هاجمك في مقالك (الإسلام بين التفخيخ والتفخيذ)؟

ج: منهجي الفكري هو علماني لبرالي ديمقراطي، متأثر بالأسلوب العلمي في الكتابة نتيجة لخلفيتي الطبية العلمية، لا أعرف العبارات الطنانة ولا أجيد الحذلقة اللفظية أو التعابير الغامضة. أقتبس الأقوال المأثورة التي تخدم الحقيقة والإنسان من أية جهة كانت، لا يهمني انتماء هذا المفكر أو ذاكـ بل كل ما يهمني هو القول المأثور. لذا فإني اقتبس أحياناً من الكتب الدينية المقدسة، القرآن والانجيل والتوراة، ومن أقوال السيد المسيح، وأحاديث النبي محمد وأقوال الإمام علي وكارل ماركس وداروين وفلاسفة ملحدين ومؤمنين وغيرهم، المهم أن تكون هذه الأقوال تخدم الحقيقة، فنحن نبحث عن الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة أينما كانت.
أما كون ما أكتبه مثير للجدل، فهذه تهمة أتشرف بها، لأن أكثر الناس الذين شقوا الصفوف وأثاروا الجدل والخلاف هم المصلحون من أمثال الإمام علي وكارل ماركس ومحمد عبدة والأفغاني وعلي الوردي وغيرهم من المصلحين والفلاسفة. أما كوني أثير قضايا خلافية فهذه التهمة أيضاً صحيحة وأتشرف بها، لأن شعوب منطقتنا مختلفة وغير متجانسة وتعيش مرحلة تحولات اجتماعية عاصفة وانعطافات تاريخية حادة، وفي هذه الحالة لا بد من انشقاق عنيف وصراع حاد بين القديم والجديد، ومختلف مكونات المجتمع، من مؤيد و معارض للتغيير، فلا بد من إثارة القضايا الخلافية المثيرة. وبالطبع ليس هناك إجماع من قبل المرجعيات، ولا يمكن أن يوجد مثل هذا الإجماع في أي مرحلة من مراحل التاريخ وعلى أية مسألة تخص الشعوب وخاصة في حالة الثورات والتحولات الاجتماعية كالتي تمر بها شعوبنا في الوقت الحاضر.

أما أن البعض شبهني بفولتير، فكما يقول الإنكليز (this is too much for me)، وهو شرف لم أدعيه. وأما التيار الفكري الذي انتمي إليه، فأنا مازلت في طور التكوين والتطور الفكري، ومزيج من الليبرالية والديمقراطية وبالطبع العلمانية. وهناك مقولة لجراح انكليزي كبير (Hamilton Bailey) عن الطبيب يقول (أن الطبيب هو تلميذ إلى أن يموت، أي، متى ما توقف الطبيب أن يكون تلميذاً فقد مات.) اعتقد أن هذه المقولة تنطبق على كل إنسان وخاصة الذي يعمل في المجالات الفكرية. فأنا مازلت تلميذاً أتعلم.
أما علاقتي بالتيار الديني وخاصة موقفهم من مقالتي (الإسلام بين التفخيخ والتفخيذ)، فأعتقد أن ردود الإسلاميين رغم عنفهم كانت قد خدمتني من عدة وجوه. أولاً، فقد أكدوا صحة ما قلته أن الإسلام يقر الزواج من البنت القاصر وممارسة الجنس معها عن طريق التفخيذ في حالة الرضيعة والولوج بها عندما تبلغ التاسعة من العمر. وهذا ما أكده الإمام الخميني في كتابه (تحرير الوسيلة). أما الذين ردوا عليّ فقد أكدوا إجماع المسلمين على ما قاله الخميني. وأنا لم أكن استهدف الإمام الخميني، معاذ الله، بل الغرض هو كشف هذه الحقيقة أي الزواج من القاصر وفضحه والعمل على منعه حتى ولو كان عليه إجماع من قبل مذاهب وفقهاء المسلمين، لأن ممارسة الجنس مع القاصر حتى تحت مظلة الزواج عمل مناف للإخلاق العصرية ومرفوض قانوناً ومعنوياً وإخلاقياً، ومخالف لحقوق الإنسان، وعدوان فظ وصريح على براءة الطفولة. وقد انبرى عدد غير قليل من الكتاب الليبراليين بدعم ما ذهبت إليه وردوا على التيار الديني بالمنطق المقنع. وهذا يعني أني لست وحدي في هذه المعركة.

لافا خالد – من المعلوم إن فيدرالية الأقاليم مطروح وبشدة في عراق اليوم، وأبديت رأيك ومعارضتك لفيدرالية الجنوب رغم كونها مطلب جماهيري، لماذا ؟ ومن ثم هل يمكن الوقوف ضد المطالب الجماهيرية في وقت يقال إن العراق يتجه نحو الديمقراطية ؟

ج: بدءً، أود التأكيد على شيئين وردا في السؤال: أولاً، أنا لست ضد الفيدرالية من حيث المبدأ. ثانياً، فيدرالية الجنوب ليست مطلباً جماهيرياً. وإليك التوضيح.
قلت أني لست ضد الفيدرالية من حيث المبدأ، لأن الفيدرالية هي أرقى أنواع الحكم في الأنظمة الديمقراطية. فكلما خفت قبضة سلطة المركز واتسعت صلاحيات سلطات الأطراف، تعمقت الديمقراطية وتقوَّت الرابطة بين مكونات الشعب الواحد وعم الخير الجميع. فهناك دول ديمقراطية عديدة في العالم تتكون من فيدراليات، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا وبريطانيا، وألمانيا وسويسرا والنمسا والهند وماليزيا واستراليا وغيرها. وفي البلاد العربية فشلت الوحدة الاندماجية الفورية بين مصر وسوريا، بينما نجح الاتحاد الفيدرالي في اتحاد الإمارات العربية.
كذلك أنا لست ضد الفيدرالية الكردستانية، لأن هذه الفيدرالية هي أقل مما يستحقه الشعب الكردستاني الذي من حقه حتى أن يستقل بدولة خاصة به، فهو شعب له خصوصياته القومية والثقافية والتاريخية والجغرافية، وتعرض للظلم المضاعف، ولكن لظروف دولية مجحفة، نال هذا الشعب ظلماً كبيراً ومنع من تكوين دولته القومية الخاصة به، ابتداءً من معاهدة سيفر في الحرب العالمية الأولى وإلى الآن. كذلك معظم الأطراف السياسية العراقية متفقة على الفيدرالية الكردستانية. لذا فالنقاش هنا ينصب على الفيدراليات في المناطق العربية من العراق فقط، وهل حقاً ستحقق الفيدرالية الأمن والازدهار؟
وعليه فأنا مع الفيدرالية في العراق… ولكن!!
ولماذا هذه الـ(ولكن)؟ الجواب، لأن الوقت الآن غير ملائم لطرح مثل هذه المشاريع. لقد ورث الشعب العراقي ركاماً هائلاً من المشاكل عبر قرون من ظلم الحكومات المستبدة والتخلف، ولا يمكن حل جميع المشاكل المتراكمة دفعة واحدة وبعصا سحرية بين عشية وضحاها. إذ يجب اتباع مبدأ الأولويات في حل المشاكل.
نعم، ينقسم العرب في العراق إلى سنة وشيعة، ولكن هذا التقسيم ليس هو السبب الوحيد وراء العنف المستشري الآن، ووجود الانقسام المذهبي ليس بالأمر الجديد، ولم يخلقه الأمريكان كما يدعي البعض، إذ كان موجوداً خلال 14 قرناً من الزمان، أي قبل اكتشاف أمريكا بألف عام. وإنما اتخذت التعددية المذهبية واجهة فقط للتعبير عن العنف وتبريره، وهذا العنف الطائفي هو صناعة بعثية بامتياز. ولو لم يكن هناك سنة وشيعة لاتخذ البعثيون ذريعة أخرى لاتخاذها كواجهة للتفرقة والاقتتال، بدليل أن هذا الاقتتال يجري في المناطق الشيعية بين الشيعة والشيعة، كما جرى بين أتباع الصدر وأتباع الحكيم في الديوانية والسماوة والبصرة، وفي المناطق السنية بين السنة والسنة في الرمادي، والآن حتى بين مختلف فرق التكفيريين أنفسهم في بغداد وديالى.
لذا فإثارة موضوعة الفيدرالية المثيرة للجدل والخلاف في هذا الوقت العصيب لا توقف العنف كما يتصور البعض، بل تفاقمه، وتعتبر مسألة مضرة بالمصلحة الوطنية ويجب تأجيلها إلى أن تستقر الأمور وتهدأ النفوس وتعود الثقة بين أبناء الشعب الواحد.
وإثارة الفيدرالية في هذه المرحلة المعقدة من شأنها أن تصب الزيت على النار، خاصة وأن العرب السنة يعتقدون أن الفيدرالية هي فكرة اخترعها “الفرس المجوس” والغرض منها تفتيت العراق وسيطرة “الشيعة الصفوية” على ثروات البلاد وحرمان العرب السنة منها، وفصل الجنوب وإلحاقه بالحكم الفارسي، مثلما سيطر الفرس على إمارة الأهواز العربية (عربستان عند العرب، و خوزستان كما يسميها الإيرانيون)، بعد أن أسروا أميرها الشيخ خزعل الكعبي في أوائل القرن العشرين وقضوا على حكمه. طبعاً هذه التهمة سخيفة لن تصمد أمام أبسط نقاش منطقي، وخاصة فكرة إلحاق المحافظات العراقية الجنوبية بإيران، ولكن رغم تفاهتها فإنها لا تمنع الآخرين من طرحها وإثارة المخاوف منها لتأجيج الصراع. لذلك أرى من الضروري تجنب كل ما من شأنه تأجيج الوضع المتأزم أصلاً، خاصة واللغة السائدة الآن هي لغة الطائفية. فالمطالبة بفيدرالية أو فيدراليتين في المثلث الشيعي وأخرى في المثلث السني، سيأخذ طابعاً طائفياً ويعتبر تكريساً للطائفية ومشروعاً لتمزيق العراق إلى دويلات وكانتونات طائفية هزيلة لا تقوى على مواجهة المخاطر المحيقة بالعراق الديمقراطي. لذا فمن الحكمة تأجيل المطالبة بهذه الفيدراليات في الوقت الحاضر على الأقل، إلى أن تُحل معظم المشاكل الأخرى التي تستوجب الأولوية على غيرها، مثل الأمن وتوفير الخدمات وإعادة بناء العراق ومؤسسات المجتمع المدني وبناء الدولة الديمقراطية المستقرة المزدهرة، وعندئذٍ سيكون لكل حادث حديث.
كما إن الفيدرالية ليست مطلباً جماهيرياً في المناطق العربية، وهي مرفوضة من السنة والشيعة كما أثبتت عمليات استطلاع الرأي، وعارضها آية الله السيستاني، كما عارضها السيد مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري وجيش المهدي الذي يحتل 34 مقعداً في البرلمان. نعم إنه مطلب جماهير في كردستان فقط، وكما ذكرت آنفاً، أنا مع فيدريالية كردستان.

لافا خالد- المشهد العراقي يسير باتجاه دموي يوماً بعد آخر، هل تحول الإرهاب في العراق إلى ظاهرة، ومدت جذورها أم المسألة مرهونة بانسحاب المحتل؟

ج: الإرهاب خطط له حزب البعث بقيادة صدام حسين منذ اغتصابهم السلطة عام 1968 في حالة خسارتهم للسلطة. وفي عام 1971 كنت طبيباً في الأرياف يزورني بعض البعثيين في المنطقة، أخبرني البعض منهم أن الحزب لديه مخطط في حالة حصول انقلاب ناجح ضدهم وتأكدهم من فقدان السلطة، أن يقوم البعثيون بتدمير جميع المؤسسات الاقتصادية والبنى التحتية من أجل تعقيد الوضع على الحكومة التي تأتي بعدهم. كذلك ذكر الدكتور جواد هاشم، وزير التخطيط آنذاك في مذكراته، أن قال صدام في أحد اجتماعات مجلس الوزراء عام 1969: إن تجربة عام 1963 سوف لن تتكرر، وقد جئنا هذه المرة لنبقى في الحكم ليس لثلاثين عاماً بل لـ 300 عام، واقترح في نفس الاجتماع بتأميم حصة كولبنكيان البالغة 5% من ريع النفط العراقي وتخصيصها إلى مالية الحزب. وقدر الدكتور جواد هاشم مالية الحزب المتراكمة لحد عام 1990 بحدود 40 مليار دولار أمريكي مستثمرة في العالم تحت أسماء وهمية. وفي عام 1968 أسس صدام منظمات إرهابية تحت مختلف الأسماء لهذا الغرض.
وصدام هو الذي اقترح قبل الحرب الأخيرة أن يحل الجيش نفسه ويأخذ الأسلحة والذخيرة معه لعدم تمكنه من مواجهة القوات الأمريكية في حرب كلاسيكية، وليحتفظ بقواه وذخيرته لحرب عصابات طويلة الأمد. وبعبارة أخرى، شن حرب الإرهاب على الشعب العراقي كما هو جار الآن. لذا فالإرهاب هذا كان مخططاً له قبل سقوط البعث. وقد خدمته ظروف دولية مثل وجود منظمة القاعدة، والسلفيين التكفيريين وإيران وسوريا وغيرها من العوامل التي تعمل على إفشال العملية السياسية في العراق خوفاً من نجاح الديمقراطية ومنع وصولها إلى بلدانهم.
لا اعتقد أن الانسحاب الأمريكي سينهي الإرهاب، بل العكس هو الصحيح، إن الانسحاب سيؤدي إلى تمزيق العراق إرباً إربا من قبل منظمات الإرهاب (البعثيين والتكفيريين والمليشيات) وكذلك سيتحول العراق إلى ساحة للحرب بين الدول الإقليمية وخاصة إيران وتركيا وسوريا والأردن والسعودية وغيرها، وتصل نيرانها إلى جميع دول المنطقة. لذا لا يمكن لأمريكا أن تنسحب بعد أن دفعت كل هذه الخسائر البشرية من جنودها والمليارات الدولارات من أموالها لتقدم العراق لقمة سائغة إلى إيران والبعث والمنظمات الإرهابية الأخرى.

لافا خالد – كيف تقيِّم المشهد العراقي اليوم / الحكومة / التيارات وصراعاتها / الناس وحالهم / ماذا عن الأولويات في عراق اليوم ؟ وما هو الخطر الأشد الذي تراه سيقصم ظهر العراق برأيك إذا ما بقى هذا الواقع تراجعياً ؟

ج: المشهد العراقي الحاضر مؤلم ومأساوي، ولكنه ليس بلا أمل. المهم هناك لأول مرة في التاريخ حكومة منتخبة من قبل الشعب بانتخابات حرة وعادلة شهدت بنزاهتها الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى، بغض النظر كون هذه الانتخابات أسفرت عن ظهور حكومة دينية. فالديمقراطية لا تعني أن تفوز القوى التي تؤيد وجهات نظرنا فقط. وحكومة السيد نوري المالكي هي حكومة شرعية إئتلافية تمثل جميع مكونات الشعب العراقي. وهي تبذل كل ما في وسعها لاحتواء الموقف، ويجب أن لا نقلل مما حققته هذه الحكومة لحد الآن. فالمهمة صعبة جداً والإرهاب قوي ومدعوم من الخارج، وخصوم التغيير في العراق مستميتين، ولكن هناك خطوات نحو الأمام وليس تراجعاً إلى الوراء.
نعم، هناك تيارات عديدة وعشرات الأحزاب السياسية، وهذه التعددية الكبيرة رد فعل على نظام الحزب الواحد الذي احتكر كل شيء ولمدة طويلة. لذلك هناك صراع بين التيارات السياسية المختلفة، وهو متوقع في هذه الحالات. ولكن بمرور الزمن سيقل عدد هذه الأحزاب. الناس يعانون من فقدان الأمن والخدمات، ومن صراع هذه التيارات فيما بينها، ولكن في نهاية المطاف ليس هناك من بديل سوى المشاركة في حكم العراق.
الأولويات هي القضاء التام على الإرهابيين وعصابات الجريمة المنظمة لتحقيق الأمن وتوفير الخدمات الأساسية للشعب مثل الكهرباء والماء والمدارس والصحة وغيرها. كما وأؤكد ثانية أن ليس هناك تراجعاً ولا بديلاً عن نجاح العملية السياسية في العراق، لأن هناك إصرار أمريكي لجعل العراق نسخة من كوريا الجنوبية، وإصرار الشعب العراقي على عدم عودة الديكتاتورية إليه ثانية والاستمرار في بناء النظام الديمقراطي.

لافا خالد – نراك مقلاً في الكتابة عن الكرد الذين تجرعوا المر كما حال كل العراقيين، كيف تقييم تجربة كردستان العراق؟
بالعكس، أنا أذكر القضية الكردية في معظم كتاباتي، ولكني لست مؤهلاً بالحديث نيابة عن الكرد. فهناك من الزملاء الكتاب الأكراد الذين اعتز بصداقتهم وهم أقدر مني في الحديث عن القضية الكردية وليسوا مقصرين بهذا الصدد. كما وإني ذكرت محنة الأكراد ومعاناتهم منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 لحد سقوط النظام الفاشي وما تعرض له هذا الشعب المناضل من عمليات إبادة مثل الأنفال وحلبجة وغيرها، ذكرتها في معظم مقالاتي المنشورة، ومداخلاتي التي قدمتها في المؤتمرات والندوات العراقية والدولية، وكان آخرها مؤتمر زيورخ في آذار الماضي الذي انبثقت عنه (منظمة الدفاع عن الأقليات والمرأة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا MEMWA).
إني أقيِّم عالياً تجربة كردستان العراق، فهي تجربة غنية بالدروس والعبر أفادت ليس الكرد وحدهم بل الشعب العراقي والعالم. ففيما يخص العراق، أثبتت هذه التجربة أن الشعب العراقي يقبل النظام الديمقراطي ومؤهلاً له وليس ضده كما يزعم البعض من أعداء الديمقراطية وأعداء شعبنا الذين يقولون أن الشعب العراقي قاصر لا يفهم الديمقراطية بعد ولا يستحقها. بينما الواقع يثبت العكس حيث خاض هذا الشعب انتخابين واستفتاء عام على الدستور بنجاح وبمشاركة واسعة. أما ما يجري من إرهاب فهو ليس بسبب أن الشعب لا يعرف الديمقراطية ولا يستحقها، بل بسبب فلول البعث وهم أقلية جداً ولكنها عدوانية وشرسة جداً بما يملكونه من خبرة وحقد وأسلحة مدمرة سرقوها من الجيش السابق، وكذلك الإرهاب التكفيري الوارد من خارج الحدود ودعم دول الجوار لهذا الإرهاب. فلو يتركوا الشعب العراقي لحاله لنجحت الديمقراطية في العراق كما نجحت في كردستان.
لافا خالد – هل يمكن الحديث عن الدور الديموقراطي اللاحق في الشأن العراقي والذي سينطلق من كوردستان العراق ؟

ج: كما بينت في إجابتي على السؤال السابق، إن نجاح الديمقراطية في كردستان العراق يقدم مثلاً رائعاً لامكانية نجاحها في كل العراق. فالتجربة الكردستانية غنية بالدروس والعبر يمكن الاستفادة منها ليس في العراق فقط بل وفي جميع أنحاء العالم الثالث، إذ ليس هناك أي بديل آخر عن الديمقراطية بعد كل هذه الكوارث التي نزلت على الشعب العراقي بمختلف مكوناته بسبب الأنظمة الديكتاتورية المستبدة. فعصر الاستبداد قد ولىّ وإلى الأبد.

لافا خالد – كيف تتابع الرؤية الأمريكية لمنطقتنا برأيك؟ ما هي الخطوة المقبلة بعد العراق” وما هي الأجندة الأمريكية إقليميا ؟
ج: أعتقد أن من حسن حظ منطقتنا أن هناك دولة عظمى مثل أمريكا مهتمة بقضيتنا وعندنا ما يثير اهتمامها مثل النفط وغيره، وإلا لصارت المنطقة حقلاً لحكم الطغاة من أمثال صدام حسين وبشار الأسد وحسن نصر الله والقذافي وبن لادن والزرقاوي ومن لف لفهم.
أما الأجندة الأمريكية القادمة اقليمياً، فهي في رأيي واضحة، ألا وهي نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب والتنمية البشرية والاقتصادية. أمريكا تحاول التفاوض مع إيران من أجل تقوية ودعم التيار المعتدل وأنصار الديمقراطية فيها وبذلك يمكن سحب البساط من تحت أقدام التيار المتشدد الذي يقوده الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد وإلحاق الهزيمة به، فأحمدي نجاد هذا يسير على خطى صدام حسين كما هو واضح.
نعم، لا تعمل أمريكا كل ذلك من أجل سواد عيوننا كما يردد البعض، إذ ليس هناك شيء من أجل سواد العيون في السياسة، بل هناك مصالح مشتركة. ولكن اقتضت مصالح أمريكا على إقامة أنظمة ديمقراطية في دول المنطقة، وهذه تتطابق مصالح شعوبنا، لذلك علينا تأييدها ودعمها لإلحاق الهزيمة بالإرهاب وأعداء الديمقراطية.

لافا خالد – العالم يتجه نحو الفوضى لم يعد هناك إجماع بوجود نظام عالمي وما يحدث في الشرق الأوسط دلائل واضحة. هل تؤمن على ضوء ذلك بدمقرطة الشرق الأوسط، هل هو الحلم غير القابل للتطبيق ام الولادة العسيرة؟

ج: ما يبدو لنا فوضى عالمية هو ناتج عن السرعة غير المعهودة في التطور الاجتماعي والسياسي وما يسمى بالعو لمة. فالعولمة هي نتاج التطور المدهش في التكنولوجيا وخاصة في وسائل المواصلات والاتصالات مثل الإنترنت والفضائيات. وهذه الوسائل حولت العالم فعلاً إلى قرية كونية صغيرة. ونتيجة لهذا التطور السريع حصل تداخل وتشابك بين مصالح الشعوب. إذ لا يمكن لشعب أن يعيش اليوم لوحده في عزلة عن بقية العالم. وهذا يعني أن الشعوب تتقارب وتتلاقى في المصالح، وما كان يعتبر شأن داخلي لم يعد كذلك في عصرنا الحاضر. فالأنفال وقتل الألوف بالغازات السامة في حلبجة وقتل مئات الألوف في دارفور، لم يعد مشاكل داخلية، بل من واجب المجتمع الدولي أن يتدخل. فقد وقف المجتمع الدولي متفرجاً إزاء عمليات إبادة الجنس في رواندا عام 1994 التي راح ضحيتها نحو مليون إنسان بريء وقد وقفت الأمم المتحدة متفرجة إزاء المجزرة وندمت فيما بعد. لذلك تحرك المجتمع الدولي بقيادة أمريكا وبريطانيا لوقف إبادة الجنس في دول البلقان وفي تيمور الشرقية، وفي سيراليون ولايبريا والعراق. فكما قال توني بلير في كلمة ألقاها في جوهانسبرغ يوم أمس (31/5/2007) أن العالم بحاجة إلى تدخل خارجي لإنقاذ بعض الشعوب من همجية الحكومات المستبدة، وأن هذا التدخل الخارجي سيستمر في المستقبل.
لا شك أن الديمقراطية سوف تنجح في منطقتنا رغم الصعوبات التي تعترضها الآن. إذ هكذا بدأت الديمقراطية في الدول الأوربية العريقة في الديمقراطية. وليس هناك طريق سهل، بل يحصل التطور من خلال صراعات وأغلبها دموية، وهذا هو نمط التطور الاجتماعي في مراحل معينة من التاريخ. لذا، فما يجري في منطقة الشرق الأوسط هو فعلاً مخاض عسير لولادة الشرق الأوسط الديمقراطي الجديد وبعملية جراحية قيصرية لا بد منها.

لافا خالد – العراق، الجرح الدامي كما يصفه أهل العراق، هل هنالك أمل في عراق التفجيرات والسيارات المفخخة والجثث المجهولة؟

ج: نعم هناك أمل وأمل كبير في العراق. فكما ذكرت آنفاً إن ما يجري هو نتاج تراكمات قرون من المظالم والتخلف على أيدي الحكومات الجائرة. وهناك شحنة ضخمة من الغضب في الإنسان العراقي نتيجة تعرضه للمظالم عبر قرون وخاصة في عهد حكم البعث الغاشم والذي كان عهده كله عبارة عن حروب ومقابر جماعية ومجاعة وإذلال لكرامة المواطن. لذا وجد هؤلاء فرصتهم لتفريغ شحنة الغضب ولكن مع الأسف بطريقة عشوائية تؤدي إلى تدمير أنفسهم.
إن الدول الأوربية لم تحقق هذه الديمقراطية بسهولة، ولم تنلها على طبق من ذهب، بل نالتها بعد حروب وانتفاضات دموية لقرون من الزمن. فقد وقعت حربين عالميتين في النصف الأول من القرن العشرين راح ضحيتها 77 مليون نسمة. كذلك يجب أن لا ننسى حروب البلقان في التسعينات من نفس القرن. لذا فإن ما يجري في منطقتنا هو ليس بالأمر الجديد ولا يمثل نهاية العالم، ولكن في نهاية المطاف سيكون النصر لقوى الخير، ولا يصح إلا الصحيح.

لافا خالد – أي التعريفات تجدها اقرب للواقع ( سقوط بغداد – 9 نيسان – احتلال العراق – تحرير العراق – إسقاط النظام).
ج: بالتأكيد إسقاط النظام البعثي وتحرير العراق. لقد تم تحرير الشعب العراقي من أبشع نظام عرفه التاريخ البشري، إذ لم يكن بمقدور هذا الشعب إسقاطه بالاعتماد على قواه الذاتية. فما حصل يوم 9 نيسان ليس بالأمر الهين، إذ كان الشعب العراقي قد فقد كل أمل في التغيير، وكان كل همهم هو التفكير في مغادرة العراق. وفعلاً غادر العراق نحو خمسة ملايين مواطن، وهذا العدد أكثر من تعداد الشعب الليبي، وأكثر من شعوب دول الخليج مجتمعة عدا السعودية. وقد ساهم الشعب في التحرير عن طريق عدم الدفاع عن نظام صدام الساقط، وتحرير العراق عن طريق التدخل الخارجي ليس بالأمر الجديد في التاريخ، إذ هكذا تم تحرير ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان الفاشية العسكرية وبواسطة نفس التحالف الذي أسقط لنا الفاشية البعثية وحرر الشعب العراقي من جوره.

لافا خالد – تحرير أو احتلال العراق ، اهو حرب على الإرهاب بعد تداعيات 11 سبتمبر، أم هو المخطط الأسوأ لأمركة العالم بمفهوم العولمة؟

ج: تقول الحكمة (رب ضارة نافعة). أعتقد أن جريمة 11 سبتمبر 2001 هي التي دفعت الدولة العظمى أمريكا لمواجهة الإرهاب. يجب أن نعرف أن الإرهاب الجاري ليس نتيجة تحرير أمريكا لأفغانستان من حكم الطالبان وتحرير العراق من الفاشية البعثية، إذ كان الإرهاب جارياً على قدم وساق قبل هذا التاريخ. فحرب أمريكا على الإرهاب هي نتيجة وليست السبب للإرهاب. فالإرهاب حصل أولاً، وأمريكا ردت عليه فيما بعد. ودخول أمريكا الحرب على الإرهاب هو من صالح الشعوب العربية والإسلامية، وإلا كان في مخطط منظمة (القاعدة) ومنظمات الإرهاب الإسلامي إسقاط جميع الحكومات العربية والإسلامية وإقامة ما يسمى بـ (الحاكمية الإلهية) أو دولة الخلافة الإسلامية، يعني نظام طالبان بنسخته الأفغانية المتخلفة. ولكن تدخل أمريكا في هذه الحرب هي التي أنقذت العالم من هذا الخطر الرهيب، لأن أمريكا بما تملك من إمكانيات هائلة، عسكرية وعلمية وتكنولوجية واقتصادية، هي وحدها القادرة على مواجهة الإرهاب الإسلاموي وسحقه.
ومن هنا نعرف أن ما يجري هو ليس فرض (أمركة العالم) بمفهوم العولمة كما يردد البعض. إن العولمة هي تحصيل حاصل للتطور التكنولوجي والتقارب بين الشعوب وتداخل مصالحها، وهي خطوة كبيرة وحتمية في التطور الحضاري وحركة التاريخ. ولكن شاءت الأقدار أن تكون أمريكا هي الدولة العظمى صاحبة هذه القدرات الهائلة لتقوم بهذه المهمة الكبيرة الصعبة وقيادة العالم.

لافا خالد – ماذا عن قضية الأقليات في الشرق الأوسط، العقدة الشائكة اليوم، وكيف تختصر المشكلة والحل ؟
ج: هذه القضية كانت محور مؤتمر زيورخ الذي عقد ما بين 24-26 آذار/مارس من هذا العام، كما ذكرت أعلاه، فقد انبثقت منه (منظمة الدفاع عن الأقليات والمرأة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا MEMWA). وكان لي شرف المشاركة فيه حيث قدمت ورقة جاء فيها لحل مشكلة الأقليات ما يلي:
ضرورة توحيد الجهود والعمل المشترك والمنظم، النضال من أجل إقامة دولة المواطنة الحقيقية والتي هي وحدها الضمانة لتحقيق العدالة في التعامل بين أبناء الوطن الواحد بالتساوي في الحقوق والواجبات، وبدون أي تمييز، والتأكيد على الهوية الوطنية والولاء الوطني أولاً، من دون إلغاء الهويات والانتماءات الثانوية الأخرى. ورفع شعار “الديمقراطية هي الحل” والتأكيد على العلمانية وفصل الدين عن الدولة والسياسة، والتأكيد على استخدام الوسائل السلمية في النضال لتحقيق هذه الأهداف النبيلة، إذ يجب تجنب العنف إلا في حالة الدفاع عن النفس. كما واقترحت تبني نظام انتخابي يكفل للأقليات نسبة من المقاعد في البرلمانات والمجالس المحلية تتناسب مع نسبتها العددية في السكان في كل دولة وبلدة، وهذا لن يتحقق إلا بتبني نظام التمثيل النسبي proportional Representation=PR.
كما وأكدت على أن يكون لنا، نحن أعضاء المؤتمر وخاصة المقيمين منا في المهجر، ثقل في الدول الديمقراطية الغربية التي نقيم فيها وذلك بتكوين منظمات الضغط ولوبيات (lobbies)، وإقامة علاقات واسعة مع الإعلام والسياسيين والأحزاب والشخصيات السياسية ومنظمات المجتمع المدني في هذه البلدان، ونقوم بفضح المظالم التي تتعرض لها الأقليات والمرأة في بلدان الشرق الأوسط ونطالب الرأي العام العالمي وخاصة في الغرب بالوقوف بحزم ضد الحكومات العربية المستبدة التي تضطهد الأقليات وتحرمها من حقوقها الوطنية.
كذلك طالبت بشن حملة تثقيف وذلك بالعمل على الترويج لدولة المواطنة والديمقراطية والعلمانية وروح التسامح مع المختلف، واحترام حرية الأديان والمعتقد وحرية الإنسان كفرد في المجتمع واعتباره قيمة إنسانية عليا مطلقة، ونشر ثقافة حب الحياة وتقديسها، وأن لا نكتفي بفضح استبداد السلطة فقط، بل وفضح الاستبداد الاجتماعي ومواجهة التزمت الديني والتعصب الطائفي وفضح فقهاء الموت ومقاضاتهم، والعمل على نشر هذه الأفكار عن طريق كافة وسائل الإعلام المتاحة لنا وكل من موقعه وحسب اقتداره.

لافا خالد – كتبت عن المرأة، فعن أيها تتحدث وأنت تعيش في لندن؟ ألا ترى بأن واقع المرأة وظروف حياتها لا يختلف عن المشهد العراقي المؤسف؟

ج: وجودي في لندن أو غيرها خارج العراق لا يمنعني من معرفة ظروف المرأة العراقية وفي أي بلد أخر من العالم الثالث. ففي عصر التكنولوجيا المتطورة والثورة المعلوماتية ووسائل الإعلام من الفضائيات والإنترنت على مدار الساعة، ليس صعباً على الباحث والمتتبع الجاد أن يعرف ما يجري في العراق وغيره من مظالم على المرأة وأية شريحة من شرائح المجتمع. فنحن على إطلاع متواصل بما يجر في العالم. ولو كنت في العراق لما توفرت لي حرية الكتابة التي أتمتع بها وأنا في الخارج. إذ تصلنا رسائل من أصدقائنا في العراق يطالبوننا بمواصلة الكتابة وفضح القوى الظلامية لأنهم في العراق لا يتمتعون بنفس الحرية التي نتمتع بها نحن في المهجر، لا خوفاً من الحكومة، بل خوفاً من الطغيان الديني والاستبداد الاجتماعي الذي هو أبشع من استبداد السلطة.
نعم، واقع المرأة هو جزء من المشهد العراقي، ولكن كما تعلمين أن حصة المرأة في المظالم والمصائب مضاعفة. فكما للرجل مثل حظ الأنثيين في الميراث والمغانم، ولكن في المصائب حصة المرأة ضعف حصة الرجل. فهي التي تتحمل أعباء العائلة، وهناك الملايين من الأرامل والأيتام والعوانس بسبب الحروب العبثية التي شنها نظام البعث الساقط وما يجري الآن من إرهاب في فرض قوانين قرقوشية على المرأة من قبل الإرهابيين والمليشيات الإسلامية. وهذه المعلومات متوفرة للجميع ولا تحتاج أن نكون في العراق للتعرف عليها. ووجودنا في الخارج يوفر لنا حرية فضح هذه المظالم وفضح الجهات التي تقف وراءها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *