الرئيسية » مقالات » خطأ صغير له دلالات عظيمة

خطأ صغير له دلالات عظيمة

المصالحة السياسية الواسعة شرط لنجاح العملية السياسية، ولم يعد مجرد مطلب سياسي محلي، فهو ذو أبعاد إقليمية ودولية واسعة، وقد أصبح أحد أهم الشروط الأمريكية للاستمرار بدعمها لحكومة المالكي. قبلت الحكومة هذا التحدي الذي بدا مستحيلا في الوهلة الأولى، لكن يبدو أنها تحقق نجاحات سياسية كبيرة بعد أن حققت العمليات العسكرية تقدما ملموسا على أرض الواقع، حيث أننا نستطيع قراءة ذلك من خلال الشروط الجديدة لحزب البعث مقابل دخوله بالعملية السياسية، ذلك أن الطريقة التي قدم البعث بها شروطه للدخول في العملية السياسية كانت تمثل خطأ تكتيكياً منه، يبدو صغيراً، لكن في الواقع له دلالات كبيرة تكشف عن عمق الأزمة التي يمر بها البعث حالياُ.
الشروط البعثية الجديدة وإن بدت بسيطة للغاية لكن القبول بها أمر مستحيل، لأن مفرداتها تشكل المؤشرات الأقوى على نجاح جهود المصالحة ووصولها إلى هذا الحد. بمعنى أن النجاح الذي حققته الحكومة مستهدف بهذه الشروط الجديدة، وبذات الوقت أن دخولهم بعملية المصالحة مؤشر جيد على تخطي عملية المصالحة مراحل مهمة للغاية وأنها حققت نجاحات باهرة. لذا جائت الشروط البعثية الجديدة لكي تجهز بالكامل على كل ما تم تحقيقه، ففي نظرة تحليلية لهذه الشروط نجد أن البعث بدأ يشعر أن الأرض تهتز بقوة من تحت أقدامه لذا قرر التخلي عن شروطه التعجيزية القديمة وأبدلها بأخرى تخرجه من أزمته الحالية بعد أن أدرك أنها ستكون القاضية ما لم يتداركوا الأمر.
لعلنا مازلنا نتذكر شروط حزب البعث الأولى للدخول في العملية السياسية، وهي انسحاب القوات الأجنبية من العراق بدون قيد أو شرط، وتشكيل حكومة إنقاذ بقيادة حزب البعث، وإلغاء قانون اجتثاث البعث، وإلغاء الدستور وحل البرلمان وكتابة دستور جديد، وإعادة تشكيل الجيش والقوات المسلحة القديمة بعد حل الجيش والقوات المسلحة الجديدة وإعادة تشكيل الأجهزة الاستخبارية القديمة بالكامل، وبالطبع إلغاء فدرالية كوردستان، وشروط أخرى أقل أهمية من هذه.
لكن طالعتنا أمس صحيفة الحياة بخبر غاية بالأهمية وهو أن السيدة باسمة الساعدي مستشارة المالكي المسؤولة عن غرفة العمليات في مجلس الوزراء التقت في بغداد خلال الشهر الجاري وفداً يمثل الجماعات المسلحة التابعة للبعث بقيادة عزة الدوري، يرأس الوفد قيادي بعثي وضابط سابق في الجيش يدعى عبد محمد فلاح العساف وتم التفاوض حول إمكانية انخراطهم في المصالحة الوطنية. العساف، أو العسافي كما ذكرت اسمه الصحيفة، قدم نفسه كناطق باسم كل الفصائل المسلحة في الأنبار.
اشترط هذا العسافي مقابل وقف العنف والاعتراف بالحكومة ودعم العملية السياسية داخلياً وخارجياً إجراء تعديلات لرسم خريطة سياسية وأمنية جديدة في المحافظة كمرحلة أولى تتضمن سحب دعم الحكومة لعشائر مجلس الإنقاذ وإبعاد مجلس صحوة الأنبار عن العمل السياسي في المحافظة، وتشكيل جبهة سياسية تضع برنامجاً متكاملاً لإدارة المحافظة.
فما الذي دفع البعث للتخلي عن تلك الشروط دفعة واحدة والقبول بشروط جديدة لم تكن يوما ما من ضمن حساباتهم؟ تبدو بسيطة للغاية وممكنة التحقيق من الوهلة الأولى، لكن البعث ليس حديث عهد بنا كعراقيين، وإن حجم الدراسات التي قام بها المحللون السياسيون والاجتماعيون والعسكريون عن البعث وأساليب عمله واستراتيجياته كانت كبيرة جدا ووافية جدا، هذه الدراسات توضح بجلاء السبب الحقيقي وراء هذه المطالب التي تبدو بسيطة من حيث الشكل. بكلمة أخرى، إن تحقيقها يعني تراجع عملية المصالحة لمربعها الأول، وبذات الوقت، توفر المخرج الموضوعي والوحيد للبعث من أزمته الخانقة التي يعيشها الآن.
فما هي أزمة البعث الحقيقية في الواقع الجديد؟ وكيف يستطيع الخروج من هذه الأزمة بتحقيق هذه الشروط؟
إن ما انتهت عنده الدراسات التي تناولت البعث هو أن استراتيجيته تعتمد على عدة مفاصل، أهمها أنه يعمل ضمن ملاذات آمنة تدعمه اجتماعيا حتى لو كان الدعم قسرا بقوة السلاح، وثانيا استغلال البعد العشائري والطائفي للبعثيين بتوفير الدعم اللوجستي الكامل من قبل أبناء هذه المناطق أو الملاذات الآمنة، كما ويجب أن توفير لهم أيضا القوة البشرية التي تسد النقص بالعامل البشري للمساهمة بتنفيذ المهمات، هذا فضلا عن اتخاذهم من سكان تلك المناطق دروعا بشرية لهم تحميهم من هجمات العدو.
لكن التوجه الواقعي الجديد لعشائر الدليم بعد أن ذاقوا ذرعا بالقاعدة التي استباحت حرماتهم واتخذت منهم وسيلة طيعة لتنفيذ مخططاتها ومخططات البعث، هذا التوجه للعشائر بالتحالف مع الحكومة لطرد هذه العناصر المسلحة من مناطقهم سحب البساط، بل الأرض، من تحت أقدام البعث لاعتماده المطلق على هذه العشائر باعتبارها بعدا استراتيجيا له وفق تلك الدراسات. لذا من الطبيعي أن يوجه البعث أنظاره نحو العدو الجديد في الأنبار بالخصوص متناسيا مطالبه التي سبق ذكرها.
الإعلان عن الشروط البعثية هذه يعد مؤشرا دقيقا يصف حالة الضعف التي وصل إليها البعث، فهي فعلا مزرية للحد الذي دفعته الظروف الجديدة إلى التنازل عما كان يطالب به عندما كان في موقع القوة، أي عندما كانت العناصر المسلحة بكل اتجاهاتها تعمل لصالح مشروعه القذر في منطقة واسعة يتحكم بها بشكل كامل.
لقد أدركوا أن الخطأ كان كبيراً، لذا عادت الحياة اليوم لتعلن أن المتحدث الرسمي باسم البعث العسافي كما أسمته، قد نفى أنه يمثل البعث، وبذات الوقت، تحامت الشرق الأوسط ولوس انجلس تايمس إسفينا بين الحكومة العراقية وعشائر الدليم الثائرة ضد هيمنة البعث والقاعدة على مدنهم والتي سلبتهم أبسط حقوق العيش الكريم، فكان أول الغيث تحذير هذه الصحف بمقالة مطولة كانت بعنوان “تسليح العشائر العراقية يضع الأنبار فوق برميل بارود”.
ومن أهم وسائل البعث المعروفة أو التي أشبعت بحثا هو اعتماده على الإعلام الموجه وإطلاقه نحو أقصى حدود الكذب من خلال تحييد الإعلام المحايد أو المعادي، وهو الذي يساهم مساهمة كبيرة ومباشرة بخلط الأوراق، لذا فإن الشرق الأوسط أخذت دورها الطبيعي بدعم المخطط البعثي من خلال تصحيح الخطأ الكبير الذي وقع به العسافي، وبذات الوقت، تعمل باستراتيجيتها التي يجب أن تعمل عليها لنصرة البعث بشكل غير مباشر وذلك من خلال نشرها ريبورتاج التحذير مع لوس انجلس تايمس سالف الذكر، وغدا سيأتي دور الواشنطن بوست والبي بي سي البريطانية والنيويورك تايمز ورويتر وغيرها بنشر ريبورتاجات ودراسات تحليلية كبيرة لأسماء أفرنجية من أجل كسب ثقة القارئ العربي الذي مازال يعيش تحت تأثير عقدة الخواجة كما يسميها المصريون، هدف الحملة الإعلامية المتوقعة هو نسف التحالف الجديد بين الحكومة والعشائر الثائرة في جميع أنحاء العراق، لأنه التحالف الذي قلب أرقام المعادلة رأسا على عقب، وأحكم الطوق حول رقبة البعث.
ما أضيف لهذه الاستراتيجية حديثا بعد سقوط نظام البعث، هو أنهم استفادوا من رغبة القاعدة بإقامة إمارة إسلامية لها في العراق، لذا وفروا لهم كل أسباب البقاء والعمل في العراق من خلال تلك الآليات بعمل البعثيين، وذلك للإفادة من حالة الفوضى التي تنجم عن عمل القاعدة التخريبي الذي يخرج عن أي قاعدة أو عرف إنساني، حيث لولا وجود الدعم البعثي لما استطاعت القاعدة العمل في العراق، والمعلومات التي وردت في رسالة الزرقاوي الشهيرة تعطينا تفاصيل أكثر دقة عن الوضع الذي كان يعيشه البعث والقاعدة، وهي خير دليل على دقة ما ذهبنا إليه.
ومادمنا نتحدث عن مصالحة وتحالف وجبهة سياسية في الأنبار لابد لنا أن نتذكر أن تحالفات البعث لم تكن يوما ما صادقة، فهي تحالفات مرحلية، يسعى نحوها فقط عند شعوره بالضعف من أجل تصفية خصومه الواحد تلو الآخر حتى يتمكن من خلق واقع جديد يكون فيه سيد القرار، وبالتالي يستطيع تنفيذ سياساته بالكامل. لكن هذه المرة جاء تحالفه مع القاعدة وبالا عليه، لأن القاعدة أقوى منه وأكثر بشاعة ووحشية بالرغم من أنه يعمل كحاضنة لها مستفيدا من علاقاته العشائرية وقيم العشيرة، لكن القاعدة بما عرف عنها من بهيمية وسذاجة مطلقة بالتعامل مع الجميع، قد تجاوزت علي هذه العشائر وعضت اليد التي امتدت لها، لذا دفعت بهذه العشائر أن تصب جام غضبها وسخطها على البعث أولا كونه هو الذي ورطها باحتضان القاعدة، وثانيا على القاعدة نفسها، لذا وجد البعث نفسه مضطرا لإبعاد العشائر عن المعترك السياسي والعملياتي من خلال: أولا تحالفه مع الحكومة بشروطه الجديدة المتمثلة بإبعاد العشائر عن المعترك السياسي لكي يتسنى له تصفية العناصر الفاعلة من هذه العشائر التي خرجت عن الطوق والطاعة وضربت بمشروع البعث عرض الحائط، وثانيا نسف مشروع المصالحة من جذوره حيث أنه المشروع الذي سحب الأرض من تحت أقامهم، وثالثا نسف الثقة التي طرحتها العشائر بالحكومة وبالتالي لا تستطيع أن تستقطب العشائر مرة أخرى في أي مكان آخر من العراق وإظهار الحكومة على أنها مستعدة للغدر في أي لحظة ولمجرد أن يلوح لها البعث بورقة المصالحة وإنهاء العنف المسلح، حيث أن البعث، وكما أسلفنا، يعتبر هذه العشائر بعده الاستراتيجي وعليه يجب أن يبعد أي تحالف لها مع أي جهة كانت، وخصوصا الحكومة أو الأمريكان، لذا أعتقد أن لجوء البعث لهذه الخديعة التي توجهوا بها للحكومة يدل على أن البعث لم يعد باستطاعته منع هذه العشائر عن التحالف مع الحكومة والعودة لأحضان الوطن.
مازال البعثيون يقاتلون بأسلحة وأجساد القاعدة والمرتزقة في محافظات أخرى، بذات الوقت تشهد هذه المحافظات تحالفات لعشائرها مع الحكومة من أجل تحرير أراضيها من وجود القاعدة، والبعث طبعا، وهذا ما يغيض البعث لأنه يعني خروجه من كل المناطق التي اعتبرها تاريخيا ملاذات آمنة له يفعل بها ما يشاء، ذلك لأن العشائر أدركت أخيرا أن البعث لا يهمه إطلاقا مصالحها، فكل ما يهمه هو أنه يعود للسلطة على حساب كل شيء، أو أي شيء، حتى لو كانت الوسيلة قذرة، وليس أدل على هذه الحقيقة من التحرك البعثي الجديد الذي يشترط على الحكومة إبعاد العشائر عن أي عملية سياسية في الأنبار لكي يتسنى له تصفية شيوخها وعناصرها النشطة التي تحررت من التزاماتها مع البعث الغادر.
فيما لو استجابت الحكومة لشروط البعث تحت أي مسمى أو ضغط، فإن ذلك يعتبر خيانة وطعن بالظهر لأهل الأنبار بعد عودتهم لأحضان الوطن، وعلى الحكومة أن تتذكر حقيقة البعث الغادر الذي لا يمكن لأحد مهما كان أن يأمن جانبه بأي تحالف، حيث أن تاريخ البعث بالغدر والخيانة طويل جدا، وتعتبر هذه السمات من أهم ما يميز البعث عن غيره من الأحزاب،
البعث يلفظ أنفاسه الأخيرة، فلا تستجيبوا لشروطه وتعيدوا له الحياة من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *